أدب فن: الزمكان.. في المخيال السردي (خليل السواحري أنموذجا) الزمكان.. في المخيال السردي (خليل السواحري أنموذجا) ================================================================================ ذياب شاهين on 02/ 10/ 2009 مقدمة يبدو أن مقولة الزمن لوحدها تثير الشك والتشويش في ذهن المتلقي، وتفصح عن وجه ثان يرتبط بالفضاء أو المكان وكأننا أمام ارتباط عضوي بين الزمن والمكان، وهذا ما قالت به نسبية اينشتاين لتجترح مصطلح (الزمكان) الفيزيقي أو الثنائية المتصاحبة (زمان - مكان)، إلا أن هذا التوحد ما كان ليظهر فيغدو مفهوما متميزا في الحاضر لولا التطورات المكثفة التي تناوب عليها الكثير من العلماء والفلاسفة قبل أنشتاين ابتداء من أرسطو مرورا بابن سينا وابن رشد وكانط ونيوتن. يقول (هانز ميرهوف)(1) حول تأثير الزمن في وعي الإنسان:- (كيف يمكن أن يكون الإنسان بالنسبة لنفسه إذا كان يخبر إلى أخرى؟ ما الإنسان، إن لم يكن شيئا سوى ضحية التتابع الزمني والتغيير، ما الذي - إذا كان من شيء - يدوم مجرى شعور الفرد المتغير باستمرار) إن الزمن يتغير ويتباين ماديا على تفاصيل أجسادنا عندما نبصرها وقد احتازت كينونتها لتكون مقياسا للزمكان الإنساني، إلا أن هذا التبنين المادي يفترض نظيرا طاقويا، وهو ما نلمحه في تأثير الزمان على مورفيمات اللغة، حيث ينشطر الزمن إلى زمنين وهما حسب ما أورده (دي سوسور) كل من الزمن الدايكروني(العمودي) أو الزماني والزمن السنكروني (الأفقي ) أو التزامني(2)، وإذ يحيل الزمن العمودي (التاريخي) إلى انزياح دلالي نجد أن السنكرونية تستدعي ملفوظات أخرى تحتوي على نفس المورفيم ويحيل لانزياح صوتي تستبدل فيه بعض الفونيمات مما يغير في صوت الملفوظ بوصفه دالا، ولما كان الأديب يستخدم اللغة بوصفها عدة وأداة فهو يستخدم أيضا الزمن اللغوي فضلا عن الزمن الإنساني، على حقيقة أن الإنسان وحياته هما الموضوعتان الأثيرتان للأدب. وبالمعنى ذاته يقول (هانز ميرهوف)(3):- (الزمن في الأدب يتعلق بعناصر الزمن كما أعطتها الخبرة، ولا بد من التمييز بين الزمن في الخبرة والزمن في الطبيعة، فالزمن في الأدب هو( الزمن الإنساني)، إنه وعينا للزمن بوصفه جزءا ً من الخلفية الغامضة للخبرة أو كما يدخل الزمن في نسيج الحياة الإنسانية، والبحث عن معناه، إذن لا يحصل إلا ضمن نطاق عالم الخبرة هذا، وتعريف الزمن هنا خاص، شخصي، ذاتي، أو كما يقال غالبا نفسي). إن الزمن العلمي(4) وكما تكشفعنه المعادلات العلمية يمتاز بالتقطع وأنه لا يدوم، إلا أن الزمن الأدبي وحسب ما يراه بيرجسون(5) يتميز بالديمومة، وبالرغم من وقوف الإنسان في الآن أو اللحظة إلا أن هنالك تواصلا زمنيا له معنى، وحسب نظرية القديس أوغسطين(6) المرتكزة على الاختبار اللحظي، حيث يمكننا بتسلسل زمني يعلل الماضي والمستقبل بواسطة الذاكرة والتوقع، فالذاكرة تلاحق الماضي، والتوقع يستدعي المستقبل لكنّ الفيلسوف الفرنسي باشلار يقترح إملاء التواصل البرغسوني بالثغرات حيث يقول(7):- (ربما يجب أن تكون مهمتنا الأولى مقابل إطروحة التواصل البرغسونية أن ننشئ ميتافيزيقا وجود الثغرات في الزمان، إذن كان يلزمنا البدء بمناقشة البحث البرغسوني الشهيرحول فكرة العدم، والمشروع في تعيين التوازن بين الانتقال من الوجود إلى العدم ومن العدم إلى الوجود، ولقد كانت هذه القاعدة ضرورية لارساء التعاقب بين الراحة والفعل). نص المتفرجون في نص (المتفرجون) (8) للقاص خليل السواحري، يحاول الكاتب أن يؤطر الزمكان الواقعي لحكايته بواسطة جملتين، فالجملة الأولى تحدد الزمن بواسطة ضمير المتكلم على لسان الراوي(9) (حين تمكنت من العثور على عمل بعد الاحتلال بعدة شهور)، فالملفوظ الظرفي (حين) يتوسل فيه القاص تحيين الحدث في لحظته، وكأننا في لحظة الحدث(أي الحدث القصصي) وهو كما تكشف عنه الجملة ينتمي لفترة ما بعد الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية عام 1967بعدة شهور، فزمن الحدث القصصي يبدأ في اواخر الصيف للعام 1967. أو على الأرجح في خريفه. أما مكان الحدث الاضطراري بحسب الراوي فهو (مدينة القدس)(10):- ( وجدت نفسي مضطرا أن أسكن القدس)، وهذا يعني أن زمكان الحكاية بوصفه إطارا للمبنى الحكائي الذي يشتغل عليه المتخيل السردي ينتمي بصورة محايثة لزمنها الواقعي بكل تمظهراته الصوتية المنتظمة داخل المتن الحكاءي، أي أن زمكان القص يمثل زمكانا معروفا ومؤشرا في العقل الجمعي الفلسطيني والعربي وهو (القدس بعد الاحتلال الصهيوني عام 1967). إن القص حين يسرد الحدث الجاري في مدينة القدس، فهو ينقلنا بصورة عمودية إلى أعمق نقطة في التركيبة الاجتماعية للمدينة حيث تمثله حياة الراوي(البطل) بوصفه واحدا من الطبقات الدنيا لذلك المجتمع حيث يعمل سفرجي ويسكن (أسوآ وأقذر أحياء القدس وهو حي الواد وتتفشى فيه تجارة الحشيش والشذوذ الجنسي وألعاب القمار)(11) وهذا يمثل بكل بساطة تلميحة واقعية لحال مدينة القدس بوصفها مكانا مقدسا في زمن الاحتلال اليهودي لها وحال المواطن الفلسطيني فيهان إلا أن بطل القصة يراهن على الزمن المستقبلي فربما يسعفه في تغيير مكانه أو سكنه قائلا(12) :-( أسكن مؤقتا ريثما يتاح لي العثور على سكن خارج!)، إذن فالراوي يكشف عن بساطة وسذاجة تجعله رهينة الحدث فهو لا يصنع حدثا بل نجده متفرجا صمن آلاف المتفرجين الذين يحتاجون لمعجزة كي يتحولوا من الفرجة على الحدث إلى المشاركة فيه. إن التسلسل الهرمي الاجتماعي ينتج عنه تسلسل عمودي سماوي (متعال) مرتبط بسلطة الاحتلال، والآخر أرضي مدنس مرتبط بمن يقع عليه الاحتلال، فالاحتلال ترك الأماكن الدنيا في الهرم لهم، إن الراوي يصف لنا مكانا ليس آمنا أو أليفا لساكنيه بالمرة(13):- (وكانت غرفتي تقع على سطح أحد البيوت المؤلفةمن طابقين، والتي تتكوم غرفها فوق بعضها تكويما بشعا وكان لابد لي وأنا أصعد إليها على السلالم الكثيرة المتآكلة من أن أتنحنح عند مدخل كل بيت أو أن أقول يا ساتر فعادة ما تكون ربات البيوت في أو أوضاع غير لائقة، ولذلك علي أن أجلب انتباهن إلى صعودي أو نزولي حتى يسترن أنفسهن). ولما يكون المكان غيرَ أليف فالزمن يصبح زمنا معاديا أو زمن موت وعدم بالنسبة للناس الذين يعيشون في ذلك الآن، والراوي في هذا النص ينحاز إلى (أم أحمد) وهي امرأة عجوز تسكن لوحدها في غرفة من غرف البيت(14) (كان وجهها يبدو لي قديما ومعروفا وشبيها إلى حد كبير بوجه خالتي نعمة التي داهمها منذ سنين وباء غريب امتص حياتها وقالوا يومها إنه السل الله يحمينا إلا أن أهل الحوش يتجنبون أم أحمد وينظرون إليها بنوع من النفور والريبة، وهو ما أقلقه كثيرا وجعله يعمل على اكتشاف سبب نفور العوائل الساكنة معه من هذه المرأة أم أحمد). البنى النحوية إن للبنى النحوية دورا مهما في تأطير الزمان، تمديده وتقليصه، تثبيت اللحظة، الانطلاق منها نحو الماضي ،استشعار المستقبلوهو ما تمثله الظروف الزمانية والمكانية، في العربية تجد ظرفا زمكانيا كالظرف (أنى) يفيد المكان أو الزمان ، وهذا الثراء اللغوي في العربية إنما يمثل أداة ناجعة بيد المبدعين، حيث يستطيع الكاتب تحديد زمكان (لحظة- نقطة)، فالحركة وتأطيرها زمكانيا يمسكها السرد عن طريق الأزمان الثلاثة للفعل في نحو العربية ( ماضي، حاضر، مستقبل). ولو رجعنا للنص نجد الأفعال في الجملة التي أوردناها سابقا( تمكنتُ ، وجدتُ) تحيل للماضي ولكن الفعل (أسكنُ) يحيل للحاضر (لحظة الحدث)، والثنائية (ماضي - حاضر) أملتها حقيقة أن الراوينتقل انتقالين لا بد منهما، فهناك لحظة الكتابة بوصفها زمن كتابة النص، وهناك أيضا زمن الحدث الذي يصفه فيعمد إلى تقنية ماضوية تساعد التلقي في تخيل وجود فسحة زمنية بين زمنين هما(زمن الكتابة، زمن الحدث) ولكن يبقى الراوي في لحظة لنقل أو وصف ما يجري بأمانة فهو قد عمد الى استخدام تقنية( ماضوية - حاضرة)، كما في في هذه الجملة حين نقرأ(وجدت نفسي مضطرا أن أسكن القدس)، حيث يبدو واضحا أن الفعل (وجدتُ) تحيل للماضي، والفعل (أسكنُ) يمثل الحاضر (أي لحظة الحدث القصصي)، وتتكرر التقنية ذاتها في الجملة (حاولت جهدي أن أسكن في وادي الجرز)، فالففعلان (حاولتُ، أسكنُ) يؤطران الثنائية عينها ويعملان ضمن حدودها وهو ما نلمسه أيضا في الجملة(تسلّختْ رجلاي وأنا أبحث عن غرفة)،حيث نجد إمساكا يعتمد عليه السرد لثنائية (زمن ماضي - زمن حاضر) من خلال الفعلين (تسلختْ ـ أبحثُ). نجد أحيانا أن الكاتب يستغل سرديا الطاقة النحوية الهائلة في تبئير الزمن في نقطة واحدة من خلال الذاكرة والخيال، حيث نجد تكثيفا للحدث من خلال استخدام منولوغ داخلي (حوار دلخلي) يستثمر الأزمان الثلاثة (ماضي ، حاضر ، مستقبل) في جملة واحدة:- (قلت لنفسي : أسكن مؤقتا ،ريثما يتاح لي العثور على سكن) كما في الأفعال( قلتُ، أسكنُ، يتاح)، فالفعل (قلت) يؤطر زمن الحدث القصصي بوصفه ماضيا، كما أن الفعل المضارع (أسكنُ) ثبتَ لحظة الحدث ولكن الصيغة (ريثما يتاح)تستدعي حالة مستقبلية لأنها تهيء لحدث سوف يحدث لاحقا في المستقبل وهو تغيير السكن في أقرب فرصة ممكنة. إن الزمكان (زمن - فضاء) يظهر دائما بقسيم واحد دائما، أي أنه يمارس علينا لعبة الغياب والحضور حيث يحضر الزمن في لحظة غياب الفضاء(المكان) والعكس صحيح ايضا، وهذه الخاصية نابعة من خاصية مهمة ضمن خصائص اللغة فالاشارة اللغوية تجمع بين الدال اللغوي بوصفه حضورا صوتيا يستدعي غيابا ماديا يمارسه المدلول المادي ليحث المخيلة على التخيل، فالسمعي(زمن)يقود إلى البصري (المكان) إلا أن العملية نفسها يمكن أن تحدث بصورة مقلوبة، أي أن المدلول المادي بوصفه حضورا بصريا تمسكه العين يحيل لغياب زمني يمثله الدال الصوتي بفونيماته الزمنية، ولكن في هذه الحالة نجد استدعاءً للذاكرة، والذاكرة تمثل الماضي بينما تمثل المخيلة المستقبل، ونقطة التقاء الماضي بالمستقبلة تمثل اللحظة الحاضرة أو الآن المعيش، وهذا يعني بكل بساطة أن قوانين اللغة تعمل بعمق في النص (أي نص)، وهذا يعني أن اللغة بقوانينها كافة تشد النص إليها شدا ولا يجرؤ النص (فلتانا منها)، وفي كل لحظة ينزع النص فيها للتمرد على هذه القوانين نجدها وقد لبست لبوسا أخرى تنزع إلى ماضيها المتجذر في اللغة إلا أنها تستشرف مستقبلا أكثر إثارة في ثناي النصوص المنتجة في الأزمان المختلفة. الحوار في النص ولو اتقلنا للحوارات المنبثة داخل بنية النص سنجد وظيفة أو عدة وظائف تنتمي للزمكان بصورة متشابكة يتوسلها الشاعر لبناء نصه القصصي، فالسرد يتوقف لوهلة وكأنه يخلق فجوات مكانية(فضائية) داخل النص يملأها بجمل حوارية صوتية (تمثل الزمن) يظهر فيها معلومات غير مباشرة عن طريق حوار مباشر بين شخصين، فالبنية الصوتية(الزمنية للحوار) تحيل لبنية عميقة تغوص داخل ثنايا الحوار مغيبة البنية المكانية بوصفها مشتقة من الخطاب المباشر عن طريق التحويل ، كما أن هذا الأخير الذي تم الحصول عليه لن يقودنا إلا إلى قراءة ما يتم تصوره مباشرة أما قراءة ما يتم تحويله فيجب عليه أن يمتلك بنية عميقة ومخالفة أو ممتلكا لاشتقاق مخالف أيضا. إن الحوار يمثل بيئة نفسية في باطن الكائن الإنساني والحوار آلية يعمد إليها الإنسان بوصفها حقيقة وجودية(إنطلوجية) تحيل لحقيقة الحضور المادي له بوصفه كينونة مقابل حقيقة غياب الآخر الذي يمثل الهوية، فالحوار هو إلا بنية تواصلية حاضرة تمد جسورا بين الماضي والمستقبل أو بين الكينونة والهوية أو بين (الذات - الآخر) وبهذا يقول باختين(16):- (فالكائن البشري ذاته غير متجانس ولا يمتلك لغة وحيدة، بل هو لا يوجد إلا في حوار لأن في داخله يوجد الآخر، ومن ثم يستحيل أن ندرك الآخر خارج غيريته أي خارج العلائق التي تربطه بالآخر). في هذا النص يدس الكاتب معلومة مهمة وخطيرة عن (أم أحمد) عن طريق الحوار متوسلا الإثارة والدهشة معا والحوار الذي أوصل هذه المعلومة كان مبنيا بصورة محكمة(17):- قال الرجل:- - كل الذين سكنوا هنا قبلك َسألوني عن هذه المرأة وعلى كل حال أريد أن أريح بالك! الجميع يقولون إنها من (بنات الحلال) وأن بعض الرجال يترددون عليها بعد العاشرة مساء. وأخذ الرجل يهز أطواق ملابسه متظاهرا بالبراءة التامة واستطرد:- - إنني لا أضع شيئا في ذمتي. كنت أتوقع أن يقول الرجل أي شيء إلا هذا الكلام فليس هناك ما يدل على أن المرأة يمكن أن تتعاطى هذه المهنة، فقد طحنها الكبر، ولم يبق لها ما يمكن أن ينفعها في مثل هذا الأمر أو يجلب لها زبائن، انتابني شعور مفاجئ بالغثيان والقرف قلت:- - سبحان الله تحت السواهي الدواهي!! إلا أنني ألا أصدق كلام الرجل - - يا رجل(قل غير) ما هذا الكلام؟ - - استغفر الله العظيم!! - قالها وهو يتبرم والحقد الأسود يتربع في عينيه: - - هل تعرف اسمها؟ - - ينادونها أم أحمد ولا أدري إن كان ذلك هو اسمها الحقيقي! - - من أين هي؟ - - يقولون إنها في الأصل من حيفا وإن زوجها مات في حرب ثمانية وأربعين وتزعم أن لها ابنا في الكويت، ولكنني لم أر سحنته على الإطلاق طيلة العشرين عاما التي سكنتها عندي. - - هل تدفع لك أجرة الغرفة بانتظام؟ - - يا حسرة! وكم تظن أنها تدفع لي في الشهر؟ إن أجرة غرفتها عشر ليرات إسرائيلية فقط، لقد حاولت طردها مرارا، ولكن للأسف لم يثبت عليها أي شيء ولم أستطع طردها، ولا أظن أنني قادر على ذلك الآن. - ثم استطرد بلهجة اشمئزاز وتشف:- - - ولكن مهلا فهي لن تستطيع أن ندفع الأجرة خلال الشهور القليلة القادمة فالعاهرات من بنات إسرائيل يملأن شوارع القدس ولن يبقى لأم أحمد أي سوق الآن!! - يرى فاتح عبد السلام(18) :- (إن الحوار قبل كل شيء مثله مثل السرد يتوجه إلى متلق آخر داخل النص هو المروي له يكون له شخصية افتراضية خيالية يتوجه نحوها الراوي والشخصيات بالخطاب). إن لغة الحوار أعلاه لغة واضحة وكأنها لغة الجمهور إذا لم تكن هي عينها وبذلك يقول رينيه ويلك(19):- (إن على الفن أن يصور العالم الحقيقي تصويرا أمينا، لذلك يجب أن يدرس الحياة المعاصرة عن طريق الملاحظة الدقيقة والتحليل المتأني، وعلى الفنان أن يفعل ذلك بدون انفعال، أي يدون حشر الذات، أي بموضوعية). ولم يبتعد الكاتب (خليل السواحري) عن الإطار الواقعي في بنائه للحوار أعلاه وحوارته امتدادات للحوارات الروائية أو القصصية وحتى المسرحية في المنهج الواقعي حيث يمتاز(20) بلغة واضحة (تتعامل مع اليومي والسائد في الحياة الاجتماعية والسياسية بعيدا عن النبرة الذاتية). ويرى الناقد عبد الله رضوان(21) ( إن النمط السردي في نص المتفرجون ينتمي للنمط الرابع من أنماط "فريدمان" السردية وهو "الأنا المشارك" الذي يتساوى فيه السارد والشخصية حيث يستقبل العالم القصصي من خلال وعي الشخصية ، السارد ورغبته). إذن فالحوار في هذا النص بوصفه بنية زمنية يفيد منه القص لخلق آثاره وفضول لدى المتلقي محولة أنظاره إلى الشخصية الرئيسة التي تعلق بها السارد (شخصية أم أحمد)، وهي شخصية مهمشة تنتمي إلى قاع المجتمع وإلى ما هو ضمن قائمة الممنوعات أو التابوهات، فالقص يستثمر ما كان مقصيا وتقديمه للمتلقي بصورة فنية تنتمي للحوار، والحوار صورة زمنية إلا أنه يصور الشخصية عبر الجمل المتتالية كاشفا عن أجزائها جزءا بعد آخر، وبتوالي الجمل يستكمل القص صورة زمكانية لامرأة اقرب ما تكون للنفاية منها إلى أي شيء وهذا هو منتهى الإقصاء لشخص يمارس عليه الظلم من قبل جميع من يعيش معهم، والمفارقة أن الجميع مقصيون تحت خيمة الاحتلال الصهيوني. تقول(ميري دوغلاس) في كتابها النقاء والخطر عندما تناقش بعض المواضيع من مثل الشذوذ، المادة في غير محلها، القذارة نتيجة النظام، أو القذارة هي نتاج ثانوي لترتيب منظم وتصنيف المادة، طالما ينطوي الترتيب على رفض العناصر غبر الملائمة(22) . الحوار يكشف أيضا عن بنية تنتمي للأنثروبولوجيا الإجتماعية، فالنظام السياسي الجديد (الفلسطيني) يعمل تشظية في المجتمع الفلسطيني ثم يعيد ترتيبه فتبدو (أم أحمد) وكأنها قمامة أو قذارة مستبعدة عن بنية النظام الاجتماعي الفلسطيني برمته، فالقص هنا يتوسل الصيغة الحوارية في التقاطها بوصفه شيئا زائلا ويعمل على إبقائها، وبهذا تقول(ميري دوغلاس) (23):- (إنني سأجادل بأن أفكارنا عن القذارة كذلك تعبر عن الأنظمة الرمزية، وبأن الاختلاف في سلوكنا عن التلوث في هذا الجزء من العالم أو ذاك ليس سوى مسألة تنطوي على جملة أمور.) إن القص انتقل مما هو هامشي ومغيب في البنية الاجتماعية ولا يثير ريبة ليغدو متصورا ويحتل المركز، وبالتالي استطاع استثمار قانون القمامة بوصفها ناتجا يكشف عن قوانين النظام وليس تحصيل حاصل، أي أن (أم أحمد) كانت فضالة في البنية الاجتماعية الفلسطينية تحت ظل الاحتلال، والقص هنا حتى يكشف بنية النظام الصهيوني وينفذ إليه يستثمر القمامة (أم أحمد)وهو تعبير مجازي لتكون مفتاحا لفهم بنية النظام، وبالتالي فإن ما كان هامشا أو تابو يصبح أساسيا في دراسة النظام الذي يقصيه، فشخصية (أم أحمد) التي أعطيت قيمة سالبة من قبل سكنة الدار وصاحبه إنما هي ملوث في مخيالهم، واستطاع الراوي أن يظهرها وكأنها موضوعة في غير محلها. إن القاص خليل السواحري كان قد عمد إلى جمع رموز من الحياة في زمكان محدد وتعامل مع من بات مهمشا وذا قيمة صفرية ومنتميا للقمامة الاجتماعية بوصفها فئة ثالثة تقع بين ما هو زائل أو ما هو باق، ليكون ذا قيمة ويستمد بقاءه ليكون شيئا أثريا ورائعا، وهو ما يتوسله الفن ليبقى خالدا. فالزمكان الذي يفضي به الحوار ينمو بصورة متراكمة فيشف عن عدة تحولات بنيوية وسنكرونية تطرأ على شخصية (أم أحمد)، وإذ هي تمثل نفاية مقصية من قبل المجتمع الفلسطيني نتيجة للنظام الصهيوني الذي ساهم في إقصائها إلى الهامش،إلا أن الراوي يشكك بشذوذها لتكون ذات قيمة معينة ، كما أن رهان صاحب الدار على عدم بقائها يقابله مقاومة يبديها الراوي لهذا الإقصاء والإبعاد، والقاص بوصفه منتج نصوص يخلق قطعة أثرية ثمينة باستخدام ذوات مهمشة ليمسك الماضي لأنه يضفي عليه حقيقة البقاء، وكل ما هو باق يعد ثمينا. يمكن أيضا ملاحظة القطوعات السردية في ثنايا الحوار بوصفها موجهات و مهيمنات خارجية تحيل لسلطة عليا يمارسها القاص مما أفقد الحوار بعضا من إيحاءاته، لكنه جلب الكثير من البشاعات في زمن الاحتلال الصهيوني، واللغة بوصفها نظاما سيميائيا طوعها القاص لتؤدي دورها سواء في صلب بنية الحوار أو من خلال تمظهرها بصيغة حشو داخلي، والقص راهن على عدم إقصاء البشاعات بل حفظها، لأن حفظها يهيئ لبشاعات أخرى تولد ولو بعد حين، وبهذا يقول جوناثان كولر(25):- (مما يؤسف له، أن هنالك العديد ممن يجدون هذه الخصائص غير مثيرة للاهتمام لكونها بشعة وهناك البعض ممن يذهبون بعيدا ليؤكدوا أن الهدف الحقيقي وغرض الفكر الجاد يجب أن يكمن في إقصاء مثل هذه البشاعات، نستطيع أن ننظر إلى الأدب الذي لن يدخل فقط بعض البشاعات بل كذلك سيعلن ولادة بشاعة جديدة). الهوامش والمصادر 1- الزمن في الأدب - هانز ميرهوف- تر:- د. أسعد رزوق- ص8 2- علم اللغة العام - فردينان دو سوسير- تر يوئيل يوسف عزيز- ص 115 3- الزمن في الأدب -م س - ص 10 4- م ن - ص11 5- م ن - ص 16 6- م ن - ص 14 7- جدلية الزمن - ص7 8- مقهى الباشورة - قصص - خليل السواحري - ص 69 9- م ن - ص 69 10 - م ن - ص69 11- م ن - ص 69 12- م ن - ص 70 13 - م ن - ص 70 14- م ن - ص 70 15- الحوار القصصي - تقنياته وعلاقاته السردية - فاتح عبد السلام - ص 189 16- م ن - ص 14 17- مقهى الباشورة - ص 71 18- الحوار القصصي -م س - ص14 19- م ن - ص24 20- م ن - ص24 21- البنى السردية - دراسات تطبيقية في القصة الأردنية - عبد الله رضوان - ص 22 22- مجلة الثقافة الأجنبية- العدد4 لعام 2000م- بغداد - دار الشؤون العامة- نظرية القمامة وفرضيات القيمة- جوناثان كولر- تر. رمضان مهلهل- ص9 23- م ن - ص9 24- م ن - ص12 25- م ن - ص 18