الرئيسية »  الـنــقـد»  نص "الطيور" للشاعر المصري أمل دنقل

نص "الطيور" للشاعر المصري أمل دنقل

عدد مرات المشاهدة :2690 - 16/ 6/ 2009

ذياب شاهين

نص "الطيور" للشاعر المصري أمل دنقل

  

تمهيد

نص "الطيور" للشاعر المصري الراحل" أمل دنقل" كان قد كتب في مرحلة عصيبة من حياته وهي مرحلة مرضه، حيث كتبه الشاعر في العام 1981 أي قبل وفاته التي حدثت في مايو1983 ومن هنا تتأتى أهمية النص بوصفه حالة إسقاطية أو مرآوية لما يحدث في عالم الطيور فيسقطه الشاعر أو يعكسه على عالمه ومن ثم عالم البشر، والنص مكتوب بطريقة شفافة وتكاد تكون صادقة فليس أمام إنسان يموت سوى الشفافية واليقينية المبدعة، إن طيور أمل دنقل وحسب ما سوف نفصله لاحقا كناية عن مصير الإنسان ورحلته الوجودية، ما يواجه الطيور يجانس ما يواجهه الإنسان، فالهجرة والتشرد أو حتى التدجين والقتل والسجن هي عوالم تعيشها الطيور ويعيشها الإنسان على السواء، وهو ما يلمح إليه النص بلغة شعرية شفيفة، إن شعرنة عالم الطيور بهذه اللغة المبدعة، وإسقاطها على عالم الشاعر،هو ما يلتقطه الشاعر أمل دنقل وهو ما سنبينه في قراءتنا لهذا النص.

المتن

النص على مستو التكنيك متكون من ثلاثة مقاطع مرقمة بالأرقام 1، 2، 3 على التوالي، المقطع الأول يتكون من جزأين، أما الثاني والثالث فهما ينطويان على جزء واحد لكل منهما، ولو بدأنا بالمقطع الأول(رقم 1)، سنقرأ عن طيور يسميها الشاعر "مشردة"، هذه الطيور المحلقة عاليا على شكل أسراب أو فرادى لا وطن لها وهي مندفعة بشكل غريزي إلى المجهول، إنها مشردة لا مكان لها على الأرض وبيوتها هناك في أعالي الرياح، حيث الرياح فراشا ودثارا، والرياح وطنا والصفير قرينا، إنها الطيور المهاجرة، حيث العلى والرحيل القصي، هنالك وإذ تلمحها عين الشاعر، تكون أنامله طقسا ويلهو على خافقيه المدى، إنها صورة للحراك البشري في، في كافة الأزمان والعصور، وهي لما تنزل الأرض لا للمكوث بل هي كالفرسان تترجل للاستراحة قليلا ليس إلا:-

الطيور مشردة في السموات ،
ليس لها أن تحط على الأرض،
ليس لها غير أن تتقاذفها فلوات الرياح
ربما تتنزلُ..
كي تستريح دقائق..

الطيور لا يمكنها أن تنزل أنى تشاء، بل هنالك أمكنة معينة هي ما يجب أن تقف وتستريح عليها، إن هذه الطيور تختار الأمكنة المرتفعة عن سطح الأرض لأنها الأكثر أمنا لها، لأن دقائق الاستراحة هذه قد تتحول إلى موت أكيد ، لذا فهي تقف على التماثيل أو فوق الأشجار أو على سطوح المباني:-

فوق النخيل-النجيل-التماثيل-
أعمدة الكهرباء-
حواف الشبابيك والمشربيات
والأسطح الخرسانية

إن نزول هذه الطيور يتوسله الشاعر، فهي بالرغم مما يثيره وجودها من شجن في نفسه من خلال جمال أشكالها وأصواتها، إلا أنها سوف لن تكون بمنجى عن الأشرار (القطط هنا)، إذن فإن نزولها مرغوب به ليس حبا بها ولكن هنالك من يستغلها لمآربه:-

( اهدأ ، ليلتقط القلب تنهيدة،
والفم العذب تغريدة
والقط الرزق..)

إن الشاعر وكأنه يغبط الطيور على ما هي فيه ،لكنه يستشعر الخوف الذي تعيشه الطيور المهاجرة وهي تنزل للاستراحة، فهي عندما تنزل عالم البشر فإنها تكون مرتعبة وتفزع من أية حركة غير عادية سواء كانت خفق حذاء أو حجر تطلقه كف طفل صغير أو حتى عندما يتحول الظل من حائط إلى آخر، فضلا عن تعالي الأصوات التي يسميها الشاعر "حصوات الصياح" :-

سرعان ما تتفزعُ ..
من نقلة الرجل،
من نبلة الطفل،
من ميلة الظل عبر الحوائط،
من حصوات الصياح!

في الجزء الثاني يلتفت الشاعر إلى نوع ثان من الطيور وهي الطيور الباقية في بلدانها ويصفها بالطيور المعلقة في السماء:-

الطيور معلقة في السماوات
ما بين أنسجة العنكبوت الفضائي: للريح
مرشوقة في امتداد السهام المضيئة
للشمس،

إن هذه الطيور والتي ليس لها القدرة على الهجرة هي طيور معلقة في سماء بلدانها، وكأنها ثريات تتلاعب بها الأنسجة العنكبوتية للريح وتتقافز من على أجسادها السهام المضيئة لأشعة الشمس، إن هذا النوع من الطيور كناية للناس التي لا تستطيع مغادرة أوطانها فهي لا تستطيع أن تعيش في وطن آخر، أما لضيق ذات اليد أو حبا في البقاء في وطنها الأم، ولكن مع ذلك فإن الشاعر يطالبها بالحركة والطيران :-

(رفرفْ..
فليس أمامك-
والبشر المستبيحون والمستباحون:صاحون-
ليس أمامك غير الفرار..
الفرار الذي يتجدد.كل صباح!)

إن المقطع أعلاه مكتوب بين قوسين وهو كمن يخاطب نفسه عندما وجد نفسه بين أناس ارتضت أن تكون مابين مستبيح ومستباح، إن الشاعر وجد أن لا طائل من مصير ليس له القدرة على تغييره ،وليس هنالك سوى الفرار ، وهو قرار يكاد يتجدد كل صباح.
على المستوى التقني نقرأ تشاكلا بين جزأي المقطع الأول، فهنالك وصف ثم استدراك،أي هنالك إخبار عن حالة ثم استدراك بصيغة المخاطب وهو متمثل في المقطعين الذين يبدءان بفعلي الأمر(اهدأ وكذلك رفرفْ)، ولكن كما أسلفنا فإن المقطع الأول يتكلم عن طيور مشردة (مهاجرة) ليس لها وطن أو لفظتها أوطانها وفي الجزء الثاني يتكلم عن طيور معلقة لا تبارح مكانها ولكنها تمارس لعبة مزرية بحق نفسها تتناوب فيها على دور الجلاد والضحية.
في المقطع الثاني نقرأ عن طيور من نوع آخر، وهي طيور لا تطير وليس لها القدرة على الطيران ،هذه الطيور هي الطيور الداجنة، وهي ليس لها قدرة على تغيير مصيرها، إذ إن مصيرها بيد الآخرين، وهي سعيدة على ماهي فيه، وراضية على أسرها بسعادة غامرة:-

والطيور التي أقعدتها مخالطة الناس،
مرت طمأنينة العيش فوق منا سرها..
فانتفخت،
وبأعينها.. فارتخت،
وارتضت أن تقاقئ حول الطعام المتاح

إن هذا النوع من الطيور هو كناية للبشر العبيد والذين ليس لهم القدرة على تغيير واقعهم، إن الشاعر أمل دنقل لم يعطهم اسما بل أعطاهم صفة تأتي بعد أداة وصل تصغيرا لهم، إن هذا النوع من الطيور أرتضى مخالطة الناس (كناية عن السادة والأقوياء) ‘وبالتالي ارتضوا ما يجود به عليهم هؤلاء الأقوياء، إذ إن منا سرها(مناقيرها) مطمئنة فلن تستخدمها في صيد الغذاء بل تستخدمها فقط في تناول الغذاء الذي يأتي إليها جاهزا وما عليها سوى أن تقاقئ حوله إلى أن يحين موعد ذبحها:-

مالذي يتبقى لها.. غير سكينة الذبح،
غير انتظار النهاية
إن اليد الآدمية..واهبة القمح
تعرف كيف تسن السلاح

إن هكذا نوع من الطيور ليس له وظيفة سوى أن يكون طعاما، هي طيور ليست كأي طيور، كما أن خير نهاية لها أن تموت ذبحاً، إذ إن اليد الآدمية التي تطش القمح لها كل يوم هي ذاته اليد التي ستمرر السكين على رقبتها ذات يوم، والشاعر أمل دنقل لا يريد للبشر بأية حال من الأحوال أن يكونوا من هذا النوع من الطيور، إذ إن الروح الشاعرة والمتوثبة فيه تقول له (رفرف)، فمكان الشاعر بين الأرض والسماء، أو كما يقول هايدغر في "البين بين".
في المقطع الثالث والأخير من هذا النص، يلخص الشاعر الدراما الوجودية للمخلوقات متمثلة بالطيور والتي هي قطعا تشاكل الدراما الإنسانية في تفاصيلها حيث يقول:-

الطيور..الطيور
تحتوي الأرض جثمانها..في السقوط الأخير!
والطيور التي لا تطير..
طوت الريش واستسلمت

إن ما يطلق عليه الشاعر بكل حب"الطيور..الطيور" في المقطع أعلاه، هي الطيور التي لا يأكلها أحد، ولن تكون بأي حال من الأحوال طعاما للآخرين، هي الطيور الحرة السعيدة بحريتها بالرغم مما تعانيه في تفاصيل حياتها، هي الطيور التي تموت في الفضاء وتسقط كمحارب شجاع في رحلتها الحياتية الأسطورية، هذه الطيور سترحب بها الأرض وتدفن كما يدفن الفرسان..وعلى عكسها هنالك الطيور التي لا تطير، فهذه طيور داجنة ومستسلمة ومذعنة وليس لها مكان لتدفن فيه بل هي ستصير طعاما للآخرين، إن الشاعر ليتساءل هنا عن هذا الاختلاف بين فصيلتين من الطيور حين يقول:-

هل ترى علمت
أن عمر الجناح قصيرٌ..قصيرْ؟!

إنه تساؤل وجودي عميق يطلقه أمل دنقل، وهو كناية عن قصر الحياة وتهافتها، ولما كانت الحياة قصيرة أليس الأجدى أن نعيش حياتنا بطريقة محترمة وغير مهينة، وما المانع إذا كان لكل طائر جناح:-

الجناح حياة
الجناح ردى
والجناح نجاة
والجناحُ..سدى!

إذن فالجناح يمثل مصيرا للطائر،وهو كناية لقدرة الإنسان وطموحه..فقد يكون هذا الجناح حياة كريمة أو لا يكون وقد يكون ميتة كريمة أو يكون ميتة حقيرة، قد يكون نجاة وقلوع نحو المجد، إذن فالجناح حسب أمل دنقل يمثل ثوبا(سدى) نلبسه وننزعه بأيدينا ..وكل سيختار الميتة تناسبه، مع الإقرار بحقيقة أنها قد لا تكون الميتة التي ستحدث فعلا.
في الأخير نقول إن هذا النص المرهف للشاعر أمل دنقل يعبر عن صراع الإنسان مع الحياة ،وإذا علمنا بأن الشاعر كان قد كتبه في أيام محنته ومرضه، فهو يحيل إلى رسالة يريد الشاعر إيصالها للمتلقي والقارئ في كل حين، وهي رسالة معبرة وتدل على روح شاعرة وشفافة تصارع الموت بكل نبل، إن الشاعر أمل دنقل كان طائرا معلقا ومرفرفا في سماء مصر عاش ومات فيها،إلا أن عمر جناحه قصير، فأورثه حياة بعد حياته ومكانة يستحقها.




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

هند في 08/ 10/ 2010
هند ًًََُ القصيدة من احد قصائد ديوان "أوراق الغرفة ثمانية " لأمل دنقل وكل قصائد الديوان تتحدث عن وحدة المصير,ووحدة الموجودات مثل قصيدة "زهور طيور خيول "
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: