الحقيبة الأدواتية لمفاهيم السرد
جاسم خلف الياس
قراءة في كتاب (علم السرد /مدخل إلى نظرية السرد)
تأليف يان مانفريد وترجمة أماني أبو رحمة
عن مكتبة الجيل العربي ـ الموصل ـ 2009 صدر كتاب (علم السرد/ مدخل إلى نظرية السرد) تأليف يان مانفريد ، وترجمة الشاعرة أماني أبو رحمة، ولأهمية الكتاب فقد ارتأينا قراءته بشكل يتوافق مع اهتمامات القراء والمتابعين لنظرية السرد.
يعدّ مصطلح علم السرد أو السرديّة (Narratology) من المصطلحات التي دخلت دائرة التوظيف النقدي تحت تأثير البنيوية، هدفه توفير الوصف المنهجي للخصائص التفاضلية للنصوص السردية، ليشمل الجوانب النظرية والتطبيقية في دراسة منهجية للسرد وبنيته.
بدأ علم السرد بالشكلانيين الروس وبالتحديد فلاديمير بروب (1928/1968) في عمله الموسوم (مورفولوجيا الخرافة) الذي حلل فيه تراكيب القصص إلى أجزاء ووظائف. و(الوظيفة) عنده هي (عمل) الشخصية. وقد حصر الوظائف في 31 وظيفة في جميع القصص. كما صاغ تودوروف مصطلح (علم السرد) لأول مرة عام 1969 في كتابه (قواعد الديكاميرون) وعرّفه بـ(علم القصة).
لقد أصبح السرد فيما بعد مادة لكثير من الطروحات خارج حقل الدراسات الأدبية , إذ بدأ العلماء ينظرون لوظيفة السرد في كتابة التاريخ ، والدين والصحافة والممارسة القانونية ، والتربية ، والسياسة ، إلى آخره. لدرجة أن معظم المنشورات عن موضوع السرد في هذه الأيام تبدأ بعبارات مثل (السرد في كل مكان) أو (القصص في كل مكان حولنا).
وبالنظر إلى حقيقة أن معظمنا يتفق على أن الواقع كما نعرفه ليس معطى مدرك بالحواس، بل انه بناء ذاتي, يبدو أن السرد في كل مكان حولنا، لأن بناء التمثيلات السردية هو احد الوسائل التي نعطي بها شكلا ومعنى للواقع الذي ندركه . السرد هو ، بعبارة أخرى ، طريقة أساسية 'للتفكير' أو (أداة معرفية) .
وعلى الرغم من أن معظم علماء السرد يتناولون السرد بوصفه أداة معرفية في مقدمات دراساتهم , إلا أن نظرياتهم في الحقيقة تميل إلى عكس الأفكار القديمة عن اللغة والدلالات التي شكلت أساس علم السرد البنيوي .
إن هذه الدراسة تضع بين يدي الدارس والباحث كما هائلا من التعريفات المتعلقة بالنظرية بتدريج تعليمي، مع تطبيقات عملية مكثفة لأعمال أدبية متنوعة، لتثبت أن عناصر السرد , تكاد تكون واحدة، (حدث وشخوص وزمان ومكان وحوار...وغيرها).
لقد بذلت المترجمة جهدا واضحا في انجاز هذه الترجمة، وكنت قد تابعت عن كثب خطوات عملها، موجها ومصححا فقد كانت المترجمة أماني أبو رحمة على تواصل بي طيلة فترة الترجمة، إذ كانت ترسل لي ما تقوم بترجمته جزءا جزءا، وكنت أقوم بقراءته وتصحيحه، وكنت أناقشها في ترجمة المصطلحات، وإرشادها إلى أهم المراجع والمعاجم والأعمال السابقة ليتسنى لها الاستفادة منها، حتى جاء العمل ـ حسبما ظني المتواضع ـ في أفضل صورة ممكنة .
لقد عمدت المترجمة إلى تجاوز أزمة ترجمة المصطلحات أو تعريبها، وذلك باعتمادها على الترجمة المتفق عليها، دون الخوض في ملابسات ترجمة المصطلحات الشائكة، وقدمت ـ من ثم ـ مادة تعليمية وبحثية يسهل الاستفادة منها .
تكمن أهمية الكتاب في انه يضم بين دفتيه تعريفا علميا منهجيا لمعظم مصطلحات نظرية السرد، إذ يكون دليلا وافيا، ومدخلا واسعا لهذا العلم الحديث نسبياً، ويشكل بذلك إضافة إلى المكتبة النقدية العربية الحديثة، ويقدم نظرية السرد بشكل تعليمي يكاد يكون متفردا.
ما حفزني على متابعة المترجمة وتشجيعي لها، هو مثابرتها، وجرأتها في اختيار الدراسات، ودقتها وعلميتها في الترجمة، ففي الوقت الذي كانت تترجم فيه كتاب (مدخل إلى نظرية السرد) كانت تزودني بعناوين الدراسات التي تنوي ترجمتها مستقبلا، وتركز جهدها في دراسات ما وراء السرد، أو ما وراء القص الحداثي، وبين أوقات المراجعة والتدقيق وطبع الكتاب أنجزت الكاتبة والشاعرة أماني أبو رحمة ترجمتها لكتابها الثاني الذي يتناول ما وراء السرد، وبذلك تحقق المترجمة غايتها في توصيل فكرتها عن السرد وما بعده بشكل علمي، وأكاديمي يستحق منا المتابعة والدرس.
يشتمل الكتاب على تسعة فصول متناسبة في المعيار والقيمة الأكاديمية، وقد تضمنت على مقدمة شاملة لعلم السرد والمقومات الأساسية له، وما الذي يجب أن يتوافر في السرد حتى يمكن عدّه سردا، إذ ترتكز التعريفات على عدد من المقدمات النظرية على وجه التحديد (جنيت والمصطلحات الأساسية : الصوت ، وعالم الحكي الخارجي والداخلي ، والتبئير) و(جاتمان والمصطلحات الأساسية : الظهور , التواري) و(لانسر والمصطلحات الأساسية : الصوت, المحدودية البشرية, الإحاطة) و (ستانزل والمصطلحات الأساسية : الموقف الذي عن طريقه يعرض السرد , المؤلف ، المجازي ، العاكس) و (بال والمصطلح الرئيسي : المؤبّر). أما الجانب التطبيقي فقد تناول روايات منتخبة ومتنوعة ذلك أن الروايات , تبعا للمؤلف , وسط غني ومتنوع للغاية ، فكل ما يمكنك أن تجده ـ حسب تعبير المؤلف ـ في أنواع أخرى من السرد تجده في الرواية ، ومعظم ما تجده في الرواية يمكنك أن تجده في أنواع أخرى من السرد ، سواء أكان ذلك النوع في السرد الطبيعي غير التخيّلي أو الروائي والدراما و السينما ، وما إلى ذلك .
كما اهتم بالإطار السردي بخلفيته، وأسسه، وأجناسه، والتواصل السردي، ومستويات السرد، والعملية السردية، والتبئير، والمواقف السردية، وتحليل الحدث ، والصيغ السردية الدالة على زمن الفعل، والظروف الزمكانية، التي تحدث فيها وقائع السرد، وفضاء القص، والشخوص ، والخطاب ، والأفكار ، والوعي ، وانتهى بدراسة " صورة قارب الصيد"، لـ(الآن سيليتو) . ومن الجدير بالذكر أن المؤلف كان يوافق بين التنظير والتطبيق، ولا سيما اختياره لاستهلال الروايات للحصول على رؤية تحليلة تطبيقية، وقد احتوت على ترسيمات توضيحية ، وإشارات إلى أهم المراجع والكتب والموسوعات والدوريات والمراكز والجامعات والمؤتمرات التي تعنى بهذا العلم.
ولد يان مانفريد عام 1943 , وأكمل دراسته في الأدب الانجليزي والألماني في جامعة كولن ، وسوني بافالو , يدرّس الآن الأدب الانجليزي في جامعة كولن , وقد نشر العديد من المقالات والدراسات في مجلات ودوريات عديدة في أوروبا وأمريكا في مجالات اهتمامه : علم السرديات , نظرية التبئير , نظرية الدراما , الذكاء الاصطناعي , اللغويات والأدب , الإدراك والأدب , التسريد غير الموثوق به , والبنيوية.
كما أن له العديد من المؤلفات والدراسات في نظرية الشعر والسرد والدراما والسينما وعدد من المؤلفات الأخر بمشاركة مختصين من عدة جامعات.
في العام 2005 أنهى المؤلف مع ديفيد هيرمان و ماري لور ريان موسوعة روتلدج في نظرية السرد Routledge encyclopedia of narrative theory والتي تهدف إلى أن تكون أداة مرجعية شاملة، ومعلما بارزا في تطوير هذا الحقل، وأن تترك بصماتها على التحسينات، والتطويرات المستقبلية للمفاهيم السردية . وفي الوقت الذي توفر فيه الموسوعة تغطية واسعة للنماذج البنيوية وللسمات الرئيسية للسرديات الأدبية.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك