الرئيسية »  الـنــقـد»  الصورة والمعنى في شعر رنا جعفر

الصورة والمعنى في شعر رنا جعفر

عدد مرات المشاهدة :1914 - 06/ 5/ 2007

جمال المظفر

الصورة والمعنى في شعر رنا جعفر

جمال المظفر  

نصوص صوفية وطلاسم ورقى ولوحات سريالية وأخرى تجريدية وسباحة ضد التيار في زمن فوضى النتاج الشعري المستنسخ الذي يملأ رفوف المكتبة العربية والعابر كمرور الكرام امام اعين المتلقين والنقاد والمتذوقين.
نصوص تصل الى درجة الرقي لروعة الاسلوب حتى لكأنك تسبح في فضاء لوحة اعطى الرسام الماورائية مساحة للتأمل واستنطاق الواقع عبر صور ايحائية ترميزية خالية من الاسفاف والتكرار.
الشاعرة رنا جعفر ياسين علامة بارزة من علامات الشعر العراقي الحديث تمتلك شاعرية ترقى الى مصاف الشاعرات الكبيرات اللاتي تركن بصمة في الشعرية العربية والعالمية ، نصوصها صادمة ومؤثرة ، شاعرة سبقت عمرها الزمني بتجربتها المتميزة ، لها ملكة ذهنية عالية ولها القدرة على التلاعب بالمفردات ..
من اعالى الخوف نزلت
ابحث عن العابي ، سكراب بيتي
قوتي وحذائي
قمري ، رأس الناقوس المقطوع
شرطي قطعوا رأسه في باب الدار
............................
............................
من درك مفقود
اصعد للشمس.... ابحث عني.
سؤال صار يلازمني وانا اقرأ المجموعة الشعرية الاولى للشاعرة رنا جعفر ياسين ( طفولة تبكي على حجر ) الصادرة عن الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق وهو هل ان القصيدة هي التي تداهم الشاعرة مثلما تداهم الكثير من الشعراء أم ان رنا هي التي تقود المفردات الى اشكال شعرية متفردة ومتأنقة:
في آخر الزقاق
ارى المارد يعمد الاطفال بالخطيئة
يلعب معهم بعظام اباءهم
وفي موعد النوم
يدثرهم بنزيف الامهات
على افخاذهم يحفر جوعا للفرح
وعند باب جارهم..
يخلع وجهه ليرتق الرحيل.
اربعة شواهد يبكي عندها الاطفال هي مكونات المجموعة الشعرية ، فالعنوان مثير واعتمدت فيه اللامباشرة ، فهي لم تقل بكاء الطفولة على الحجر وانما اعطت الطفولة صورة اعمق في البحث عما وراء الاحجار للبحث عن بقايا عظام ابائهم الذين اكلتهم الة الحرب والارهاب .. ولانها فنانة تشكيلية طعمت صفحات مجموعتها بعدد من التخطيطات التجريدية والتي تدل على رموز وطلاسم لها علاقة بالغيبيات والماورائيات ولغة السحر والحكايات الميثولوجية والاساطير القديمة ، انعكست رؤيتها الفنية على صورها الشعرية ، فصارت المجموعة عبارة عن لوحات تجريدية وطلاسم لايحل لغزها الا العالم بفنون السحر والخيال .
لا .... لا ...
لاتقتلني
انا طفل وأدته الحرية
اصابعي قطعوها ... هي في جيبي
ولساني نشروه على حبل عربي
أو لي من يترفق بي لأموت طريا؟
خلال قراءتي للمجموعة لم أر هناك نصا عاديا ، أو نصا بدون حبكة أو صورة شعرية غير مباشرة ، ليس هناك اسفاف أو لغة مترهلة ، وجدت نصوصا مختزلة مكثفة شذبت اطرافها بعناية الفنانة التشكيلية المتمكنة التي تستطيع ان تجعل من نصها ثيمة فنية لغوية محكمة غير قابلة للتأويل :
صوت
صوت
ها ... اسمع
اطفال باعوهم بصمات منهوبة
يغنون على ضفة الموت
يرقص عصفور في حلقي
ويسيح الوطن المحبوس.
سؤال آخر يدور في مخيلة أي كاتب او قارئ من المتذوقين او المستبطين والباحثين عن خفايا الكتابة واسرارها هل ان الشعر هو انعكاس لسلوكيات الشعراء وتجاربهم العاطفية والعملية أم انه هذيانات اللاوعي وافرازاته الهرمونية التي تشكل هلاميات لغوية قد تكون غير مفهومة احيانا ، أو ربما يصدم الشاعر بلغته التي شكلت النص – القصيدة - .!!!
مازلت
كما عهدتني
اعوم في طوفاني الاعزل
اثور في جسدي
فللحلاوة ثورة
كما المرارة
اسكبني
فوق جرح في اليسار
تطوى
فأنكسر بين ضلوعك
اذوب في مساماتك
انصهر بأنفاسك
اشهق صوتك
وربما
اثور فيك !!
الواقع يعكس تلاوينه على مخيلة الشاعرة ، الموت ، الدمار ، الاحتلال ، الانكسار، الحرائق ، الجثث المتفحمة ، الانهيارات السياسية والفكرية والاخلاقية ، المآتم ، الشواهد والقبور ، الحجر الذي يبحث عنده الاطفال عن بقايا اسئلتهم ، عن آبائهم المنفيين الى الابد دون وداع مسبق لعاصفة بارودية انتشلت بقايا الذكريات :
في جوفي..
بقايا طفلة
تلعب بالشظايا
تهدهد لحدها
ثم
تموت في سكون
ياله من مهرجان عاطل
كأنه ضجيج
أو توان يلعق القلق !!!
الشاعرة تحول الواقع الى لوحات مؤطرة بموهبة فذة ومطاوعة للذات الأنوية الحالمة ، تحيل المفردات الى تعاويذ كتلك المنقوشة على الاختام الاسطوانية البابلية ، التعاويذ التي تحملها النساء بين نهودهن لدرء الحسد أو لاستعطاف محبة الزوج أو حتى الاسحار التي تعملها الزوجات لازواجهن ويعتبرنها حقا مشروعا في الحفاظ عليهم من – الخمط – الذي تمارسه الغانيات واللعوبات وقدرتهن على سرقة بعولتهن برمشة عين :
يوما ما :
وجدت اسطورتي بلا عجائب
سقطت منها
الاحجيات
وطلسمي اذابه حجر الطواحين
ياعفريت
لاتخلط بالماس رملي
فعلى هوائي يحبو العفن
ورئتي يتقرن فيها عطر النرجس
تهرم ...
تتفسخ.
رنا جعفر تجاوزت حدود الاشكالية الجنسية أي انها لاتكتب بذات الانثى وانما بذات الشاعرة المتحررة من الصبغة الانثوية ، فنرى ان نصوصها التي اعتمدتها في المجموعة والتي جميعها عبارة عن نصوص قصيرة مكثفة تلج فضاء غير محدد بجنس ، ولااقصد هنا الجنس الادبي وانما الجنس البشري :
 
من غهب في عودة مجهولة القسمات
بأن الوغى
والماء احمر
والسماء بداية
والموت سر العائدين
ارفع عن الوجه المدنس بالمهالك
باقي ساقك
لاتخدش كبرياء الميتين
فالحب في اليمنى
والشجاعة في الشمال
والقلب بارد
والدمع يركض صوب هجيرك المألوم
هناك أكتب
( قلبي على وطني
قلبي على أمي
قلبي على قلب سقط من والدي يوم الولادة )
وللشاعرة رنا جعفر ميزة خاصة تميزها عن باقي الشعراءوهي امتلاكها لموهبة فطرية في الرسم تزاوجها مع موهبتها الشعرية الفطرية فتخرج صورها الشعرية برومانسية وشفافية عاليتيتن قلما يصل اليها الشاعر الذي يمتلك شاعرية عالية ، فالفن دائما يعطي النصوص الشعرية مسحة جمالية وايحائية اعمق ورومانسية تجعل المتلقي يحلق معها بخياله اللامحدود :
من اين يأتي الصبح بالمكائد،
وحراس الليل
ناموا في حقائبهم
واطفال البلاد مازالوا يغطون في خوف عميق ؟!!
جميع المقاطع القصيرة التي تضمنتها المجموعة والتي قسمت الى اربعة ابواب تحت عناوين (  عند الحجر 1، عند الحجر2، عند الحجر3 ، عند الحجر4 ) هي قصائد نثرية ولكنها تعزف على وتر متعدد النغمات بأيقاع موسيقي هورموني يعطي النص لذاذة التواترات اللحنية:
الشمع يلهث
على جلدي يسيح
وانت تفيق بين وحل وخاتمة
ومدينتي تتبخر.
الشاعرة تتقن فن الاغواء ، اغواء الناقد والقارئ والمتذوق الى الدخول الى عالمها الغرائبي الملئ بالدهشة بعيدا عن التأويل لأن الصور واضحة ولاتحتاج الى فك الطلاسم كما تحتويها الرسوم في متون المجموعة لكي توضح الصور اكثر مما هي اشد وضوحا مع عتمة المشهد ودمويته :
لاوقت للموت
الاستشهاد في الاعناق
والقلائد في الخزائن
تتكلس
الطاعون يفتك بالمرايا
والمواعين تصل
لاوقت للموت
الروح تعربد
والكفن تقيح
واللحم
بارد
بارد
وفي نص آخر جميل تحاور الآخر بلغة الطفل الذي مازال يلثغ الحروف في سنيه الاولى:
تعريت من سنيني
ألاأجمع لك العنب اليابس في جيوبي ؟
فتلبسني محاسني
وتخلع عني سوئي
   *    *   *    *
تحت الوعيد والقنابل ، خرائطي تركض
تبحث عن نهر
تعثر
سقط في ب ا ل و ع ة ...!!!
وفي نص ملئ بالغرابة والدهشة ، ملئ بالصور المتحركة الراقصة على وتري العشق والخيانة ، اللذة والجنون ، العفة والعري، الشهوة والانكسار ، محاكاة الانا المتعرية من ادواتها اللفظية والمجازية ، استوقفني كثيرا هذا النص وأنا أقرأ مفرداته العارية :
هاك القدر
هيا امتزج وياي في خرافتي بالحب
هل انت مثلي؟
في الفراق تمد قلبا للوراء
وفي الخلود، ربما تشتاق لي
ياأنت
يااياي
ياكل الضمائر في سفرنا المألوم
المكتوم
عن بوح الاماني
لك العشق
ولي بقايا من خياناتك
انا كنت كلك
ومن دونك صرت – اليوم – نتفة من بعضي
أنا أنا
........ من وجدت البئر في حلق السباع
فشاركني خداعي ...
رنا تتنهد ، ترقص ، تلاعب الكلمات بأطراف اناملها ، تحاكي الحروف بشفافية رغم الالم الذي ينخر قواها ويعتصر فؤادها ، تغني اغاني الاطفال وهم يحملون حقائبهم المدرسية في صباح خريفي يوزع نسمات باردة على وجوههم ، طفلة تلهو بالدمى الى لحظة كتابة النص :
ياطفلا من خشب
متى سيحييك الله؟
لتلعب معنا
في البلد المجاور
لعبة العسكر والحرامية
...............................
..............................
ياطفلا من ماء
تبخر
تكثف في غيمة
امطرنا وطنا من بلور
لنلعب فيه...
واجمل مافي مجموعتها الشعرية الخاتمة التي انهت بها قصائدها تحت عنوان هوامش
• الاطفال وان تعثروا بكل هذه الاحجار ... مازالوا في نواح ربما ، يبحثون عن حجر آخر !!
• مازال الصوت خفيا ..... ومخيفا .
• بحثوا بين الازقة عن بقايا الاطفال ليقيموا متحفا لطفولة هرمت في زمن الحرب
 
 ومازاااااااااال البحث جاريا ..!!!
رنا جعفر ياسين شاعرة كبيرة ومتألقة لها مستقبل كبير في الشعرية العراقية بل والعربية لما تمتلك من ادوات وخيال يؤهلانها لان تكون مشروع شاعرة متفردة لها المجال لاستكشاف المزيد من القدرات في داخلها الذي سيشي بالكثير الكثير من الابداع في يوم ما ، فعلى النقاد ان ينتبهوا الى هذه التجربة التي تستحق الوقوف عندها كثيرا وخصوصا ان الادب العربي رغم انه يزخر بالنتاج الشعري الا ان الاصوات الشعرية النسوية تكاد تكون قليلة بالنسبة الى حجم الشاعرات الكاتبات لفن الشعر



شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل