"أحبك بأتم معناك" للشاعر الحبيب الهمامي
هيام الفرشيشي
صدر ديوان جديد للشاعر التونسي الحبيب الهمامي عن دار "البراق للنشر والتوزيع" ، تحت عنوان "أحبك بأتم معناك" وقد ضمنه عشقه لعوالم الصور المشعة بالأضواء والأحلام الخلاقة ، فجاءت قصائده نابضة بالعشق الإلاهي . والمبدع عامة واع بأن خياله " ظل الإلاه " وأنه يستكين إلى ذلك الظل أو إلى ذلك النور ليرسم مشهديته الخاصة بالشعور والخيال ، فالشعر هو استرجاع لذلك الضوء في لحظات الحلم الخلاق المترجم عن تأمل في الصور الأكثر إشراقا والتي لا تحيل إلا إلى عالم الله . فجمال المرأة يحيله إلى منبع الخلق ، وإلى معنى الجمال المتآلف المتناسق الذي خص به الله بعض عباده وكائناته ، وكأن الله في حالة الخلق يبدع عبر الصورة الجمالية التي تجذب العين والقلب ، والشاعر يتأمل هذا الجمال كمتصفح وقارئ ، ولكنه يشعرنا برغبته في تجسيد هذا الجمال لاحقا . وهو الجمال اللامتناهي الذي يغمر الشاعر بالكامل ، ويريد أن يحيي هذا العالم الكامن عبر الحلم والتأمل .
قالت صفني
فتأملتها حتى بلل الدمع ثوبي
وفاضت مني الآه
قالت زد
قلت لا وصف يعلو على إبداع الله
يعود الشاعرإلى بلورة الصورة الشعرية ، الصورة التي لا تنبثق من الوصف الظاهري ، بل بالبحث عن سمات الخلق الكامنة في الصورة التي هي مزيج منصهر من علامات الخلق التي لا يمكن تفصيلها أو تجزئتها ، أو وصفها ظاهريا وماديا ، بالصورة ينسج الشاعر كونه الشعري وقد بعث في الصورة طاقات من الخيال الخلاق ، ليقف الشاعر أمام الصورة موقف المندهش لا المنخرط في تفاصيل الوصف ، فهو دائما يشير إلى الضوء الكامن في الشعر ، ذلك الضوء الكامن في صورة أو نشوة أو كتاب مقدس ، فالصورة تشير إلى معنى سابق تعكسه العين الناظرة عبر مرايا الروح الرائية وهي التي تحيل إلى عالم الله اللامتناهي والمطلق ، عالم تحن إليه روح الشاعر وتدور في فلكه في حالات الرؤيا والعشق الصوفي :
أحببت ولم أر محبوبي
أحببت وأصبحت الحب
قد تعمقت في حبه حتى
لم يبق من العبد إلا القلب
ظل ينبض أعلى
وتسمعه الدنيا
كل نبض يهتف يا رب
لم يجسد لنا الشاعر هنا صورة للحب بل كشف لنا عن معنى إطلاقي تحيل إليه خفقات القلب وذبذبات الروح ، المعنى الذي يسبق تشكيل الصور ، الينبوع المتفجر والخفقات العالية ، النور المنتشر بكثافة ... هو عالم يحيل إلى صوت الشاعر وهو يرسم شعره بالصور لكنه ينقل لنا حالة التشكيل بالصورة حين يغمسها بزيت الروح المتوهجة ، المرتجفة في آن وكأنها في ترددها بين الماء والنور تمسك معنى إطلاقيا صوريا يستحيل إلى عالم محسوس عبر قصيدة تحمل ألوهية الخلق :
وغمست يدي في الماء
وأمسكتها نجمة البحر
لحظة أغلقت كفي عليها
سمعت الروح تئن
وقلبي يهتف آه
ألقيت النجمة في الماء مرتعشا
ونظرت إلى كفي
فإذا هو مكتوب فيه إسم الله
تبدو الصورة عادية لو لم تثر الدهشة في الشاعر ، فالشاعر لا يرى صورة نجمة البحر كما هي في الواقع بل هي في حلمه الخلاق مشعة بالأنوار وكأنها في سمائها تقترب من المطلق وترتسم باسمه ، فقدرة الصورة هي تمثلها لكتلة الضوء وهي تغتسل في ماء الخلق ليمتزج الضوء والماء وهما ويحدثان رجفة من تلقى هاتفا من الغيب . فالصورة المبتكرة التي هي نتاج لصورة في الذاكرة ، هي النابعة من الروح ومن القلب وإن تلبست بالرؤية ، وتشكلت بروح الشاعر التي تتمثل الغيب كونا مكتوبا على الكف كالقصيدة التي تكتب اللحظة الأنطولوجية ولئن تجلت وغابت ولكنها تركت صداها في الروح . فالصورة هنا لا يمكن عزلها عن تأمل الشاعر ، لا يمكن أن تتحول إلى صورة حاملة لحزمة من الضوء لو لم تعبر عن كائن موجود هو القصيدة التي تتمثل الوجود وترتق فجوات العدم ، لتحضر الصورة كإرساليات الغيب حاضرة من لحظة غائبة استرجعها الشاعر وقد نمت في مخيلته ، وفي حالة الإبداع تلك يصير للصورة صوت سيكولوجي تردده الروح وتخفق به دقات القلب ، لينجلي صوت القصيدة في روح الشاعر وهو يعيشها " بحرارتها وبراءتها " مما يدل على تشكل القصيد حين يقف الشاعر على "عتبة الوجود" .
نجمة داهمت غرفتي
كنت أعزف ناي العزلة
حطت على رف المكتبة
وتمادى الضوء البالغ
فاشتعلت كتبي
والرفوف بزخرفها اشتعلت
خشبة
خشبة
ها إن حريقا تولى أثاث البيت
وثوبي وقلبي
ها إن النور الفادح أشعلني
فإذا بي نور مختلف
أتعالى عن هذه الأرض
أمضي إلى أفق في السماء العالية
سوف أمطركم ضوءا
كلما ظلمات الكون
لم تبق على أرضكم باقية
يكتب الشاعر أكثر من قصيدة من خلال صورة النجمة التي لم يلتقطها من البحر هذه المرة ، بل أضحت في صورة متخيلة داخل نسيج مشهد تحط على رف المكتبة وتشعل الكتب وهي تحمل بين جوانحها نار الصوفي التي تعبر عن الاحتراق في فتيل اللهب ، لذلك لم يشمل ذلك الحريق الكتب والأثاث وثوب الشاعر بل قلب الشاعر ، ولحظة الاحتراق الصوفي التي تمنح كون جديد ويستشعر فيها الشاعر سمات الكلي في حرارته ليرتقي إلى السماء في رحلته نحو الأنوار ، حيث أن عالم الصورة هو عالم النور المطلق ، والصور الموجودة ما هي إلا تحقيق للوجود المطلق للشاعر ، وكأنه يقبض على أبجديات الحلم الخلاق والواعي ، وكأنه وجد في الشاعر العالم الكلي الذي ارتفع به عن نتوءات العدم ، وكأن النجمة وهي تمتلك مركزها ودائرتها المشعة ، هي تحرير لحركة الأصابع الخمسة وهي تدور في فلك هذا الضوء الذي تقد منه صور قصيدة تمتلك كينونتها .....لتوقظ هذا الضوء الأزلي الذي يتحسس الفنان بعض شراراته في لحظات خارقة لكنه سرعان ما يسترجع صدى انكسارات الروح وانكسارات الإنسان في هذا العصر ( ظلمات الكون ) ، وخاصة الشاعر العربي الذي عاش هزائم شتى ورنا لاكتساب وعي مضاد ، ولكنه في انخراطه في كتابة قصيدة حديثة أضاع ذاته التي أضحت بيد الآخر و تعتمت روحه حد التسطح ، في عصر كهذا صار فيه الشعر كائن يتلمس طريقه في عصر التكنولوجيا والهزائم ، يبقى للشاعر روح وضوء ورؤى وهي توقظ هذه اللغة التي تيبست ، ولكن صورة كصورة النجمة مثلا بإمكانها أن تحقق هذا الفيض العاطفي في صورة ناطقة بإرهاصات الروح المتأملة .
ظل نخلة مريم
قد شربتها الصحراء
وظلت ظلال الحياة الدنيا ظلها
يثلج ناري
وانتظرت الناقة تأتي هاربة
من ثمود
تأتي إلي وحدي
وعلى ظهرها سر الأنوار
انتظرت الريح تحمل ورد محرمتها
يبستن روحي
حتى أرى في الصحراء الشذى يطغى
فأقول نعيم الدنيا جاري
انتظرت تدفقها ماء
لا أعرف جادت سماء الله
أم أن الأرض شرحت ايقاع خطاها
ففاضت ينابيع في دماري
انتظرت
وحين اتتني احتوتني
فواصلت فيها انتظاري
يتحول الشاعر إلى متلق إلى كل إشارات الغيب وإلى كل عناصر الوجود والحياة ، فكل هذه الصور التي يبث فيها الله أنواره إلى أنبيائه يتلقاها الشاعر كذات تتلقى الوجود الكوني وكأنها ملكه هو بالذات ، وكأن كل تلك الصور التي لا تخلو من إعجاز قد عاشها كشاعر يرى ، وتتبدل جدلية المشاركة بين الشاعر والقارئ إلى جدلية العلاقة بين الله ومن اصطفى من خلقه ، ليحيلنا هذا التمثل الخاص للنور الإلاهي إلى لحظة أنطولوجية ، تذوب فيها الفواصل بين الشاعر ومن بث فيهم الله من نوره ومعجزاته ، فالقول الشعري هو قول إعجازي ، على الأقل بالنسبة للشاعر ، فالشاعر هو قارئ لصور النبوءة الكامنة في الكتب المقدسة ، ويستشعر أنه في أعماقه هو نفسه ذلك النبي الذي تلقى إشارات الغيب يوما ما ، وأنه في أعماقه ينطوي على أنا شعرية نورانية خلاقة ومبدعة ويتمثل إطلاقية العالم في جماله وبهائه . فالشاعر يتمثل صور الأنبياء عبر خاصية الدهشة ، وتلك الدهشة مقترنة بحالة المتعة ، فما يستشعره في هؤلاء يلتذ به ككائن متأمل ، و"تأملاته الشاردة" هي حلم خلاق في هذا "الوجود اللامتناهي " وكأنه ثبت نقطته على سطر الوجود ، وتجذر في نقطة الضوء ، فصوره الشعرية التي تتمثل صور مريم والنخلة و ثمود والناقة ، أن " كينونة الصورة غير منفصلة عن كينونة سابقة " حسب باشلار ، وعبر تلك الصورة السابقة يرسم الشاعر صوره بوعي .
هذه الليلة
جئت مزدحما
فثمار البحر والخمر في السلة
مع أشواقي جعلتني ضئيلا
في هذه الحلة
في طريقي إليكم صادفني سائل
فوهبت له الثمرات
وعالجته بالخمر
وأهديته حلتي
وحذائي
وقد جئت مجلسكم
عاريا
حافيا
خاويا
إلا من أنوار المولى
والشاعر يدخل إلى ديوانه عاريا منذ القصيدة الأولى التي افتتح بها الديوان، لأن قصيدته تعبر عن التماعة الضوء التي تشع في روحه وتدخل على لغته ديناميكية خاصة ، وحين يخلع الشاعر عنه صور النشوة الشعرية المبتذلة المستمدة من مثيرات خارجية تحاول نشوته محاكاة غبطة الاكتشاف ولذة تشكيل الوجود الشعري للشاعر ، الذي يقف على عتبات الكون الشعري، يكون قد كشف عن كينونته وأدخل القارئ إلى عالم الشعر بكل ما فيه من دهشة وطرب وصخب فكري ، تلك اللحظة التي لا يمكن تصوير الإحساس بها لكونها لحظة المشاركة بين القارئ والمبدع في لحظة التعبير عن صورة إنسانية هي صورة مشتركة وإن بدت نتاج لحظة شعرية خاصة وهي نتاج "التأملات الشاردة" حسب باشلار ، تلك التأملات المعبرة عن أحلام اليقظة والتي لم تكن مجردة من الذاكرة التي تجذرت فيها ، ومن المخيلة التي عاشت ارهاصات شتى ، وبالتالي من " كوجيتو الحالم " الذي يبدع من خلاله الشاعر ويحقق كونه الجديد .


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك