أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
الجنائن المغلقة.. من التراث إلى الإبداع
عدد مرات المشاهدة :938 - May 20, 2007
جاسم الولائي
الجزء الأول صدر قبل شهرين، اليوم جزؤها الثاني. في أكثر من 800 صفحة. الرواية صدرت أول مرة عام 2000 عن دار بوديوم السويدية، رسمية أيضا، ولم تطرح آنذاك للبيع سوى على الانترنت تجربة جديدة في عالم النشر، أي الطبع حسب الطلب، هكذا لم تصل الرواية القراء في الوطن العربي مع سعرها السابق البالغ ثلاثين دولارا رغم ترحاب النقاد الحار بها على الصحافة الورقية. اليوم سعرها في طبعة شعبية أنيقة عن دائرة الشؤون الثقافية العراقية لا يتجاوز ثلاثة دولارات. من المفارقات ان مكافأة الخطيب عن الطبعة الأولى استبدلها بعدد من النسخ وزعت على معارف وأصدقاء. مكافأته عن طبعتها الثانية هذه، و يمكن اعتبارها الأولى حقا، ثلاثمائة دولار فقط، عن كلا الجزئين! ولا أحد يستلم المكافأة، صعوبات وخطر الوصول إلى الوزارة رغم الخطة الامنية وتعقيدات التسليم والاستلام تغني عن ذلك، رواية أخذت من عمر الخطيب خمسة أعوام كاملة عملا متواصلا. علق الخطيب مبتسما حين أبديت دهشتي: القناعة كنز.. يفنى.
بصدور المجلد الثاني لرواية (الجنائن المغلقة) تكتمل اليوم رائعة أدبية باعتراف مَن تناولها سابقا بالعرض والتحليل، طبعة منقحة قليلا. في مقارنة سريعة بسابقتها نلاحظ غياب اسم رئيس منها وسطر حوار، كلمات قليلة، سألت الخطيب أجاب: في حالة الاسم اتصلت بي مجموعة مدافعة عن حقوق الانسان، أوضحتْ خروقات، تجاوزت الاسم، غير ذلك خطأ مطبعي الأرجح، أو ان الخبير المراجع وجد ثمة ما يخدش العياء.
برهان ينطلق عادة في كتاباته من عدة ثقافات، عربية، فهو لا يخرق السائد إلاّ بالمعقول. غربية، فهو يدعو إلى التحرر المنضبط. وشرقية، فهو يقارب فلسفاتها البوذية والزرادشتية مع تقصي دوافع شخصياته الروائية. الانسان عنده طبقات سيسيولوجية، كطبقات الأرض الجيولوجية، يوظفها جميعا كأرث واحد في بناء روايته، بل عالمه الروائي. أسلوبه غير عادي بدقته واتساعه، شكله معقد بسيط، مضمونه دفاعي عن الذات والمجموع، حدثه شخصي وعام، ذلك بعض ما يميز عمله عن أعمال روائية لغيره. معتمدا تجارب خاصة وعامة ينحو بخطابه الروائي في فضاء إنساني عبر أزمنة الى البشر، حاملا الهم الوجودي والاجتماعي والسياسي في ثنايا شخصياته الحية المستوفزة، بشروط الوطن والغربة، هكذا أرسى وقته ومكانه روائيا، واسمه ليبقى.
أعمال برهان الخطيب الأساسية: بابل الفيحاء، الجسور الزجاجية، ليلة بغدادية، حب في موسكو، نجوم الظهر، وأخيرا: الجنائن المغلقة، التي بين أيدينا، وغيرها، تواجه قارئها بمواضيع عصرنا الأساسية: الغيرة، الحرية، الاغتراب، الوهم، ثقل الواقع، الجنس، البيت، المال، التربية الروحية، الإيمان، الاختلاف والاتفاق، الموت، صراع الاجيال، وغير ذلك، على أرضية واقعية مبتكرة غنية بالتفاصيل النفسية والمادية والتأريخية.
روايات الخطيب ليست فقط حوادث وشخصيات وتشويق، هي إنارة ودراسات تغلغلت في الانسان والمجتمع العراقي والدولي، لبست لباس الفن والفكر. نعم، كل منها عن زمن وحدث ومشكلة معينة، إنما صورت أزمات نفسية متوارثة وحالات نمطية متواجدة مع تحولات الانسان، العراقي تحديدا، وبلده، في صيغ إشكالية جمالية عالية، لقارئ أيا ومتى كان.
يقيم المؤلف عالمه برصد منظومات متضادة، اخلاقية ونفسية وفكرية، اشتباكات وطموحات، لمجموعة من الناس، مع ظهور واختفاء هذا أو ذاك طبعا هنا وهناك، أغلبهم من عائلة واحدة تقريبا، عائلة سالم عبد الستار، أصدقاء لهم وخصوم، في فترات مفصلية ممتدة نصف قرن، من منتصف القرن الماضي الى يومنا، هي روايات منفصلة بعضها عن بعض، لكل حدثها وعقدتها وخاتمتها، ومتصلة ايضا، في حدث شامل غير منته، بمجموعها تشكل واحدة من اكبر روايات العالم اليوم على الأرجح. أظن لو اهتمت موسوعة جينيس بهذه الرواية كما يجب وجدت ربما أنها الأكبر. كما استغرقت كتابتها أربعة عقود، بدأها الخطيب في العشرين من عمره (أول الأجزاء ظهر عام 1971 عن دار عويدات) استمر يكتبها حتى الساعة وهو في الستين، (قال الخطيب لأحد زملائه في مصارحة مازحة عابرة: حين أنام يأخذ بدني تلقائيا على السرير شكل الجلوس العادي على كرسي الكتابة).
روايته (على تخوم الألفين) قيد النشر حتى الآن حلقة في هذه الملحمة الروائية الفريدة، سبعة اجزاء حتى الان صدرت، الجنائن المغلقة في حد ذاتها بطبعتها الحالية مكونة من جزئين قلت، هي في الحقيقة، بالمتن، أربعة أجزاء، كل جزء يصور جانبا من حدث جرى في وقت ومدينة معينين: بغداد، موسكو، دمشق، ستوكهولم. هوليود اعتمدت هذا التكنيك هذا العام لتصوير أحد أفلامها. الملحمة مستمرة، هي بلا مبالغة من غرار الملاحم الأدبية الكبرى، الألياذة، الاوديسة، الشهنامة، وغيرها، ولو أنها لم تكتب شعرا عاد الخطيب إلى أجزائها المنشورة ونقحها، لغة متماسكة، أحداث كبيرة، مصائر متشابكة. ملحمة ستكون بارزة في الأدب العربي وربما العالمي لو صح تقديري تماما.
لملحمة الخطيب سمة بين الملاحم، الالتزام بها والابداع في آن صعب، أي العقلانية، الخيار الحتمي لعصرنا المجنون بالعقل. الملاحم القديمة تعرض خوارق يسهل للمخيلة ادعاؤها واستثمارها أدبيا. ملحمة الخطيب مبنية على وقائع عادية، بعضها من سيرته وسيرة الناس حوله، عشناها، نعرف كمية الحقيقي فيها والمتخيل، هكذا يمكن الحكم بدقة لصالح المؤلف على مقدار تعبيرية ملحمة الخطيب وصدقها، بعيدا عن الملاحم القديمة التي خرجت غالبا عن الاطار الفني والوقائعي لها.
الخطيب يؤكد الصلة العضوية والفكرية لعمله بالملاحم القديمة، حين يقارع أبطاله الصغار بأفعالهم مصيرهم، من اجل السيطرة علية لا الخضوع له. هنا أقول القدر مفهوم وصلنا من الملاحم الاغريقية طبعا، قد لا يكون له علاقة بحياة العراقيين القائمة على القسمة والنصيب والخضوع للمشيئة الألهية، الخطيب يعرف هذا جيدا، درس في الأقل بمعهد أدبي عال للكتاب، واطلع على الأدب العالمي قبل الانضمام إليه، سألته عن ذلك، أجاب ليس كل العراقيين يعيشون بعين المبادئ، بل و هم يقولون عندنا: الحذر غلب القدر، أو: هذا شلون قدر ! هذا قدر مزحلق ! يعني أن القدر داخل في مجموعة أفكارهم، يجب تغذية هذا لتعضيد اعتمادهم على أنفسهم، باتجاه تنمية شخصيتهم وواقعهم لتكتسب الحيز المريح لها. هم يحاولون حتى بأفكار قصية عنهم الافلات من معوقات يجابَهون بها من أفكار بالية، في مدينتي القديمة بابل تميل نساؤنا حتى اليوم إذا ازعجهن شئ لنخوة الألهة البابلية "أوي... عشترو.." المقصود عشتار طبعا، الرجال لا يقولون هذا مطلقا، الأفكار السائدة تلعن ما هو خارجها للأسف، لتروج نفسها، هكذا تجفف منابع الفكر المتعددة، هذا يضعف العقول العادية، لكنْ هناك أفكار حديثة تناسب تحديات العصر تسللت إلى الطليعية منها، ترتكز عليها في معالجة أمور الحياة، منها فكرة السيطرة على المصير والقدر، يظهر هذا في الأدب عموما، في رواياتي أيضا.
يقرن الخطيب في رواية له سابقة للجنائن المغلقة خروج بطله خالد الى الغربة بخروج كلكامش إلى مغامرته حتى أعالي الفرات، هو يبني إذن على أساس توفر من تراثه العراقي، صعودا إلى فضاء الابداع الحديث، مؤكدا ديمومة وحضور ثقافة أمته العراقية حتى اليوم. بالتفاضل والتكامل يضيف الخطيب، نقضا لغياب وضد تخريب آثارها مما رأينا عهد الاحتلال.
يبدو ان الخطيب كان منذ بدايته متصورا جيدا لكل أبعاد مهمته الأدبية، في أمسية أدبية بمدينة مالمو جنوب السويد سألوه هل يرى رواياته تختلف عن غيرها، رد بين مازح وجاد كعادته: التنوع سمة الأشياء، السيارات مثلا أنواع، السيارة الرياضية السبورت غير الشاحنة، كذلك الروايات تختلف بعضها عن بعض، هكذا أجد رواياتي من نوع الشاحنات النواقل بن الأمم.
استطاع الخطيب، بالعزلة والمثابرة، رغم زلازل نزلت فيه وحوله، التركيز في مواضيعه، انجاز معظم مشروعه الأدبي الضخم حتى الآن، و ربما بسبب من رواياته وانشغالاته عليها تعرض للزلازل، بدءً من الاغتراب وهو مهندس ناجح في ديوان رئاسة مهندسي وزارة الاصلاح الزراعي ببغداد، إلى الطلاق والتسفير قبل البريسترويكا من (قلعة السلم والاشتراكية) التي انهارت بعد حين وهو المترجم الأدبي المستمتع بوظيفة دار نشر مرموقة حينه. بدا لي ليس في ذلك لو كان خسران ما ترك مرارة في نفسه، الفن والأدب يتطلبان تضحية، أوضح الخطيب: حتى الخسارة تغني الروائي لو كان مخلصا لفنه. يتذكر أيضا، أحد مثقفي مدينته بابل، السيد موسى نادي علي، صاحب سوبر ماركت، قال له مؤخرا: روايتك (بابل الفيحاء) تنتمي إلى مدينتنا أكثر من انتمائك إليها، أنت هجرتها وروايتك أصبحت جزء لا ينفصل عنها. في هذا الكثير من الشجن طبعا، والكثير من الفرح، لروائي لا يكف عن التفكير في مدينته والكتابة عنها، حتى بعد أكثر من اربعة عقود على رحيله عنها.
لا أدري هل قرأتم بعض قصائده التي يتغني فيها بحبه وشوقه لها؟
إن رواياته خارطة لتضاريس فينا، وأخرى نتحرك عليها.
يعود الخطيب إلى مدينته مرة أخرى إذن بروايته (الجنائن المغلقة)..
معرفة أصل الأشياء وأجوبة على أسئلة غامضة وتفسير ظواهر خارقة هم حملته جدة حامد منذ غياب زوجها وأورثته بعد وفاتها إلى قلة من أحفاد مختارين، هم بدأ حين واجهها السؤال الأكبر في حياتها، السؤال الوحيد الذي لم تستطع العثور على جواب له في دهاليز عقلها الدؤوب غير المنقطع حتى حين تنام عن التنقيب في رموز وإشارات متجلية في الطريق والبيت بخطوات شيطان حينا وخفق جناحي ملاك حينا آخر ونداء مثلا لبائع جوال روج لبضاعته: يشامغ.. يشامغ.. سمعته هي: قشامغ.. قشامغ.. وفهمته: قشامر.. قشامر.. وفسرته: العرب قشامر حين يلبسون يشامغ، طريقة سرية ليعلن البائع الغريب عن نفسه وبضاعته الحقيقية، ظواهر عرضت لها الحياة صراعا دائما بين خير وشر لم تعرف كنههما خارج خيمة إيمانها المغلقة دون سماء طافحة بوجه الرب ونوره، صراع متواصل في وبين أحفادها في باحة بيتها أيضا التي عبدتها بطابوقات مقدسة لديها ثم قامت في منتصف ليل وانتزعتها وبدأت تعبد بها الباحة ثانية بالطريقة التي رأتها أفضل من سابقتها فثالثة في ليلة أخرى فرابعة فخامسة حتى لم تعد تذكر كيف ومتى بدأت وانتهت متاهة الحزوز التي صنعتها برص تلك الطابوقات، متاهة غالبا ما وجدت نفسها وطفولتها تضيع فيها أكثر مما كانت تنقذ منهما وهي تخلق وتمد وتلاقي فروعها على أمل بلوغ كمال في رصفها وجعلها حصنا لها ولأفكارها يقي من الذوبان في الزمن بتجميده في خطوط على تلك الطابوقات أخيرا كما فعل أجدادها البابليون في رقائم شاهدتها أثناء زياراتها لضريح عمران بين بابل والحلة واستلهمتها في صنع رقائم خاصة بسلالتها في تلك الباحة بحيث أنها كانت حين تريد أن تعرف ماذا حدث في تأريخ ما تبحث في الحزوز بأطراف أصابعها حتى تعثر على ما تريد.. ص 39
هذا المقطع العشوائي يرينا طريقة واسلوب الخطيب الاستيعابي المتسع في الكتابة، بعض تفاصيل وهموم روايته، أحفاد سوف ينتشرون في الأرض، بغداد، موسكو، دمشق، ستوكهولم، هكذا هي فصوص الرواية وفصولها، حامد، عدنان، خالد، ضرغام، هؤلاء هم الابطال، لكل صليبه على كتفه، في صراع وتفاعل بعضهم ببعض، وبينهم جميعا كعراقيين مع العالم كله، مصممين أن لا تضيع حيواتهم عبثا على ارصفة الوطن والغربة.
مَن سيخسر منهم ومَن يكسب وماذا ولماذا، ذلك ما تغوص من اجله هذه الرواية في كل التفاصيل، بحثا عن الجوهري، الدال على معان مفقودة، التي بسببها يضيع أناس ويجدون أنفسهم لو وقعوا عليها..
ندهش ونحن نقرأ، هذا الكتاب للخطيب انجز عام 1996 ونشر أول مرة عام 2000 في السويد قلت، لكنه يسرد أيضا عن لجوء رجال من نظام صدام الى السويد هذه الأيام.. وهو ما يحدث فعلا..
كأن المؤلف كان يرى المستقبل على كرة بلورية حين كتبه..
الكتاب الجيد لا يختفي، كلاسيكيا كان او حديثا، الكتب الكلاسيكية باقية نعرف اطول من جديدة، لربما لأنها انجزت بجهد كبير، وحرفية عالية، خلاف المكتوبة تمشيا وضرورات سوق متغيرة ومعها بعض القيم..
بصدور المجلد الثاني لرواية (الجنائن المغلقة) تكتمل اليوم رائعة أدبية باعتراف مَن تناولها سابقا بالعرض والتحليل، طبعة منقحة قليلا. في مقارنة سريعة بسابقتها نلاحظ غياب اسم رئيس منها وسطر حوار، كلمات قليلة، سألت الخطيب أجاب: في حالة الاسم اتصلت بي مجموعة مدافعة عن حقوق الانسان، أوضحتْ خروقات، تجاوزت الاسم، غير ذلك خطأ مطبعي الأرجح، أو ان الخبير المراجع وجد ثمة ما يخدش العياء.
برهان ينطلق عادة في كتاباته من عدة ثقافات، عربية، فهو لا يخرق السائد إلاّ بالمعقول. غربية، فهو يدعو إلى التحرر المنضبط. وشرقية، فهو يقارب فلسفاتها البوذية والزرادشتية مع تقصي دوافع شخصياته الروائية. الانسان عنده طبقات سيسيولوجية، كطبقات الأرض الجيولوجية، يوظفها جميعا كأرث واحد في بناء روايته، بل عالمه الروائي. أسلوبه غير عادي بدقته واتساعه، شكله معقد بسيط، مضمونه دفاعي عن الذات والمجموع، حدثه شخصي وعام، ذلك بعض ما يميز عمله عن أعمال روائية لغيره. معتمدا تجارب خاصة وعامة ينحو بخطابه الروائي في فضاء إنساني عبر أزمنة الى البشر، حاملا الهم الوجودي والاجتماعي والسياسي في ثنايا شخصياته الحية المستوفزة، بشروط الوطن والغربة، هكذا أرسى وقته ومكانه روائيا، واسمه ليبقى.
أعمال برهان الخطيب الأساسية: بابل الفيحاء، الجسور الزجاجية، ليلة بغدادية، حب في موسكو، نجوم الظهر، وأخيرا: الجنائن المغلقة، التي بين أيدينا، وغيرها، تواجه قارئها بمواضيع عصرنا الأساسية: الغيرة، الحرية، الاغتراب، الوهم، ثقل الواقع، الجنس، البيت، المال، التربية الروحية، الإيمان، الاختلاف والاتفاق، الموت، صراع الاجيال، وغير ذلك، على أرضية واقعية مبتكرة غنية بالتفاصيل النفسية والمادية والتأريخية.
روايات الخطيب ليست فقط حوادث وشخصيات وتشويق، هي إنارة ودراسات تغلغلت في الانسان والمجتمع العراقي والدولي، لبست لباس الفن والفكر. نعم، كل منها عن زمن وحدث ومشكلة معينة، إنما صورت أزمات نفسية متوارثة وحالات نمطية متواجدة مع تحولات الانسان، العراقي تحديدا، وبلده، في صيغ إشكالية جمالية عالية، لقارئ أيا ومتى كان.
يقيم المؤلف عالمه برصد منظومات متضادة، اخلاقية ونفسية وفكرية، اشتباكات وطموحات، لمجموعة من الناس، مع ظهور واختفاء هذا أو ذاك طبعا هنا وهناك، أغلبهم من عائلة واحدة تقريبا، عائلة سالم عبد الستار، أصدقاء لهم وخصوم، في فترات مفصلية ممتدة نصف قرن، من منتصف القرن الماضي الى يومنا، هي روايات منفصلة بعضها عن بعض، لكل حدثها وعقدتها وخاتمتها، ومتصلة ايضا، في حدث شامل غير منته، بمجموعها تشكل واحدة من اكبر روايات العالم اليوم على الأرجح. أظن لو اهتمت موسوعة جينيس بهذه الرواية كما يجب وجدت ربما أنها الأكبر. كما استغرقت كتابتها أربعة عقود، بدأها الخطيب في العشرين من عمره (أول الأجزاء ظهر عام 1971 عن دار عويدات) استمر يكتبها حتى الساعة وهو في الستين، (قال الخطيب لأحد زملائه في مصارحة مازحة عابرة: حين أنام يأخذ بدني تلقائيا على السرير شكل الجلوس العادي على كرسي الكتابة).
روايته (على تخوم الألفين) قيد النشر حتى الآن حلقة في هذه الملحمة الروائية الفريدة، سبعة اجزاء حتى الان صدرت، الجنائن المغلقة في حد ذاتها بطبعتها الحالية مكونة من جزئين قلت، هي في الحقيقة، بالمتن، أربعة أجزاء، كل جزء يصور جانبا من حدث جرى في وقت ومدينة معينين: بغداد، موسكو، دمشق، ستوكهولم. هوليود اعتمدت هذا التكنيك هذا العام لتصوير أحد أفلامها. الملحمة مستمرة، هي بلا مبالغة من غرار الملاحم الأدبية الكبرى، الألياذة، الاوديسة، الشهنامة، وغيرها، ولو أنها لم تكتب شعرا عاد الخطيب إلى أجزائها المنشورة ونقحها، لغة متماسكة، أحداث كبيرة، مصائر متشابكة. ملحمة ستكون بارزة في الأدب العربي وربما العالمي لو صح تقديري تماما.
لملحمة الخطيب سمة بين الملاحم، الالتزام بها والابداع في آن صعب، أي العقلانية، الخيار الحتمي لعصرنا المجنون بالعقل. الملاحم القديمة تعرض خوارق يسهل للمخيلة ادعاؤها واستثمارها أدبيا. ملحمة الخطيب مبنية على وقائع عادية، بعضها من سيرته وسيرة الناس حوله، عشناها، نعرف كمية الحقيقي فيها والمتخيل، هكذا يمكن الحكم بدقة لصالح المؤلف على مقدار تعبيرية ملحمة الخطيب وصدقها، بعيدا عن الملاحم القديمة التي خرجت غالبا عن الاطار الفني والوقائعي لها.
الخطيب يؤكد الصلة العضوية والفكرية لعمله بالملاحم القديمة، حين يقارع أبطاله الصغار بأفعالهم مصيرهم، من اجل السيطرة علية لا الخضوع له. هنا أقول القدر مفهوم وصلنا من الملاحم الاغريقية طبعا، قد لا يكون له علاقة بحياة العراقيين القائمة على القسمة والنصيب والخضوع للمشيئة الألهية، الخطيب يعرف هذا جيدا، درس في الأقل بمعهد أدبي عال للكتاب، واطلع على الأدب العالمي قبل الانضمام إليه، سألته عن ذلك، أجاب ليس كل العراقيين يعيشون بعين المبادئ، بل و هم يقولون عندنا: الحذر غلب القدر، أو: هذا شلون قدر ! هذا قدر مزحلق ! يعني أن القدر داخل في مجموعة أفكارهم، يجب تغذية هذا لتعضيد اعتمادهم على أنفسهم، باتجاه تنمية شخصيتهم وواقعهم لتكتسب الحيز المريح لها. هم يحاولون حتى بأفكار قصية عنهم الافلات من معوقات يجابَهون بها من أفكار بالية، في مدينتي القديمة بابل تميل نساؤنا حتى اليوم إذا ازعجهن شئ لنخوة الألهة البابلية "أوي... عشترو.." المقصود عشتار طبعا، الرجال لا يقولون هذا مطلقا، الأفكار السائدة تلعن ما هو خارجها للأسف، لتروج نفسها، هكذا تجفف منابع الفكر المتعددة، هذا يضعف العقول العادية، لكنْ هناك أفكار حديثة تناسب تحديات العصر تسللت إلى الطليعية منها، ترتكز عليها في معالجة أمور الحياة، منها فكرة السيطرة على المصير والقدر، يظهر هذا في الأدب عموما، في رواياتي أيضا.
يقرن الخطيب في رواية له سابقة للجنائن المغلقة خروج بطله خالد الى الغربة بخروج كلكامش إلى مغامرته حتى أعالي الفرات، هو يبني إذن على أساس توفر من تراثه العراقي، صعودا إلى فضاء الابداع الحديث، مؤكدا ديمومة وحضور ثقافة أمته العراقية حتى اليوم. بالتفاضل والتكامل يضيف الخطيب، نقضا لغياب وضد تخريب آثارها مما رأينا عهد الاحتلال.
يبدو ان الخطيب كان منذ بدايته متصورا جيدا لكل أبعاد مهمته الأدبية، في أمسية أدبية بمدينة مالمو جنوب السويد سألوه هل يرى رواياته تختلف عن غيرها، رد بين مازح وجاد كعادته: التنوع سمة الأشياء، السيارات مثلا أنواع، السيارة الرياضية السبورت غير الشاحنة، كذلك الروايات تختلف بعضها عن بعض، هكذا أجد رواياتي من نوع الشاحنات النواقل بن الأمم.
استطاع الخطيب، بالعزلة والمثابرة، رغم زلازل نزلت فيه وحوله، التركيز في مواضيعه، انجاز معظم مشروعه الأدبي الضخم حتى الآن، و ربما بسبب من رواياته وانشغالاته عليها تعرض للزلازل، بدءً من الاغتراب وهو مهندس ناجح في ديوان رئاسة مهندسي وزارة الاصلاح الزراعي ببغداد، إلى الطلاق والتسفير قبل البريسترويكا من (قلعة السلم والاشتراكية) التي انهارت بعد حين وهو المترجم الأدبي المستمتع بوظيفة دار نشر مرموقة حينه. بدا لي ليس في ذلك لو كان خسران ما ترك مرارة في نفسه، الفن والأدب يتطلبان تضحية، أوضح الخطيب: حتى الخسارة تغني الروائي لو كان مخلصا لفنه. يتذكر أيضا، أحد مثقفي مدينته بابل، السيد موسى نادي علي، صاحب سوبر ماركت، قال له مؤخرا: روايتك (بابل الفيحاء) تنتمي إلى مدينتنا أكثر من انتمائك إليها، أنت هجرتها وروايتك أصبحت جزء لا ينفصل عنها. في هذا الكثير من الشجن طبعا، والكثير من الفرح، لروائي لا يكف عن التفكير في مدينته والكتابة عنها، حتى بعد أكثر من اربعة عقود على رحيله عنها.
لا أدري هل قرأتم بعض قصائده التي يتغني فيها بحبه وشوقه لها؟
إن رواياته خارطة لتضاريس فينا، وأخرى نتحرك عليها.
يعود الخطيب إلى مدينته مرة أخرى إذن بروايته (الجنائن المغلقة)..
معرفة أصل الأشياء وأجوبة على أسئلة غامضة وتفسير ظواهر خارقة هم حملته جدة حامد منذ غياب زوجها وأورثته بعد وفاتها إلى قلة من أحفاد مختارين، هم بدأ حين واجهها السؤال الأكبر في حياتها، السؤال الوحيد الذي لم تستطع العثور على جواب له في دهاليز عقلها الدؤوب غير المنقطع حتى حين تنام عن التنقيب في رموز وإشارات متجلية في الطريق والبيت بخطوات شيطان حينا وخفق جناحي ملاك حينا آخر ونداء مثلا لبائع جوال روج لبضاعته: يشامغ.. يشامغ.. سمعته هي: قشامغ.. قشامغ.. وفهمته: قشامر.. قشامر.. وفسرته: العرب قشامر حين يلبسون يشامغ، طريقة سرية ليعلن البائع الغريب عن نفسه وبضاعته الحقيقية، ظواهر عرضت لها الحياة صراعا دائما بين خير وشر لم تعرف كنههما خارج خيمة إيمانها المغلقة دون سماء طافحة بوجه الرب ونوره، صراع متواصل في وبين أحفادها في باحة بيتها أيضا التي عبدتها بطابوقات مقدسة لديها ثم قامت في منتصف ليل وانتزعتها وبدأت تعبد بها الباحة ثانية بالطريقة التي رأتها أفضل من سابقتها فثالثة في ليلة أخرى فرابعة فخامسة حتى لم تعد تذكر كيف ومتى بدأت وانتهت متاهة الحزوز التي صنعتها برص تلك الطابوقات، متاهة غالبا ما وجدت نفسها وطفولتها تضيع فيها أكثر مما كانت تنقذ منهما وهي تخلق وتمد وتلاقي فروعها على أمل بلوغ كمال في رصفها وجعلها حصنا لها ولأفكارها يقي من الذوبان في الزمن بتجميده في خطوط على تلك الطابوقات أخيرا كما فعل أجدادها البابليون في رقائم شاهدتها أثناء زياراتها لضريح عمران بين بابل والحلة واستلهمتها في صنع رقائم خاصة بسلالتها في تلك الباحة بحيث أنها كانت حين تريد أن تعرف ماذا حدث في تأريخ ما تبحث في الحزوز بأطراف أصابعها حتى تعثر على ما تريد.. ص 39
هذا المقطع العشوائي يرينا طريقة واسلوب الخطيب الاستيعابي المتسع في الكتابة، بعض تفاصيل وهموم روايته، أحفاد سوف ينتشرون في الأرض، بغداد، موسكو، دمشق، ستوكهولم، هكذا هي فصوص الرواية وفصولها، حامد، عدنان، خالد، ضرغام، هؤلاء هم الابطال، لكل صليبه على كتفه، في صراع وتفاعل بعضهم ببعض، وبينهم جميعا كعراقيين مع العالم كله، مصممين أن لا تضيع حيواتهم عبثا على ارصفة الوطن والغربة.
مَن سيخسر منهم ومَن يكسب وماذا ولماذا، ذلك ما تغوص من اجله هذه الرواية في كل التفاصيل، بحثا عن الجوهري، الدال على معان مفقودة، التي بسببها يضيع أناس ويجدون أنفسهم لو وقعوا عليها..
ندهش ونحن نقرأ، هذا الكتاب للخطيب انجز عام 1996 ونشر أول مرة عام 2000 في السويد قلت، لكنه يسرد أيضا عن لجوء رجال من نظام صدام الى السويد هذه الأيام.. وهو ما يحدث فعلا..
كأن المؤلف كان يرى المستقبل على كرة بلورية حين كتبه..
الكتاب الجيد لا يختفي، كلاسيكيا كان او حديثا، الكتب الكلاسيكية باقية نعرف اطول من جديدة، لربما لأنها انجزت بجهد كبير، وحرفية عالية، خلاف المكتوبة تمشيا وضرورات سوق متغيرة ومعها بعض القيم..
قيم هذا المقال
أرجو أن يكون باستطاعتي نقل وإعادة ما كتبه الشاعراللبناني الكبير :
"أنسي الحاج" عند صدور كتاب :'إنجيل شخصي" للشاعر اللبناني اللامع:
"عقل العويط" قائلاً :"الشعر هو ما ...
روعه اكثر من ما في الخيال
روعه لاغير
ليت ان يكون لسانك لدي حتى يكون سلاحي الناعم فاكون محبوبا في قلب ما احب
الدكتور جميل حمداوي
ساحة البوح المسرحي الاستثنائية
انت ملاذ نبيل مجبول بطرائزية اخاذة لجل الطروحات النقدية في فن المسرح ومظلة تنظيرية مهمة يستظل تحت وراثتها الجليلة مراتع ...
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك