أدب فن: إيقاع المكان المقدس.. في أدب العراق القديم إيقاع المكان المقدس.. في أدب العراق القديم ================================================================================ ذياب شاهين on 31/ 8/ 2009 إن الاعتراف مسبقاً بانطواء اللغة على المكان والزمان لذى أهمية بالغة فاللغة بصفتها خزيناً من العلامات في العقل الجمعي للمتكلمين حسب "سوسور"(1) والتي تمتاز باعتباطيتها(2) ، هي الاشارة البيرسية (حسب "بيرس") بصورتها العرفية(3) ، ولكن العلامات اللغوية (اللغة) بوصفها حركة تصفه الكتابة بوصفها (دال الدال)(4) ، حيث إن قيام الكتابة هو قيام اللعب: (وها إن اللعب يعود الى نفسه، ماحياً الحد الذي كان يعتقد بإمكان تنظيم حركة العلامات انطلاقا منه.)(5) لذلك نجد أن تسمية (لغة) كانت تطلق على كل من العقل والحركة والفكر والتفكير والوعي واللاوعي والعاطفة والتجربة ...الخ. وها نحن نواجه اليوم نزوعاً لاطلاق تسمية الكتابة على هذه الاشياء جميعا وسواها(6) . يرى "أرسطو" الارنانات المنبعثة من الصوت رموزاً لأحوال الروح وفي الكلمات المكتوبة رموزا للكلمات التي يبثها الصوت(7) ، لذا فأن "جاك دريدا" يرى :( 8)( بأن الكتابة الصواتية محددة بالفضاء والزمن وهي تحدد نفسها بنفسها في اللحظة المشخصة التي تفرض قانونها على المجالات الثقافية الوحيدة التي كانت وما تزال تفلت منها)، وفي تحليله المثير لمغامرة الغرب الميتافيزيقية والعلمية والتقنية والاقتصادية الكبرى يكشف "دريدا" عن تمركزٍ للروح بين الموجودات و"اللوغوس"، بين الروح والاشياء علاقة إدلال طبيعي أو ترجمة وبين الروح و"اللوغوس" علاقة ترميز تعاقدي ولكن اللغة المكتوبة تثبت تعاقدات توحد بدورها تعاقدات أخرى(9). يقول "جان جاك روسو" في أول اختراع للكلام ليس ناتجاً عن الحاجات بل عن الأهواء(10)، كما أنّ اللغة الاولى كانت مجازية(11)، ثم ينتقل "روسو" نقلة مهمة عندما يقول: (12)(إن حقل الموسيقى هو الزمن وحقل الرسم هو المكان ولذلك فإن الزيادة فيما نسمعه في أن واحد من الاصوات او تعديد الألوان بعد الآخر إنما هو تغيير لاقتصادها، وإحلال ٍ للعين محل الأذن وللأذن محل العين.) إذن فالكلمة المكتوبة تثبت الفضاء (المكان) وتمسك به لارتباطها بالنظر(العين)، ولكن الكلمة المنطوقة تمسك بالزمن لارتباطها بالأذن البشرية، وهذا يحيل لحقيقة مهمة هي أن قراءة الكلمة المكتوبة في نص ما أو خطاب معين , هو في واقعه امساك بالمكان والزمان معاً،من هنا تأتي أهمية القراءة والقارىء، فلا غرو عندما يبتدر الله تعالى رسوله الكريم محمد (ص) بأمر القراءة: (إقرأ باسم ربك الذي خلق) (13) ، فالقراءة هنا أمر ينطوي على نطق ما هو مكتوب في ظاهره، ولكن في باطنه دعوة للامساك بالزمان والمكان سوية. إنّ المكان في الفكر الديني والاسطوري القديم له أهمية كبيرة، ويبدو موقـّعاً (من الإيقاع) ومبتعداً عن الفوضى وله وظائف دينية ودنيوية، يقول "مارسيا الياد" حول المكان: (عند الانسان الديني، المكان ليس متجانساً، فيه انقطاعات وفجوات فيه أجزاء تختلف اختلافاً نوعياً عن الأجزاء الأخرى)، يقول الرب لموسى(14): (لا تقترب إلى هاهنا، إخلعْ حذاءك من رجليك لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة، خروج 5:3) ولكن المكان في الخبرة الدنيوية متجانس ومحايد ، لا انكسار يفرقه نوعيا عن مختلف أجزاء كتلته، فالمكان الهندسي، قابل لأن يتجزأ ، أو يتجدد من أي جهة كانت لكنه لا يعطي تمييزا نوعيا ولا توجها انطلاقا من بيئته الخاصة،(15 ) كما إن الناس ليسوا أحرارا في اختيار الموقع المقدس ، ليس عليهم سوى البحث عنه واكتشافه مستعينين بالإشارات الخفية،(16 ) ومهما بلغت درجة نزع القدسية عن العالم ، لم يفلح الإنسان الذي شاء أن يحيا حياة دنيويه في القضاء على المسلك الديني،(17 ) كما إنه لا يمكن ابتداء شئ أو صنعه بدون توجه أولي، يسبق ابتداءه أو صنعه ، وكل توجه إنما ينطوي على اكتساب نقطه ثابتة،( 18 ) حيث إن التجلي الآلي يكشف عن نقطه ثابته ،عن مركز ، إن اكتشاف أو تعيين "نقطة ثابتة" أي مركز لهو فعل يضارع خلق العالم. (19 ) في الأدب العراقي القديم يحتل المكان أهمية بارزة في متون نصوصهِ ، ففي ملحمة كلكامش مثلا يطالعنا النص بعدة أمكنه مقدسة ، فأوروك المدينة هي أول هذه الأمكنة المقدسة بجدرانها وأبوابها ومعبدها "أي -أنا " بل هي مركز النص وسرّته: (20 ) (بنى أسوار "أوروك" ، وحرم "أي-أنا" المقدس ، والمستودع الطاهر فأنظر إلى سوره الخارجي تجد شرفاته تتألق كالنحاس . واستلم أسكفته الحجرية الموجودة في القدم .) إن بناء أسوار أوروك، هو تحديد لها بوصفها مكاناً مقدساً ، وتطويبها ومباركتها ، لأنها ما عادت مكاناً مجهولاً، بل أصبحت مكاناً مسكوناً ، ولا بد من تحديدها لتمييزها عن المكان المجهول الذي يحيط بها ، لأن الاقليم المجهول والغريب غير المأهول، يسهم بالنمطية المائعة والشبحية التي يتصف بها العماء (chaos)، والإنسان إذ يحتل هذا الإقليم ويقيم فيه فإنما يحوله رمزيا إلي كون (cosmos) بتكراره طقس ولادة الكون،(21 ) لذا نجد النص مهتما بتفاصيل البناء إلى درجة أنه يطالبنا بأن نقترب من هذا البناء وتفحص أسسه والتمشي على أسواره( 22 ) : اقترب من (أي- أنا) مسكن عشتار الذي لا يماثله صنع ملك من الآتين ولا إنسان اعل فوق أسوار (اوروك) وامش عليها تفحص أسس قواعدها، وآجر بنائها وتيقن أليس بناؤها بالآجر المفخور وهلا وضع0"الحكماء السبعة" أسسها إن البذخ المعماري هذا يشير ويحيل إلى المكانة الدينية والدنيوية لمدينة أوروك، فالبناء بالآجر المفخور وإعلاء الأسوار والاستفادة من الخبرة والتجربة المعمارية للحكماء السبعة في بناء أسسها هو في واقعه لإكساب المدينة منعة وقوة ضد الغزاة، وكذلك لأكسابها جمالا معماريا متميزا. كما إن الاهتمام بمعبد (أي-أنا) له مهمة دينية مقدسة، فالمعبد يمثل مركز الكون للاتصال بالمتعالي وقد بني بطريقة غير مسبوقة، حيث إن مبدع النص يحاول إيهامنا بأنه حتى الملوك الآتين لا يقدرون على بناء ما يماثله. ويشير النص بأن هنالك اهتمام بالأسكفة (العتبة) لكونها الحد الفاصل بين الخارج (غير المقدس) والداخل (الأكثر قدسية). هنالك طقوس معينة تترافق مع عمليات البناء، كقراءة التراتيل والأناشيد، وبهذا الصدد يقول د. فاضل عبد الواحد علي:- فالأمير السومري" كوديه" الذي تحدث كثيرا في كتاباته عن معبد الخمسين (Eninnu) ربما معبد النواميس الخمسين "50 me" التي يعتقد أنها كانت العوامل الأساسية في ظهور فنون الحضارة وازدهارها، يقودنا من خلال إحدى تراتيله لمواكبة مراحل البناء منذ البدء في وضع اللبنة الأولى وحتى الانتهاء منه.(23 ) إذن فإن عملية البناء أو إعادة البناء هي تدشين لعهود جديدة، يصاحبها تغير من مستوى ثقافي ومعرفي إلى آخر أكثر ثقافية ومعرفية. ويبدو أن المنتصر هو الذي يقوم بعملية البناء ومن ثم إعلائه، وهذا ما نلاحظه في أسطورة الخليقة البابلية عندما أمر الإ له مردوخ بعد انتصاره على تيامات ببناء مدينة بابل (bab-ili) ومعبدها الشهير ايساكيلا (Essajilla) مع معابد أخرى للآلهة العظام،(24 ) أما المدن الخاسرة فلن يصيبها إلا الخراب والتدمير على أيدي المنتصرين سواء كانوا ملوكا أو آلهة وهذا ما نجده في إسطورة "آيرا" المكتوبة شعرا، وآيرا هو إله الطاعون والأمراض وإله الحرب والصيد أيضا.(25 ) حيث يسير إلى مدينة بابل ويهاجمها وهنالك ينتزع من مردوخ سلطاته، ويسلط على بابل الفوضى والخراب ويقوم بذلك أبناؤها أنفسهم:- (26 ) انهم يطلقون الشتائم على الحاكم المسؤول عن معابدهم وقد سدوا بأيديهم بوابة بابل، شريان رخائهم وأضرموا النار في معابد بابل، مثل ما يفعل من ينهب البلاد أنت الذي كنت تسير في المقدمة وكنت تقودهم وصوبت السهام إلى أمكور-أنليل (سور بابل) حتى صاح يا ويلي إن النص يصف حالة من الفوضى وانعدام السلطة، فالناس تشتم الحاكم علنا، وإن ما يحدث هو عملية مماثلة لقتل تيامات حيث نجد العنف موجها للأماكن المقدسة وعلى القائمين في خدمتها، كما إن غلق بوابة بابل وإضرام النار في معابدها وتصويب السهام إلى جدرانهاـ هي محاولة لتجريدها من قوتها ومنعها وبالتالي من احتياز قدسيتها لتحويلها إلى عماء لتعود إلى حالتها الرجراجة، حالة ما قبل الخلق، لذا نجد مردوخ يتحسر على مدينته ويتأسف على زمنه الذي أوشك على الزوال فهو يرى بأم عينه سقوطه وما أقسى أن يرى حاكم نفسه وقد هوى، وها هو مردوخ يمسك قلبه قائلا : (27 ) أسفي على بابل التي جعلتها شامخة مثل تاج النخلة لكن الريح أيبستها أسفي على بابل التي ملأتها بالبذور مثل كوز صنوبر لكنني لم أجن ِ منها شيئا أسفي على بابل التي غرستها فصارت حديقة ناضرة لكنني لم أذق طعم ثمرها. يبدو أن إله الطاعون "آيرا" بعد أن تم له الاعتراف بالانتصار، قام ايشوم مساعده بإقناعه بأن لا أحد يستطيع مجابهته كف يده عن بابل، ليس هذا فقط بل عمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتغيير اتجاه العنف إلى أعداء بابل: (28 ) عسى أن يتكاثر من جديد شعب البلاد المباد وعسى أن يسير على دروبها القصير والطويل وأن يصرع الأكدي الضعيف السوتي القوي وأن يسوق رجل واحد منهم سبعة مثل الغنم وعسى أن تحيل مدنهم إلى خراب وجبالهم إلى قفر وأن تأتى بغنائمهم الثـقيلة إلى شوانا ( بابل) وأن تعيد آلهة البلاد الغاضبين إلى مساكنهم بأمان وتنزل في البلاد من جديد الماشية والغلال إن الدعوات أعلاه والتي يطلقها "ايشوم" هي تأكيدات لقرار اتخذه "آيرا " بحق بابل وسكانها , فبعد أن ضمن ولاءها له يعمل على إعادة بنائها وتأثيثها لتعود قوة مضافة إلى قوته ومركزا له ، حيث إن تكاثر الشعب يعني زيادة المقاتلين ، كما إن امتلاء دروبها بالناس قصيرهم وطويلهم هي تعزيز الأمن والاستقرار فيها ليمارس جميع الناس أعمالهم ومصالحهم ، فضلا عن ذلك ،فإن إعادة الإله للناس الغاضبين الى بيوتهم بأمان هي في واقعها قرار بالعفو عن المتمردين, والنص يشير إلى أن بابل ستستعيد قوتها وقدسيتها لتصبح مركزا تهابه المدن المجاورة وترسل لها الضرائب والعطايا والنذور:( 29 ) وإن تجعل كل واحد من حكام المدن يجلب جباية باهضة إلى شوانا والمعابد التي سمحت بتخريبها عسى أن ترتفع قممها عاليا مثل الشمس المشرقة وعسى أن يأتي دجلة والفرات بمياه الفيض وأن يأتي كل واحد من حكام المدن بهبته إلى خازن معبد "أي-ساكيلا" وبابل والنص يشير بوضوح لإعادة إعمار المعابد التي خربت ،فقدسية المدينة ومنعتها نابعة من قوة المعبد وقوة آلهته وتميز بنائه وعلوه ، ويبدو أن الأمكنة المقدسة لايخلو منها مكان أو زمان ، وبهذا الصدد يقول الأب د. يوسف حبي (30 ) : لذا كانت" الامكنة المقدسة"معروفة وقائمة في جميع المعتقدات والأديان وفي سائر الأمكنة والأزمنة , ولدى كل الأقوام والشعوب ، لم تشذ في ذلك ديانات التوحيد مع تأكيدها لاسيما المسيحية على العمق الروحي والباطني للمكان والقدسية. سيكون من الضروري التعرف على الفردوس في البنية الاسطورية القديمة ، بوصفها مكانا مقدسا ،ففي إسطورة "أنكي وننخرساك" نرى أن جنة عدن هي دلمون ( أرض البحرين) حاليا هذه الجنة كما يكشف عنها النص مكان ترسمه المخيلة الخلاقة للأديب الرافديني بزمن يكاد أن يكون مطلقا ليس فيه موت ولا آلام ولا افتراس ولا كبر في السن أو هو مكان فيه علاقات مثالية غريبة عن عالمنا الذي نعيش فيه (31 ) :- في دلمون لا ينعق الغراب الأسود ولا يصيح طير " اتدﱡو" ولا يصرخ. ولا يفترس الأسد ، والذئب لا يفترس الحمل. ولم يعرفوا الكلب المتوحش الذي يفترس الجدي (.... )، ولم توجد الأرملة (.... ) والحمامة لا تحني رأسها وما من أرمد يتشكى ويقول "عيني مريضة " ولا مصدوع يقول "في رأسي مرض الصداع " وعجوز" دلمون" لا تقول أنا عجوز ولا يقول الشيخ " أنا شيخ طاعن في السن" والعذراء لا تستحم ، ولا يصب الماء الرائق في المدينة ومن عبر نهر(الموت؟) لا يتفوه ويقول ... والكهنة النائحون لايحومون حوله والمنشد لا يعول بالرثاء، وفي طرف المدينة،لا ينوح أو يندب إن الأديب العراقي القديم يحلم بفردوس أو مكان عجائبي , ليس فيه أحزان. الكل أحياء ولا تبدو عليهم آثار الزمن , أي إن الزمن لا يعمل , وهذا المكان يتصوره الأديب العراقي يقع بعد عبور نهر الموت ، الإنسان فيه حي لذا لا ينوح عليه الكهان ولا المنشدون ، إن الفردوس المرسوم هنا مكان طاهر ومقدس ، يجب أن يكون نظيفا ومشرقا ومياهه عذبة ومزارعه ُ وحقوله تنتج القمح والغلة، وهنا نلمح مفارقة غريبة فالزمن يعمل فقط على ما هو نباتي ،والا فكيف ينمو النبات وينضج بدون الزمن (32 ) : الأرض ( دلمون ) هي الموطن الطاهر الأرض (دلمون ) هي المحل النظيف (....) الأرض( دلمون ) هي الأرض المشرقة (....) (دلمون) تشرب ماء الرخاء آبارها ذات الماء المر، أنظر تراها وقد أصبحت مياهها عذبة حقولها ومزارعها أنتجت الغلة والقمح ، مدينتها ، أنظر تراها وقد أصبحت دار للشواطئ ومراسي الأرض. قد تكون لحظات الخوف واليأس من المجهول هي التي تجعل الخطاب القديم يبدع هكذا نصوص ، وربما فقدان الأمان ووجود الظلم واللاعدالة تجعل الأديب ينكفئ للداخل ويمني نفسه بوجود فردوس بعيد ، ولكن في الحالات التي تكون فيها العدالة والاحترام والقانون هي من يسير المجتمع ، نرى أن الخطاب يتحول إلى اتجاه آخر حيث تصبح المدينة هي الفردوس، أي إن الفردوس تكون موجودة هنا ولم تعد هناك وتتحول بموجب هذه الرؤية هكذا مدن أو بلدان إلى فراديس ولا يتوانى الأديب من خلع تاج العظمة عليها أي على بلاده (33 ) : يا(سومر)، أيها البلد العظيم يا أعظم بلد في العالم لقد غمرتك الأضواء المستديمة والناس من مشرق الشمس إلى مغربها هم طوع شرائعك المقدسة إن شرائعك سامية لايمكن ادراكها وقلبك عميق لايمكن سبر أغواره أي يا دار سومر إن النص أعلاه يمثل لحظة عشق بين أديب وبلاده، هي لحظة وجد صوفية يعيشها الأديب ويتصورها بكل صدق فالمدينة تسبح بالنور، والحياة جميلة والشرائع عادلة وسامية ،أما قلب المدينة فهو عميق ومترع بالحب لأبنائها ، ولكن على العكس من ذلك نجد مدينة "أوروك" في ملحمة جلجامش تؤرخ لمرحلة كئيبة كان يعيشها الأديب العراقي ، فالنص يكشف لنا بانتقال المدينة إلى مستوى حضاري آخر ، أو هو تدشين لنظام ثقافي آخر ، حيث نجد جلجامش بطل مريع ، فهو لم يعد السور والحمى بل صار آلها ظالما وصلت مظالمه إلى مسامع مجمع الآلهة (34 ) : جعل الآلهة العظام صورة جلجامش تامة كاملة كان طوله أحد عشر ذراعا وعرض صدره تسعة أشبار ثلثان منه إله ، وثلثه الباقي بشر وهيئة جسمه لا نظير لها وفتك سلاحه لا يصده شيء وعلى ضربات الطبل تستيقظ رعيته لازم أبطال" اوروك" حجراتهم متذمرين شاكين : لم يترك جلجامش ابنا لأبيه ولم تنقطع مظالمه عن الناس ليل نهار ولكن جلجامش هو راعي "اوروك"، السور والحمى انه راعينا، قوي وجميل وحكيم لم يترك جلجامش عذراء لحبيبها ولا خطيبة البطل وأخيرا سمع الآلهة شكواهم إن الأديب العراقي في هذا النص العظيم يرسم صورة عجائبية للبطل جلجامش من الناحية الجسدية ويخصه بصفات إلهية وبشرية، ولكننا لا نقدر أن نخفي إعجابنا بتهكميته البارعة (أعني كاتب الملحمة) التي وصلت إلى حد السخرية من الآلهة نفسها التي خلقت هذا البطل العجيب ، أو عن جدوى خلقه، إن النص يصور لنا أوروك عبارة عن ثكنة عسكرية ، فالناس ينامون ويستيقظون على قرع الطبول ، طبول الحرب التي يقرعها رجاله مما جعل الرعية يعيشون في إنذار دائم هذا الإنذار الذي لم ينجو منه لا الرجال ولا النساء، ولا العذراء ولا المتزوجة، ولا الإبن الوحيد ولا الأبناء العشرة ، بالاضافة إلى المظالم الوفيرة التي كان يغدق بها على رعيته ليل نهار، إن الكاتب المبدع يجد في تصوير أوروك بوصفها جحيما أرضيا لا يطاق ، ولا يمكن العيش فيه ، إن النص يريد أن يقول لنا ما فائدة الراعي جلجامش حتى لو كان جميلا وحكيما وقويا إذا كان مهتما بنفسه ومغامراته فقط ، وأيّ سور ٍ وأيّ حمى إذا كان يعيش خلف هذه الأسوار الناس عبيدا وجنودا إلى ما شاء الله، إن مأساة أوروك يجمعها الأديب العراقي القديم ويبثها في هذا البيت العظيم (35 ) : هو راعيهم ولكنه يضطهدهم , وهو قوي وجميل وحكيم والبيت أعلاه يكشف عن تحول في البنية الذهنية العراقية ، حيث اننا نلمح تحولات مهمة خصوصا في الجانب السياسي ، فالآلهة عشتار يتقلص نفوذها ويبدو أن " شمش " بوصفه آلهاً هو الذي يقدر الأمور في أوروك ، فاذا كان الجميع في خدمة بعضهم البعض في زمن عشتار، فإن أوروك الحالية تغير وضعها السياسي حيث يحتاج الوضع إلى أن يكون الجميع في خدمة الواحد الفرد ، لذا فلا نستغرب أن يضج الناس ، فالحالة بالنسبة لهم جديدة وغير مألوفة ، حيث إن النخبة الواعية وبالأخص الكتبة كان يعز عليهم أن يجدوا أوروك عبارة عن حظيرة وهم عبارة عن ماشية ، يـُعلفون ويـُسمنون ويقدمون نذرا بشرية على مذبح العنف للإله " شمش "وممثله جلجامش ،لذا فالأديب العراقي القديم كان يصف الحالة وصفا دقيقا لحد التفاصيل ولكنه لم يفسرها لأنه ليس من واجبه تفسيرها بل التفسير والتاويل هي من مهمة القارئ . ولو عدنا للبيت المذكور سابقا نجد هنالك تكنيكا متطورا استخدمه الأديب على مستوى بناء الجملة لكي يوصل لنا ما يريد قوله ، حيث جمع بين الملك والرعية في بيت واحد لكنه أفرد له صفات متناقضة، فهو الراعي والمضطهـِد (بكسر الهاء) والقوي والجميل والحكيم ، فالملك في هذه الجملة هو كل هذه الصفات والعناوين ، أما الرعية التي يقع عليها الفعل فهي مغيبة ومهمشة ولا يشار اليها إلا من خلال الضمير المنفصل ( هم) ، وهو مندرس وملحق بملفوظ الراعي /هو راعيهم/ وبملفوظ (يضطهدهم ) ولا شك أن هذا الاستخدام المبدع للغة قلما نجده حتى في نصوصنا المعاصرة ، وهنا لابد من الإشارة الى أن الأديب يتخفى وراء جمله ويستخدم جلجامش بوصفه قناعا بصوره ذكية ومبدعة . الرحلات المكانية المقدسة تكتسب الرحلات بين الأمكنة المقدسة أهمية كبيرة ، وخصوصا الرحلات التي يقوم بها الآلهة او الأبطال أو الملوك ، ومن يقرأ النصوص القديمة تطالعه ُ الكثير من هذه الرحلات ، وتكاد تكون هي السمة البارزة فيها ويبدو أن هذه الرحلات تحصل نتيجة طلب أو أمر من الإله ، فرحلة ابراهيم (ع ) حصلت نتيجة لأمر إلهي، ففي الفصل الثاني عشر من سفر التكوين ،نقرأ أن إبراهيم (ع ) يتسلم دعوته من الكلمات العبرية "ليخ لخا " "Lekh L' kha"" وتعني حرفيا "إذهب لأجل نفسك" "go for your self" (36 ) ، ويبدو من النصوص القديمة أن هذه الرحلات من مستلزمات تأسيس وتدعيم الأنظمة الثقافية والدينية الجديدة ، فمنها ما تحاول أن تجلب تقديس خارجي أو اعتراف خارجي من مكان معترف بقدسيته وإسباغ هذه القدسية على المكان الذي ينشأ فيه النظام الجديد ويتم الحصول على هذا الاعتراف أما بصورة الإقناع والترضية أو باستخدام الخديعة وهذا هو النوع الأول من الرحلات ، أما النوع الثاني ففيه يحاول النظام الجديد استخدام القوة لفرض قدسيته على المدن المجاورة أو المراكز القدسية الأخرى حيث يتم تخريب النظام القديم واستحياء معابده وآلهته مما يفرد له قدسيه دموية وطاغية على الجميع. من الأمثلة المهمة على النوع الأول من الرحلات هي رحلة إله القمر( ننا-سين) إلى مدينة نفـّر وهي محاولة منه للحصول على اعتراف لمدينة اور من مكان آخر معترف بقدسيته(37) : إلى مدينة أمه، عقد البطل "ننا-سين" العزم على الذهاب إلى مدينة أمه، عقد "سين" "أشمببار" "ashimbabbar" العزم على الذهاب إلى مدينة أمه والى مدينة أبيه عقد "ننا سين" العزم على الذهاب إلى "أنليل" والى "ننليل" إن هذه الرحلة رحلة نهرية ،طابعها الاسترضاء والاقناع , حيث نجد أن إله القمر بصفته إبنا للإلهين "أنليل" و "ننليل" فأنه يحاول استرضاءهما وذلك عن طريق جلب الهدايا والعطايا التي تتضمن نباتات وحيوانات وأطعمة وأشربة إليهما(38): في مرسى اللازورد , مرسى "أنليل" صفّ "ننا-سين" سفينته في المرسى الأبيض، مرسى "أنليل" صف "أشمببار" سفينته ثم قال مخاطبا بواب "أنليل" إفتحْ البيت أيها البواب ,إفتحْ البيت إفتح البيت يا "كلكل" "kal kal" إفتح البيت وبعد أن يفتح الباب وتفرغ حمولة السفينة ,يلتقي إله القمر "سين" بأبيه الإله "أنليل" ,حيث يسر الأب بابنه ويطريه بعبارات تفيض عطفا وحنانا، وأخيراً تنتهي الرحلة بطلب "سين" بركات أبيه قائلا (39):- أعطني من فيضك إني ذاهب إلى اور في النهر اعطني مزيدا من الأسماك إني ذاهب إلى اور في الأحراش اعطني القصب اليابس والأخضر إني ذاهب إلى اور في البساتين والحدائق اعطني العسل والخمر إني ذاهب إلى اور في الهضاب اعطني أشجار الطرفاء إني ذاهب إلى اور في الغابات اعطني نعاجا جبلية ونعاجا وحشية إني ذاهب إلى اور وفي القصر اعطني عمراً طويلاً إني ذاهب إلى اور ويمكن أن ندرج رحلة الإله "أنكي" إلى "نفر" بوصفها نموذجا ثانيا على هذا النوع من الرحلات، وفيها أقام "أنكي" وليمة كبرى على شرف "أنليل" وبقية الآلهة الأخرى عند وصوله الى مدينة "نفر" , وحصل "أنكي" على مباركة من "أنليل" له ولمدينته "أريدو" ومعبدها "آبسو"(40) وهي رحلة نهرية أيضاً. وإذا فشل اسلوب الاقناع والعطايا ، فهنالك اسلوب آخر للحصول على التقديس والمباركة وهو أسلوب الخديعة , وهذا ما حصل في رحلة "أنانا" الى مدينة "أريدو" في إسطورة "أنكي" و "أنانا"، وهي رحلة نهرية استطاعت فيها "أنانا" أن تنتزع من مضيفها "أنكي" (في لحظة شرب ونشوة) كل ما في حوزته من فنون الحضارة أو النواميس الإلهية لشؤون الحضارة وبالتالي استطاعت أن تهمش مدينة "أريدو" وأن تنقل هذه السلطات الى مدينتها "أوروك" ,بالرغم من محاولات "أنكي" لاسترجاع سلطاته عندما أفاق من سكرته إلا أنه فشل في استرجاعها (41). ومهما تحاول الإسطورة أن تصرح به، فإن الخديعة هي مرحلة وسطى في الحصول على التقديس والسلطات بين طريقين هما طريق الاسترضاء والاقناع وطريق القوة , ويبدو أن المدينتين "أريدو" و "أوروك" كانتا متنافستين في حالة صراع سلمي للفوز بالسلطات وبالتالي التمركز الديني , وقد حصل تمركز "أوروك" وتقبلته "أريدو" على مضض ويبدو أن الحالة في واقعها تعبر عن وجود قانون يتحكم بالعملية برمتها ,هو قانون نشوء المدن ومن ثم نموها ونضجها لتصل أعلى المراحل ومن ثم يبدأ العد التنازلي عندما يصيبها الوهن والانحلال ومن ثم الموت , هذا القانون يصح ليس على المدن وحسب بل على الحضارات الكبرى , وهو لا يزال يعمل لحد الآن . أما النوع الثاني من الرحلات فخير مثال عليه هي رحلة "جلجامش" و "أنكيدو" الى غابة الأرز ولأهمية هذه الرحلة سنتناولها بشيء من التفصيل . يشير د. طه باقر في ترجمته للملحمة الى أن مقدمة اللوح الثالث مخرومة لذلك يقول: لا سبيل لمعرفة الدوافع التي دفعت البطلين إلى ركوب هذه المغامرة , ولكن يبدو من القصص الأخرى التي تدور حول "جلجامش", إن الباعث كان لتحقيق أعمال البطولة . وفي قصة سومرية من قصص "جلجامش" نجد هذا البطل يقصد غابة الأرز ليضع اسمه في سجل الآلهة والأبطال الخالدين ، ولعل الذي جعل "جلجامش" ان يشرع في سفره البعيد هذا هو أنه أراد أن يرفـّه عن صديقه "أنكيدو" ، الذي سأم حياة الحضارة وحنّ إلى حياته الأولى في البراري والقفار.42وحتى نتعرف على مغزى الرحلة لا بد أن ننظر إليها بصفتها حدثا مقدسا وليس حدثا عاديا ، وهذا يعني أن مبدع النص وضع الرحلة ودسّها في المتن(أي متن النص) لتتفق ضمن موجبات مهيمنة وأصيلة تصاحب أي نص عظيم لاستكمال بنائه الاسطوري وبالتالي إظهار هدفه الديني المقدس ، وهذا يعني أن الرحلة ليست مغامرة من أجل المغامرة ، أو غرضها ترفيهي (لترفيه "أنكيدو" مثلا) ، بل هي واجب ديني مقدس كان يجب أن يقوم به "جلجامش" ، لأن "شمش" هو من أراد ذلك ، وهذا يبدو واضحا من مخاطبة "ننسون" للآله "شمش" قائلة (43): علام أعطيت ولدي "جلجامش" قلبا مضطربا لا يستقر؟ والآن حثثته فأعتزم سفرا بعيدا إلى موطن "خمبابا" سيلاقي نزالا لا يعرف عاقبته وسيسير في درب لا يعرف مسالكه فإلى أن يذهب ويعود وحتى يبلغ غابة الأرز ويقتل "خمبابا" المارد ويمحو من على الأرض كل شر تمقته عسى عروسك "آي" أن تذكرك في اليوم الذي ترجعه فيه إذن فإن الإله "شمش" هو من أعطى "جلجامش" قلبا مضطربا ,وهو الذي حثه على السفر , وهو الذي سيحميه ويساعده في القضاء على الشر الموجود في الغابة، والشر هذا ممثل بالمارد "خمبابا" و "شمش" يمقته. إذن غابة الأرز مكان مقًدس منافس "لأوروك"، يمتاز بقوته ومنعته، فله مدخل غريب ومتميز يشي بقدسيته(44). :- (وكان مدخلا عجيباً بهرهما مشهده، إنهما لم يصلا بعد إلى الغابة ولكن أشجار الأرز في المدخل كان منظرها عجيبا، فكان علوها اثنين وسبعين ذراعا وعرض المدخل أربع وعشرين ذراعاً.) إن هندسية المدخل وغرابته وعلوه تبهر الناظر من بعيد أي قبل أن يصل إليه، إن المدخل والباب وبالتالي الوصيد (العتبة) لهم وظائف طقسية محددة فالباب الذي يفضي إلى الداخل يشكل حلاً للاستمرارية والوصيد ( العتبة) الذي يفصل بين المكانين إنما يشير في الوقت نفسه إلى المسافة بين النمطين من الوجود الديني والدنيوي، والوصيد هو في آن واحد الحد الذي يميز العالمين ويضاد بينهما، والمكان المتناقض الذي يتصل فيه هذان العالمان، حيث يمكن فيه العبور من العالم الدنيوي الى العالم القدسي(45) . ويرافق اجتياز الوصيد إليه كثير من الطقوس كأن تبذل له مظاهر الاحترام أي يسجد له أو يلمس باليد في خشوع، وللوصيد حراسه ُ من الآلهة أو الأرواح تحمي مدخله من عدوان الناس كما تصد عنه القوى الشيطانية والوبائية (46) .، ونجد عند باب غابة الأرز عفريتا عيّنه "خمبابا" (47) .:- (ووجدا عنده عفريتا عينه "خمبابا" ليحرسه، فشجع "انكيدو" صديقه "جلجامش" أن يتقدم ليأسرا الحارس قبل أن يأخذ عدة سلاحه فتشجع جلجامش وأسرع الصديقان وهجما عليه وقتلاه ليس هذا فقط بل إن باب غابة الأرز , كان مسحوراً وتسيطر عليه قوى خارقة, ومن يتطاول عيه أو يحاول اختراقه ستصيبه هذه القوى بالشلل :(48) (ولكن لما أراد "انكيدو" الدخول الى الغابة من بابها شـُلـّت قواه بتأثير الباب المسحور). يحدثنا د. فاضل عبد الواحد عن بوابة عشتار(49) ,وهي إحدى بوابات العاصمة بابل وهي البوابة الشمالية الغربية ,وهي ذات أهميه دينية مقدسة لسكانها لأنها كانت المكان الذي تنطلق منه مواكب الاحتفالات بمناسبة رأس السنة وهي تمر في شارع الموكب لتعرج بعد ذلك إلى قطاع معبد "مردوخ" , والبوابة حاليا موجودة في متحف "برلين" حيث سرقتها البعثة الألمانية في عام 1899 بعد أن قطـّعتها الى قطع وشحنتها في صناديق إلى "برلين". وإذا رجعنا الى غابة الأرز نجد أن العفريت "خمبابا" هو الذي يحرسها ,والعفريت "خمبابا" هو امتداد للعفاريت والغولات التي تسكن الأماكن الرجراجة والمائعة . وهو امتداد للوحش "كنكو" في ملحمة أسطورة الخليقة "اينوما ايليش" لذا فهو يتمتع بقوى خارقة ومواصفات غير عادية:- أما "خمبابا" فزمجرته مثل عباب الطوفان وتنبعث من فمه شواظ النيران , ونفسه الموت الزؤام فعلام رغبت في تحقيق هذا الأمر فلا أحد يستطيع الصمود إزاء "خمبابا" في موطنه والكلام المذكور هو تحذير من شيوخ "اوروك" "لجلجامش" من "خمبابا" وسطوته, ليس هذا فقط بل إن "خمبابا" قد عـُيّن من قبل الإله أنليل ليحرس الغابة وهذا يعني أنه يؤدي عملا مقدسا للإله "أنليل"(50): (ولحفظ غابة الأرز عينه "أنليل" ,وجعل هيئته تبعث الرعب في البشر.) هذا يعني أن شيوخ "أوروك" في قرارة أنفسهم غير راضين عن مغامرات "جلجامش" وإلهه "شمش" ,ولابد أن هنالك أسباباً تجعلهم غير محبذين لهذه الرحلة ,التي تبدو وكأن ليس لمدينة "اوروك" وأهلها مصلحة فيها , ولكن يبدو أنهم كانوا ضعفاء لدرجة كبيرة وأنهم في موقف الذي ليس له رأي ولا إرادة وما عليهم سوى الموافقة ومباركة "جلجامش" على مغامراته المتهورة، وبالرغم من أن "جلجامش" كان قد فرض عليهم أن يوافقوا على رحلته تلك عند الاجتماع بهم , إلاّ أنهم عندما صاروا أمام الأمر الواقع صرحوا إليه بأنهم إذا كانوا قد أطاعوه على رحلته هذه فإنه يجب أن يستمع الى نصائحهم ومشورتهم (51) : (أيها الملك كنا نطيعك في مجلس الشورى فاستمع إلينا وخذ بمشورتنا أيها الملك: لا تتكل على قوتك وحدها يا "جلجامش" دعه (أي "انكيدو") يتقدم في الطريق وابق َِعلى نفسك دع ("انكيدو") يسير أمامك فأنه يعرف الطريق وقد سلكه إنه يعرف الطريق إلى غابة "الأرز", وقد خبر القتال والنزال وإن من يسير في الطليعة يحمي صاحبه فدعه يتقدم وابق ِعلى نفسك وعسى "شمش" أن ينصرك إن الضعف والرياء الذي كان يتمتع به شيوخ "اوروك" كان واضحا ,ففي الوقت الذي كانوا لا يحبذون الرحلة وأُجبروا في أن يوافقوا عليها ,نراهم يقدمون نصائح و مشورات مريبة ,من مثل دع ("انكيدو") في المقدمة ولا تتكل على قوتك ولابد أنهم في قرارة أنفسهم يتمنون أن يقتل "جلجامش" ويتخلصوا منه ومن شروره . مغزى حفر الآبار في الملحمة في رحلة "جلجامش" نحو غابة "الأرز" كان يتوقف في محطات معينه ويحفر بئرا للإله "شمش":(52) وقطعا مدى سفر شهر ونصف الشهر في ثلاثة أيام وحفرا بئرا تقربا للإله "شمش" وكذلك عندما دخلا الغابة , ووصلا قرب جبل "أرز" خاص بالإله قام "جلجامش" بحفر بئر آخر(53) :- (وشاهدا من بين ما شاهداه جبل "أرز" خاص بالإله حيث أقيم عرش الإله "ارنيني" عشتار. وحيث تتعالى أشجار الأرز وسحر جمالها تتبعا المسالك التي يسير فيها عفريت الغابة "خمبابا" وعند مغرب الشمس حفر بئرا وقرب منها، وارتقى الجبل وسكب الماء المقدس وقرب الطعام ودعا الجبل أن يريه حلماً يبشره بالخير.) إذا كان عدد الآبار التي حفرها جلجامش بئرين ,فإننا في واقع الحال لا نعرف عددها بالضبط لان النص مخروم في أجزاء كثيرة منه ,كما أن الترجمة النصية للملحمة قد حدثت بتصرف(54), ولكن لابد من معرفة المغزى الديني لحفر هذه الآبار ,إن البئر هو الضريب المعاكس للعمود ,فإذا كان العمود محاولة من الإنسان للاتصال بالمتعالي, فإن البئر هو محاولة للاتصال بالعماء حيث الماء الخالص فقط ,العمود هو رمز الذكورة , والبئر هو رمز الأنوثة ,فالاتصال بالسماء عن طريق العمود عمل مقدس يقارب الصلاة , وكذلك فإن الاتصال بالعماء هو عمل مقدس يقارب الجنس والبئر وسيلته ,ولاشك فإن الصلاة والجنس كلاهما عملان مقدسان يعمد اليهما الانسان القديم ,إن عملية حفر البئر في نص الملحمة لها عدة وظائف مختلفة ,وهذه الوظائف منها ما هو مكاني وما هو زماني وما هو رمزي , فالوظيفة المكانية لحفر البئر هي لإلغاء التجانس المكاني ,ومن ثم إضفاء شيئا من القدسية على المكان الذي حفر به البئر ,وهو نواة لما يسمى بالمقام والذي يدلل على مرور إحدى الشخصيات المقدسة والمهمة في هذا المكان كذلك فإن حفر البئر يساهم في تعليم الطريق (من العلامة) وتأشيره بصفته طريقاً مقدسا (أي طريق الرحلة) ومن ثم تطويبه ومباركته، إن سكب الماء والسباحة فيه هو محاولة للامساك بلحظة خلق الكون ,وربما تظاهي هذه اللحظة لحظة خلق جديدة ,البئر هو مثال لمياه العمق أو العماء أو "الآبسو" البابلي في ملحمة الخليقة ,وحفر البئر هو إعادة خلق "تيامات" غولة البحر, ومن ثم محاولة تجديد العنف والذي يجب ان يتوجه في الملحمة إلى "خمبابا" وقتله لأنه صنو للوحش "كنكو" الذي كان قائداً لقوات "تيامات" وفي يديه ألواح القدر(55) ,كذلك نجد أن البئر يرمز لمعاناة جلجامش وخوفه مما ينتظره في غابة الأرز ,أما الوظيفة الرمزية لحفر البئر هي برأينا ان هذه العملية (أي حفر البئر) والتقرب إليه تشاكل عملية الممارسة الجنسية التي يبدو أن "جلجامش" كان راغبا فيها بوصفها عملا مقدسا مشابها لمضاجعة الإله الذكر للنساء المنذورات واللائي يعملن في معبد الإله "شمش" ,وهي محاولة منه لتكريس النظام الجديد الذي يكون فيه الذكر بوصفه إلهاً هو السائد ,وإن ممارسته الجنس مع بغايا المعبد المقدسات هو تكريس لهذا النظام ,أي استبدال الكاهنات ممن يمثلن الإله عشتار بالكاهن الذكر ,إن هذه البنية الإسطورية والتي انتقلت في كافة الاتجاهات قد تساعدنا في معرفة السبب الذي تم فيه تفسير حفر البئر في الحلم بأنه زواج من امرأة في البيئة الميثية الإسلامية. (56) الهوامش والمصادر 1 - علم اللغة العام - فردينان دي سوسور- ترجمة : د. يوئيل يوسف عزيز,دار آفاق عربية-ص 96 2- م .ن ص 86 3- المقاربة التداولية -فرانسواز أرمينكو - تر:د. سعيد علوش ص 19 4- الكتابة والاختلاف -جاك دريدا .تر :كاظم جهاد .ص104, حيث يقول جاك دريدا حول الكتابة :إن مفهوم الكتابة ,وقد كف عن الدلالة على شكل خاص متفرع وثانوي,من أشكال اللغة بعامة وقد كف أيضا عن الادلال على قشرة خارجية أو قرين مجرد من القوام لدال أكبر ,دال الدال significant du signifiaut 5- م .ن ص 104 6- م.ن ص 107 7- م .ن ص 110 8- م .ن ص 109 9- م.ن ص 110 10- محاولة في أصل اللغات -جان جاك روسو، تر. محمد محجوب . دار آفاق بغداد ص33. 11- م .ن ص35 12- م .ن ص85 13- الفلق (1) 14- المقدس والدنيوي -مرسيا الياد - تر: نهاد خياطة.23 15- م .ن ص 24 16- م. ن ص 30 17- م.ن ص 25 18- م. ن ص 24 19- م.ن ص 24 20- ملحمة -جلجامش - طه باقر -مطبعة الرابطة- بغداد-ص 38 21- المقدس والدنيوي -ص 32 22- ملحمة كلكامش -ص 33 23- سومر اسطورة وملحمة -د. فاضل عبد الواحد علي .دار الشؤون -بغداد-1997- ص 116 24- م. ن .ص 142 25- م.ن. ص 137 26- م. ن.ص 141 27- م.ن .ص 142 28- م. ن.ص 142 29- م. ن. ص 143 30- مجلة بين النهرين -العدد (97-100 )-1997 ص 21 31- م.ن.ص 24 32- م.ن.ص24 33-م.ن.ص 25 34- الملحمة -ص 25 35- الملحمة -ص 39 36-مجلة بين النهرين -العدد ( 103-104 ) - 1998- إبراهيم عبد الله ,جوناثان ماكونيت ,تر :الأب حبيب هرفر النوفلي ص173 37- سومر اسطورة وملحمة ص 97 38- م. ن.ص ص98 39- م. ن. ص99 40- م. ن.ص 196 41- م. ن. ص 100 42- الملحمة - ص 51 43- م. ن. ص57 44- م.ن -ص 58 45- المقدس والدنيوي -ص27 46- م . ن-ص27 47- الملحمة -ص 58 48- الملحمة -ص58 49- عشتار ومأساة تموز - د.فاضل عبد الواحد علي -دار الشؤون -1986 ص79 50- الملحمة -ص 53 51- الملحمة -ص 55 52- الملحمة -ص 58 53- الملحمة -ص 59 54- الملحمة -ص 58 أنظر الهامش 21 55- سومر اسطورة وملحمة . ص 124 56- تعطير الأنام في تعبير المنام -ج1-دار الحرية -ص 308