تلك المسلة البعيدة.. تجاور الصمت.. والصخب
عيسى حسن الياسري
"الغابة تطل من بعيد بشواهدها
والرخام الذي حصدناه معا ً
تراخى
واستلقى ليستريح بين أيدي ..
النحاتين ."
"تلك المسلة البعيدة " هي المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر " كريم النجار " .. هذا الشاعر الذي ظل يتخفى وراء خجله طويلا ً.. كنت اعرفه شابا يندر أن يرفع رأسه لمن يحدثه .. كان يجيد الإصغاء .. وكأنه يبحث عن ذاته في الأشياء وفي الآخرين .. يسير بهدوء ..ويتكلم بهدوء .. ومن الصعب أن ننتزع منه رأيا أو فكرة ..فكل ما يريد ه هو أن يسمع من محدثه أكبر قدر من الأفكار التي قد يتقبلها أو يتضاد معها وبصمت أيضا .. كان بسيطا وغامضا .. ولكنه لا يستطيع أن يخفي عينيه اللتين تطلقان أكثر من حلم .. لسنوات وأنا لا أعر ف عن هذا الشاعر.. الذي التقيه باستمرار في بيت قريب لي كل من فيه يهتم بالأدب والثقافة .. غير أنه من الشباب الذين يهتمون بالقراءة .. وحتى هذا الأمر لم يعلن عنه .. حتى فاجأني أسمه ذات يوم في إحدى الصحف الثقافية وهو يكتب عن معرض فني لأحد الفنانين ..وكان يستكشف اللوحة كما لو كان يؤسس لكتابة نص شعري .. وبعدها بدأت أتابع قصائده التي ينشرها في أزمنة متباعدة . . والآن وأنا أتصفح مجموعته الشعرية ..أستذكر شابا هادئا كغدير يحتمي من الريح بظلال حرش بري .. حتى يغطي على صخب أعماقه ..أن قصيدة الشاعر " كريم النجار " هي بناء مثالي لوجوده الحياتي خارج نصه..ومن هنا يتحقق في نصه عالمان متغايران هما " الصمت والصخب " :
" كان العابرون يمضونه بصخب لا مثيل له
ربما سكارى
في حارة الصامتين
يترنحون . "
"من قصيدة أيام خاوية "
فهل كان هؤلاء العابرون الصاخبون يمثلون تعددية ذات الشاعر ..وانشطارها المأساوي الذي يشطرها نصفين حيث " حارة الصمت .. التي يقلقها صخب السكارى المترنحين ... ؟
وتبرز تضادية الشاعر بين حياته اليومية الشبيهة بنهار هادئ .. وفوضى عالمه الداخلي وصخبه بكل وضوح عبر نصه " المتأصل كجوهرة " .. فهو هنا ينحو منحى بنائيا سرديا يقترب من " القص " ..ولا يبتعد عن تأثيث صوته الشعري ..إنه يفيد هنا من استخدامه لضمير المخاطب وهو ضمير كثيرا ما يعتمده السارد القصصي ليقدم من خلاله توصيفا لذاته عبر أفعال شخوصه ..وهذا ما اعتمده الشاعر في نصه هذا ليرسم عددا من العلامات الفارقة لانقسامات ذات الشاعر وكليتها اللا متجانسة أيضا .. حيث يحقق تناصية فلسفية.. وتطابقا رؤيويا مع الشاعر " أبو العلاء المعري " التي يجسدها في بيته الشعري الذي يقول فيه :" أتحسب أنك َ جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ُ " ؟
إن قصيدة " المتأصل كجوهرة " ..وهي تقريبا أطول قصائد المجموعة تغطي فصلا كاملا من خارطة معاناة الشخصية الرئيسة في النص .. وهي بالنتيجة شخصية الشاعر نفسه التي أراد لها أن تتخفى وراء تداعيات ذاك الذي يتوجه إليه بخطابه ..لكن وعبر رحلة النص في مناطق اللا شعور .. يتلاشى غياب الشاعر ..ليتحول إلى حضور يظل مكشوفا ومعبرا من دون إخفاء عن ثنائية وعي الشاعر .
" تجمع الكون على كتفيك
بفوضاه .. وعساكره .. وسجونه ..ومنافيه ..
وأسفاره الوهمية
ببحاره .. وموجه المتلاطم تحت " المركب السكران "
وتستمر القصيدة موغلة في سرديتها ذات الدلالات الإيحائية التي تحفر عميقا في أقبية التاريخ الإنساني .. موحدة أزمنته الثلاثة ..وكأن كل شيء يتكرر منذ إطلالة أول ظل تائه فوق كوكبنا الأرضي .. لتتكئ هذه الأزمنة بكل فوضاها ..وعساكرها ..وسجونها ومنافيها على عشبة ظل الشاعر المتناهية الرقة والهشاشة .. حيث
لا يجد غير "مركب رامبو السكران " الذي تأخذه أمواج متلاطمة بعيدا عن الشواطئ الآمنة .. والخلجان التي تأخذ السفن الضالة إلى هدوء وطمأنينة شطئآنها الآمنة . . إن قصيدة " المتأصل كجوهرة " تمثل نشرا لخارطة ذات الشاعر التي ظلت متخفية طويلا وراء ستارة وعيه التأملي .. ورؤاه التخيلية التي توزع حياته بين كابوسيه الواقع .. والركون إلى طمأنينة الحلم .
في قصيدته " الصوت النازل " يعتمد الشاعر تكنيكا يقترب من اللقطة السينمائية .. وكذلك اللوحة التشكيلية .. ففي الطرف الأول هناك مشاهد مصممة وفق المعايير التي تفرضها مقاسات "السيناريو " .. الذي يفرض حضوره على أبعاد اللقطة القريبة والبعيدة .. ومكان حدوثها الذي يقع في الداخل ..أو الخارج :
"عرب هنا
عرب هناك
في المفصل الخامس تنزل رويدا درجات القلعة
تقفز دواليب الدراجة ..ولا تمسك بها " .
أما في إفادته من تقنيات اللوحة التشكيلية فيبدو ذلك واضحا في هذا الشطر الذي يتخذ له حيزا خاصا من القصيدة رغم صغره اللا متناهي :
" يبهرك الضوء الساقط من زاوية بعيدة "
الأماكن هي الأخرى تتكون لها ملامح تكاد تكون غريبة وغير مألوفة .. مما يجعل توصيفها متعذرا كما في قصيدة "هدوء " .. لذا يلجأ الشاعر إلى أسئلة الدهشة التي تقترب من أسئلة طفل يواجهه عالم غريب :
" كيف تنتسب الأشياء إلى الأشلاء ... ؟
كيف ينتسب التاريخ إلى الدم .. ؟
كيف ترى شوارع بغداد ..وأسوارها ... ؟.............. الخ .
ولأنه ليس معنيا بإيجاد إجابات لأسئلته ..فأنه يعمد إلى إغفالها .. ويتجه ..وكما يفعله راوية المشهد القصصي .. وعبر انتقالة تقطع صلتها بما قبلها ..ليؤسس إلى مشهد آخر ينتقل من مأساوية المكان .. إلى ذلك البناء الإنساني النبيل الذي هدته تحولات الأزمنة الرديئة .. وسرقت منه أكثر محطات العمر جمالا حيث نصغي إلى صوت غنائية مفعمة بالحزن والأسى :
" أمس ِ
رأيت صاحبي الذي فارقته منذ عشرين عاما
شاربه أبيض ..ووجنتاه غائرتان
خطوط كأنها حز سكاكين تعلو جبينه ... "
إن قصائد الشاعر " كريم النجار " هي بمثابة معادل استعاري للصمت الذي فرضه على حضوره اليومي .. ليجعل من صخب الداخل أقل طغيانا على هدوء واقعه الخاص الذي يوحي لمن لا يعرفه بأنه كائن يعبر هذا العالم دون أن يلتفت إلى نداءاته المريضة .
هكذا هي حركة وعي الشاعر داخل نصه الشعري .. إنها تفترق ..وتلتقي في ذات الوقت دون أن تتقاطع أو تتضاد .. وهذا ما يحقق لقصيدته انتقالاتها عبر أبنية يمتزج فيها المكاني بالزمني .. والواقعي بالمتخيل .. محققة تقنية تجمع بين جماليات اللوحة التشكيلية .. واللقطة السينمائية المعبرة .. إضافة إلى ما هو يومي ومعاش ومتداول ..وهذا ما يضفي على نصه الكثير من الحميمية ..والغنائية الشفيفة ..والابتعاد عن إرهاق ذهنية المتلقي بفرض أفكار منقولة من خارج البناء التلقائي للنص .. أو الالتجاء إلى التغريب.. بل يترك لتجربته حريتها التعبيرية .. وعفويتها اللا مقيدة.. والتي استكملت تشكيلاتها بعيدا عن رقابة الوعي الظاهر ..
" عصية أنت ِ
يداك مملوءتان بالثمار
وصدرك ِفاكهة المنحدرات .


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (2 تعليقات سابقة):
سعد جاسم
أضف تعليقك