الرئيسية »  الـنــقـد»  قصص عدنان المبارك (الطريق إلى اللا مكان)

قصص عدنان المبارك (الطريق إلى اللا مكان)

عدد مرات المشاهدة :858 - 05/ 6/ 2009

إسماعيل غزالي

قصص عدنان المبارك (الطريق إلى اللا مكان)

   

   

خدوش السّومري على زجاج المنفى  

- قال دون Donne إن لا أحد ينام في العربة حين تقله من الزنزانة الى المقصلة ، لكننا ننام جميعا من الولادة حتى القبر أوأننا لم نستيقظ حقا. وإحدى مهام الأدب العظيم إيقاظ الإنسان السائر صوب المقصلة. آرنستو ساباتو

لا يحتاج كاتب تخومي، طاعن في فضيلة الندرة، من طراز عدنان المبارك إلى تقديم، والحال أننا بصدد إحدى إشراقات كتابته القصصية الجديدة ( الطريق إلى اللامكان) فلا يمكن تلمس العتبات الممكنة للدخول في ما يستبطنه نسيجه الحكائي ويعلنه في آن إلا باستحضار أولي ، أكيد في مفتتح مشروع هذه القراءة - المفترضة - لرأسمال رمزيته الباذخة ولخرائطيته كرحّال وجوّاب لمهاوي الأنساق والأفاق ، مسكون بولع التيه خارج مسكن النظرية وتاريخ الفكرة وسماجة الإختزال ، منذور لشساعة الإمتداد والتعدد وملاذ اللاستقرار ، منخرط في جوانية الملغز ، ممعن في وله نداء الآتي ، منصت يقظ لما يعتمل في كينونة الغياب ، مقيم في خطر المجازفة وهو يهجّر تجاربه الإنسانية من داخل إلى خارج ومن خارج إلى داخل ، مترفا بجراحات الزمن السري للعاتم والمضيء ، يجهر بتصدعات لغة النسيان وهسيس الذاكرة ، سادرا في مفازات الجنون ، صديقا للهاوية ، وعرابا هرمسيا لصمت الهوامش ...
بميسم الإختلاف المرح ، والرهان على المفارقة الجمالية والوجودية ، يواصل عدنان المبارك دأبه الفسيفسائي ، موغلا بنا في سديم القصة القصيرة ، إلى المنطقة المنسية واللامسماة لممكنها ومستحيلها حيث يحفر بألق المهارة ودربة اليقظة الضفة الأكثر صعوبة وغرابة في سيرة هذا الجنس الأدبي الممهور بالشغب والهامشية في مملكة الأنواع. فهو يكتبها بيد خبرت الإجهاز بخوذة المحارب على اللحظات الأشد انفلاتا في فوضى اليومي وتعاقب عاداته وطقوسه المنقوعة بصوديوم الرتابة ، هي نفسها اليد الممرنة على دهشة التفاصيل التي تزج بالعناصر في قبعة الساحر، كي تؤول بلمسة الخزفيّ الأشوريّ إلى التماعات خلق مركب ، يدفع بمصائرها اللامتوقعة إلى الحدود القصوى من الإنكشاف والمغامرة وهي تتعرض لكرنفال من التحولات ، تنسجها بحذاقة متاهة الكتابة.
أهي القيامة ؟ أهي الأبدية ؟
سؤال غائر الفزع ومفتوح على قلق المتاهات ، تمهر به إحدى القصص المعنونة ب ( كسوف آخر للشمس) نهايتها الموهومة ، وهو سؤال يبقى رنينه متناسلا كوقع قطعة نقدية من المعدن أو كصرير باب من الفولاذ أو حشرجة لفرملة شاحنة على أهبة الإصطدام بكتلة صلبة. ويتفاقم الرنين في أفق قراءة أو نفق نصوص الكتاب بالأحرى ويحتد أكثر إلى أن ينكشف مع آخرعبارة في آخر قصة في صيغة سؤال ثان بنبرة مضاعفة في الإيلام والتيه ، يختتم بها الكتاب تجربته الموشومة : أين الطريق إلى اللامكان ؟ وهي عبارة دامغة مختارة بعناية فائقة ووجودها على حافة المغامرة السردية أو طرف الخيط الآخر ليس بالأمر الإعتباطي ولا محض مصادفة أو تلقائية وبراءة شهق بها دابر الكتاب كيفما اتفق.
وبين السؤالين الفادحين ، تتأرجح سيرة الكتابة المزمنة ، وتتباين أبعاد ممارستها الذهنية والتخييلية ، برؤية لاتنتصر للتجريد وحده ، بل تبلوره كعنصر محايث لواقعية الشخصية وغير منفصل تماتما عن الذاتي إذ ينتفتح عليه كموضوع وفضاء ويضفي عليه قيمته الإشكالية. والكتابة في الطريق إلى اللامكان شبيهة بالخدوش في زجاج المنفى ، أحدثها هذا السّومري الجديد - المولوع بالهامش والمستقبل - بقدر هائل من الخفة كي تتنفس رئة المعنى اللابد من ابتهاجه إلى حين ليروق مزاج القصة . القصة التي ما أن توهمنا بالدخول في أفقها الواضح إلا ومكرت بأفق انتظارنا نحن ، حيث لاتفضي تجربة محكيها إلى حيث تعودنا أن تنتهي بسلام أبله في تجارب آخرين عن كسل وإطمئنان ، بل تقحمنا في إهليلج عتبات وأنفاق وطرق غير سالكة ، وفي أفضل الأحوال تجعلنا عالقين بريق ناشف في شبكة غربال اللاقصة ، نكاية بلهاثنا وراء خيط ممكنها ، بينما هي مستغرقة في اجتراح غيابها ونسيانها ومستحيلها.
تنزلق بك قصص ( الطريق إلى اللامكان ) ، شأن قصص عدنان المبارك الأخرى، في رشاقة من يمشي بمهارة على أطراف أنامله إلى حقول مجاورة ، فتتدرج من أقصى الواقعي إلى أقصى الخيالي ، ودون أن تعي بأنك نسيت القصة يمضي بك دائما في هاوية التاريخ والأسطورة والأنثروبولوجيا والفيزياء وهندسة الفضاء ووو... الخ وفي لحظة ساحرة يعود بك إلى حيث تمفصل خيط المحكي أي مشروع القصة التي لم تفصح عن هويتها بعد ، ويتركك رهين تناقضاتها الحرّى ، حيث أن استيفاء شروط وضوحها الممتنع لايمكن أن يتم إلى عبر قوة تعددها وتشظيها لعدم قابليتها الرضوخ ببلادة لأحادية المعنى ، فيتواطؤ معك عند منتصف طريقها و يورطك في لعبة أسئلة وفرضيات تقحمك رغما عنك في تدبير احتمالات مشروع نهايتها المفتوحة...
في قصص( الطريق إلى اللامكان ) امتداد ظلال وارفة لنصوص كبرى ، يستضيف برقها ولمحها وإشاراتها بقدر سائغ من التناغم الذي يجعلها تنخرط في أفق مغاير داخل منجزه النصي ، مستمزجا أثرها لصالح مساءلة غير معنية بقصدية تأريخانية ما وإنما لتخصيب فضاء الإواليات وإثراء الحاجة إلى تسليط أكثر من ضوء كاشف على الأنساق المجاورة لخطابه وهو يمارس فعلا مزدوجا بالغ الخصوصية ، فهو يكتب من داخل قراءته ، ويقرأ من داخل كتابته ( وهنا لابد من الإشارة الطبيعية إلى عمل الكاتب الأرجنتيني بورخيس ) ، وهذا التسكع والتنزه في الذاكرات والتجارب والنصوص الكونية لايتم من منطلق النسخ ، بل من مبدأ التأملات الموسوعية التي تفضي به إلى استغوار فكرته هو حول ذاته وحول العالم. إنه القلق الجامح الذي لايرتكن إلى حماقة المطلق وبلاهة اليقين ، إنها الكتابة الإستثنائية المحتكمة إلى الشكية ، تجترج التواءاتها وتهندس متاهاتها عن سبق تخييل ضالع في الفانتازيا ، تشهر ألاعيبها الجميلة في سديم حلمي ليس بالضرورة نقيضا للواقعي.
وفي مجاورة القصة للفكر، أو مجاورة الفكر للقصة عند عدنان المبارك ، لايتعلق الأمر بملاحقة يقوم بها النص الأدبي للفكر أو العكس ولا أيضا مصاحبة بين الإثنين كما سيحاول أي نقد أن يكون عادلا في المسألة ، بل إن الوصف الدقيق لهذه العلاقة المحكومة بالمفارقة والإئتلاف في آن ، هي أن الأمر يتحقق تماما كما شاطئ فيه يلتقي البحر باليابسة وفيه يفترقان في آن ، وهذا الملتقى والمفترق في آن هو ما تجسده خصوصية الكتابة القصصية عند عدنان المبارك بامتياز. فجرعة المعرفة في كتاب ( الطريق إلى اللامكان) لا تتقدم كبهرجة أو فلكلور ولا تجثم على أنفاس النص وامتداده ومرحه بل هي تدخل في سيرورة فعل تحقق نصيته ، وبناء على ذلك فالقصة القصيرة في ( الطريق إلى اللامكان ) غير معنية بوهم إنتاج المعرفة ولا تدعيه أو لايدخل في صلب زعمها بل هي ممارسة فضائية وزمانية وشخوصية تسبغ المعنى على أحوال الكينونة وإنشطار الذات وتناقض السلوك الإنساني وهنا تكمن قوة إفلاتها من السقوط في شرك الصرامة المنطقية وانتهاك جوهرأدبية النص وشعريته وروح اللعب فيه ، بغطرسة من النظرة الترندنستالية والثقافة العالمة ، بل إنها أكثر من ذلك كتابة تحول المعرفة إلى احتفال دائم كما يقول رولان بارث.
لايمكن تصور أي قراءة ممكنة لقصص ( الطريق إلى اللامكان ) كما ألمعت إلى ذلك سابقا بمعزل عن كتابات مؤلفها وفتوحاته في الحقول الأخرى من ترجمات فذة للنصوص القوية الأكثر جدلا في تاريخ الأفكار والأدب وتأملاته الحصيفة ومقالاته ويومياته ومقدماته وشذراته وورقاته الإشكالية ذات الإنهمام المتعدد بمقاربة الموضوعات المركزية والرئيسة ، الملحاحة والضرورية ، في نظرية السرد والأدب والميتافيزيقا والحداثة وما بعدها والتقنية والعلم والسينما والنقد والفلسفة... إلخ وهي في المجمل معالجات بروح شمولية جادة تجعل من عمله الفسيفسائي ظاهرة خاصة في المشهد الثقافي العراقي والعربي ، إذ يمكن القول بأن موسوعيته هذه بمثابة سيرورة لابد منها لقراءة قصصه ورواياته ، فبالإستناد إليها يمكن تلمس الدليل الخاص إلى جوانية عوالمه وبالإحتكام إليها يمكن الإهتداء إلى خارطة طريق ، يتحقق معها انكشاف العتبات ومفاتيح القراءة والفهم.
الكتابة في ( الطريق إلى اللامكان ) ، تنحو منحى استمزاج كرنفال أجناسي بخلفية تقنوية غير مسرفة تجمع في تماوجها المركب بين اليوميات والتأملات والرسائل والتعليقات والشذرة والمذكرات والمقالة والمحاضرة والتاريخ والخيال العلمي و الإفتراضي والصورة السينمائية ... إلخ وبين التناص والحواشي والهوامش والتصدير والمقتطفات والتضمين وقصيدة النثر ... إلخ وعيا منها بتوليف درجات متباينة من تعالق الخطاب وهو يستند داخليا وخارجيا إلى أكثر من مكون وحقل دلالي تلحمه رؤية جمالية بطموح كوسموبوليتيكي والإقتصاد في استراتيجية لغة القصص اختيار يوازن في معادلته بين محكي التجربة ومطاردة المنفلت الذي يستضمره وما لم يقله النص وبين تصورها التكنيكي والفني المحبوك بمهارة البسيط المركب.
في ( الطريق الى اللامكان ) يكتب عدنان المبارك بلغة الغياب المسنون ، شاحذا رؤاه على مدية العزلة القصوى وهو يدفع بعربة وجوده ومعناه إلى الحافة ، حيث لامجال لبطله المأساوي الذي خبر الحياة عبر كوة الكتب التدميرية والموسيقى الملحمية ، إلا المغامرة بتجربته الإنسانية وإقحامها في متاهة الموت ، والموت هنا هو سؤال المآلات التي تحاول النصوص سبر أغوار مناطق نسيانها واستنطاق خرائط حلميتها وسديم فراغها ولامكانيتها الهائلة.
وقبل أن أنتقل للوقوف على إلتهابات هذه الميتات في كل قصة لابد أن أشير إلى مسألة لافتة في تجربة عدنان المبارك ، فنادرا ما يخلو نص من نصوصه من تصدير كتاب ملاعين عبارة عن مقولات وشذرات يلح أن ينصبها في طريق القصة كعلامة الأربعين أو كفزاعة لحقل غريب تنذر بكمائنه ودسائسه ومهاويه أو كنصب تذكار لأنقاض المكان الفاتنة التي محق بحياة كائناتها عصف خراب عميم.
وبالرجوع إلى الحلمية الدامغة للنصوص وكابوسية التجربة - وشبحية ما يحدث ويعتمل من أشياء كما ظلال الموقد على نافذة ليل الشتاء أو كما خيالات النار المضرمة بكهف بدائي لآدميي التشكلات الأولى للوعي وهي تذكي من مناخات الغرائبية حيث الإقامة في المنطقة اللامسماة بين الحلم واليقظة التي تشبه ألوانها حجرة تحميض الصور الفوتوغرافية مع النزوع الهذياني إلى موقعة الإنساني خارج مداره الزمكاني بالنبش عما هو ميتاإنساني ، وهو نزوع محموم يجد مبرره المؤرق في عصب متاهة الموت وهاجس المآلات التي تستفحل في كل تخوم الكتاب - يمكن أن نقف على التهابات الميتات التي أشرنا إليها أعلاه في لمحات ونماذج من كل قصة على سبيل المثال لا الحصر :
فقصة ( بعد هبوط ذوي الرؤوس السود ) تقدم هذه الصورة الهذيانية لكائن عاش عبر ثلاث نسخ للحلم في ثلاث ليال الهبوط إلى أرض سومر وهو مايشبه سفر تكوين يتهكم فيه من التاريخ وقدرية الحياة البشرية وكله طموح ورغبة في أن ينسلخ عن حقيقة كينونته المبتذلة بانتظار أن تغزوه كائنات شبيهة بتلك التي ألفها في سيناريو الهبوط الغريب ، أي ذوي الرؤوس السود ليطردوا عنه هذا المعطى الانساني ، وفي القصة وصف لاذع للموت والعلاقة به ( أنا لا أكترث إطلاقا لمسألة كوني ( في الخارج ) : خارج العالم والنفس. فصلتي بالحياة مصطنعة ، مفتعلة قد ُخطط لها خارج إرادتي ومخيلتي بل أوهامي. وحتى صلتي بالموت هي مصطنعة تماما كدفع عربة على سكة لها بداية ونهاية. في نهايتي كإنسان ٍ يقف الموت كما لو أنه قاطع تذاكر يؤدي عمله الروتيني المضجر الى درجة أنه لا ينظر إلى أيّ حامل تذكرة ، فالعمل المتكرر الى ما لا نهاية قتل فيه الفضول والرغبة في أوهى رباط مع حاملي التذاكر...)
وفي قصة ( تحولات موفق ) محاولة مجنونة لتعقب حالات شخص بعد أن فقد ذاكرته أخذ يتعرض لفقدان حواسه أيضا وهو ما يشبه ظاهرة كلنيكية لاتخلو غرائبيتها من متعة الوقوف على تحولات الشخصية المدهشة ، ما يشبه فانتازيا أقرب إلى تحولات ( الحمار الذهبي ) وأبعد منها في آن وهي امتداد للقصة الأولى من حيث موقع الغياب ومنطقة الخارج التي يرصد منها الكاتب أحوال الذات والواقع كاشفا عن أوهامها وحماقاتها ومفارقاتها وينتهي إيقاع الكتابة والقصة في الفراغ المهول حيث السؤال المفزع يدوي : ( أهي القيامة ؟ أهي الأبدية ؟ )
وما يثير الإنتباه في النص هو انهمامه المضاعف بالموت كهوية وكمضمون معرفي ووجودي ثم كوهم كما يقول الكاتب البولندي فييسواف ميشلفسكي : نولد من الأوهام ، والموت هو محض انتقال من وهم إلى آخر .
وهنا أسوق شذرة بين كلمات القصة متوقدة كما جمرة : ( على أكبر إحتمال أصبح لا يفرّق بين اليقظة والنوم ، فالحدود بينهما تكاد تكون وهمية حسب. لا أعرف إن كان سجين الفزع أو نوستالجيا من نوع هو أشد قسوة من الموت. فكرتُ أيضا بتعريف آخر للموت : فراغ أبدي تدفعنا فيه أياد هيهات أن ُتعرف هويتها...)
وفي قصة ( كسوف آخر للشمس ) ، حالة رمادية لشخص يستفيق في سرير غير سريره داخل شقة مجهولة وممعنا في تذكر ما حصل له من سيناريو ، يتضح أن غرائبية وعجائبية ما تعرض له هي محض عادة من عاداته المزمنة ويرجع أسباب تحول نمط حياته إلى هكذا تيه ولا معقول وغياب وعي دائم إلى ظهيرة في يوم كسوف تلقى فيها ضربة على رأسه وهي المسؤولة على كل رجّاته ، وهنا نتلمس نفس منطقة الغياب والنسيان التي يحاول منها الكاتب رصد الأعطاب والخروم الميتافيزقية لحياة الشخصية التي ارتج لديها الإحساس بالزمن والمكان ، وفي هذه القصة وجبت الإشارة إلى اللغة المختلفة للمحكي حيث تبدو في أجمل مقاطعها هذيانا وهلوسة أقرب إلى ايقاع قصيدة النثر وتحضر صورة الموت في النص كنهاية فعلية لبطلها الذي وجد مخنوقا في مجرى المياه القذرة. ولأنها قصة داخل قصة فالكاتب يتدخل بين تمفصلات السرد لينبهنا إلى أن مصداقية ما يحدث هي محض تهيؤات أو خيال قابل لتحقق : (ما كتبته لغاية الآن قد يحدث بحذافيره أو لا يحدث. أكيد أن نصفه حقيقة والنصف الآخر خيال لكنه علمي ( كسوف الشمس حصل في زمن أشور الثالث ، و في عام 2003 أيضا ) ، أما الرجّات الدماغية فمعلوم أمرها ، أليس كذلك ؟ أعترف بأن قصدي من كل هذا أن أبيّن لكم هشاشة وصدفية وبؤس الإنسان بل الحياة وما أمامها ووراءها ).
إنها القصة التي تفكر في طرائق ومصائر وعلائق كتابتها كما تفكر في مآلاتها ، وفي نهاية النص نقرأ : ( لم تكن هناك أيّ فصول لوقائع حقيقية بل أحوال محاكاة متوالية لما يسمى بالحياة الحقيقية لهذه المدينة : البؤسان المادي والروحي ، موت مجاني ، حياة بديلة ، إزاحة فظة للأحلام تقوم بها الكوابيس ، نشور إنتقائي لأشباح الماضي ، أطفال صاروا رجالا قساة بصورة مبكرة ، ( أخ كبير ) في كل مكان ، إختفاء كل الألوان عدا الأسود ( أهو نذير بكسوف جديد للشمس ؟ )... لكل هذا وغيره قررت العودة الى جنون الرجّّة...)
إن جنون الرجة هنا هو جنون رجة الكتابة أيضا.
وفي قصة ( عندما أجلس في مقعدي الوثير ) حكاية لموظف صغير يعاني من خطأ الخلط بين إسمه الجريح ولقبه اللايطاق. حلمه أن يمتلك سلطة لعبة الزمن التي مكرت به وزجت به دونما سابق تخطيط في مؤسسة الزواج البليدة وإكراهات العيش فيها بأكثر من قناع وحريتها المشروطة في مهب علائقية اليومي إلخ ، إلى أن يلوذ إلى دفتره الرمادي حيث يغرز نصال تفكيره الجذري في لحم كل شيء تعود عليه وهو غير راض عنه ، وهي نفسها منطقة الرماد / الغياب التي يرصد منها الكاتب بشاعة اللامعقول في سلوكه الإنساني وسلوك المحيطين به ، ثم يجري مكالمات وهمية صادمة ويفكر أخيرا في كتابة رسالة إلى أشخاص وهميين وحقيقيين وفيها ينذرهم باستفحال اللامعقول هذا الذي يعدد بسخرية سوداء أشكاله ومضامينه في أحداث ومواقف طافت به أكثر من مكان وبلد في كوكب الأرض ثم بعد أن يرسل الرسالة يترقب ردود الأفعال بدءا من رئيس عمله وزميله في العمل عباس الميزان حتى أبو سوسن ، ليكتشف أخيرا أنه أضاف بسلوكه هذا لامعقولا آخر إلى قائمة اللامعقول السابقة.
وفي قصة ( دفاتر فريد الخمسة ) وهي عبارة عن رسالة إلى الدكتور جي . بي .هامدان تتمحور حول موضوع سبق أن تناوله عدنان المبارك في مقال هو امكانية وجود حياة أخرى واستحالة وجود ظاهرة الإنسان وحده في الكون.
وفي قصة ( على ضفة نهر صغير ) حكاية لشخص تعرض لحادثة سير وفي لحظة هذيان الألم والكسر يقوم بإسترجاعات مشوشة وهو يحاول أن يهاتف الإسعاف على طريقة الفلاش باك لكيفية وقوع سيارته من الجسر إلى أسفل الواد ولا يني السارد يتدخل في تمفصلات الحكاية لاضاءة ما تعتم من خلفية حياة الشخصية وهويتها وفكرة القصة الجوهرية محبوكة التفاصيل حول الشخص وهو يواجه الألم المؤدي به إلى احتمال الموت وفي تلك المسافة المشرعة على هاوية النهاية يلتقط السارد الخيالات والظلال والانفعالات التي تطفو على سطح وعي هذا الشخص ولا وعيه في آن ، إلى أن ساقت الصدفة الرحيمة هاوي صيد لينقذ حياته وهذا ما سيكتشفه أخيرا مع طبيبه في المستشفى.
وفي قصة ( مكائن الله المجنونة ) تعاود فكرة إختراق الزمكان حضورها في محاورة طويلة مع نزيل دار للمجانين تمت مصادفة بطلب من صديق السارد المتأهب لسفر إلى الصين ، فقلده وزر زيارة أخيه في غيابه الذي يمر من حالة نفسية حادة ، وهناك يلتقي بمجنون آخر يدعي أنه مات وولد ثانية ويحكي تفاصيل الحياة الأولى. والطريف في هذا النص أن يكون أوريل المجنون هذا هو أخ المفكر الروماني إميل سيوران ويوظفه الكاتب هنا كشخصية مفهومية ، وتنتهي القصة على إيقاع شذراته التي يحفظها أوريل بالنقطة والفاصلة.
في قصة ( أهتزازات الهواء هذه ) ، تنحو الكتابة منحى آخر برهان لغتها على الرقص بالإستناد إلى حرف الهاء ، ما يشبه اجتراح جمالية لطوطولوجيا اللغة خالقا من الهائيات نصا ضالعا في السخرية والجنون والمزحة والهذيان.
وفي قصة ( الغرق ) تشرق فكرة معانقة المحو والغياب من جديد ، مع شخصية هير لودفيغ المستاء من جرثومتي الوعي والسأم ويشيّع الحياة بابتسامة على سطح سفينة حين وضع ساقه وراء الحاجز وهويخاطب السارد قبل أن بقفز : - هذه الزاوية من الأرض تبتسم لي أكثر من الباقيات.
وفي قصة ( الطريق الى اللامكان ) ، وهو النص الأخير في الأضمومة ، صورة مضاعفة وقصوى لتجربة الكتاب ، مضغوطة ومركزة في محاولة ذات السارد التوليف بين عالمين نقيضين وذلك استنادا إلى ممارسة تسع تمارين :
التشكيك بمنطق الزمن / معرفة ما بعد الموت حيث الحياة والعالم مجرد ذكرى / رفض القبول بأن الولادة نعمة كبرى بل هزيمة / تجاهل الموروثات والحاجيات البيولوجية / الإقامة طويلا في الظلام / التفرغ للتفكير في محرمات الكتب المقدسة من منطلق أن كل فكرة ليست بريئة / طرد اللغة من الحياة اليومية بالكامل وتعويضها بالموسيقى / الإضراب عن النوم : ( إذن مع كل ليلة أرق أقترب أكثر فأكثر من ذلك الجدار الفاصل بين ظاهرتين هما في واقع الحال توأمتين : الحياة و الموت ؟ / نبذ المعقول الذي صار بالغ الإبتذال بسبب استهلاكه الجنوني / ... )
وينتهي محكي القصة بمكالمة هاتفية بين بشرنا وكائن كوني مفترض أسماه الكاتب ماركسيزيافريم وعلى هامشها يخلص إلى حقيقة الحاجز الوهمي بين المعقول واللامعقول وهو يضع قدما يسرى في عالم الأزمنة الثلاثة واليمنى في الآخر اللامسمى مرددا بلا نهاية سؤال ماركاسيزيارفريم :
أين الطريق الى اللامكان ؟
إنها صورة الإقامة في الهلامي في كتاب ( الطريق إلى اللامكان ). صورة الوعي الخرائطي الطاعن في حدة اليقظة ، يضع بطله المأساوي قدما غائرة في الحضور وأخرى غائرة في الغياب . بين صحو ممتنع على أهبة إشراق ما وبين هذيان دائم. بقلق مزمن واضطراب شره وتغريب مضمر ومعلن وانشطار لكينونة عزلاء تمضي بك قصص (الطريق إلى اللامكان) إلى انكشاف صارخ للوهم وشبهات الذات ...
هي قصص شقيّة بجنوح محموم إلى إعمال مشارط تتقلب الجروح النرجسية لنمط وجود بشري يعتوره العبث واللاجدوى واللايقين ... وإن يشيع في أثلام الكلمات سواد مرعب وبين مفاصل الخطاب فلا يسقط في فخ الجنائزية المبتذلة والفراغ المطلق أواليأس المجاني ، بل إن مرحا فادحا وسخرية لاذعة تقرع أجراس التهكم الحصيف في كل انشطارات الكتاب وخروم عتماته ... وقارئ عدنان المبارك لايمكن أن ينخدع بما تقوله تجربة الكلمات ويلهج به زبد نسيجها المتموج في قصته كما لا يمكن أن يقنع بما تقدمه من هبات تطفو على السطح ويطمئن لأشكال تأثيثها وهي توهم بممارسة قصديتها الواضحة وإرساليتها المعلنة والمكشوفة ، بل يعي تماما ، أن في ما وراء الخطاب يستتر المعنى اللابد منه لتحقق جوانية الكتاب ، أي في ما لم يقله النص وليس غفلا من الكلمات وعنها ، ولكن في تلك الكتابة الأخرى التي تتم في صمت ، في ظلال وفجوات وخدوش وأثلام النص وجراحاته غير المرئية.
في ( الطريق إلى اللامكان ) لابد أن تتلمس لهاث بورخيس القابع وراء ثقب آجور في مكان ما من فضاء النص الغفل وهو يتابع سيناريو الترحالات والمآلات الصاخبة بين التاريخ والتخييل والمستحيل. ولا بد أن تصلك قهقهة سيوران من هاوية شرهة للأرق في عتمة الكلمات الهاذية. ولا بد أن تفزعك قسوة المسخ في عنف التحولات بين اليقظة والصحو ، بين الإنساني والحيواني حيث تتدلى عناكب كافكا من سقف الحكاية المثلومة.
وخلف هؤلاء الملاعين جميعا ، تندلع موسيقى خفية من قرص يدور في جهة مهملة من جهات الكتاب لباخ أو موتسارت تتناقل صداها ريح متعبة أو هكذا يخيل لي على الأقل...
لايمكن أن تقرأ قصة من قصص (الطريق إلى اللامكان ) دون أن تترك كدمة وندبة في وعيك وهي تقيم فيك إلى أمد غير قصير مثل خنفساء أو جُعل يتسلق بياضا أو رخاما في أفق خيالك ، يدغدغ أو يشوش على تفكيرك الإطمئنان إلى صورة ثابتة أو حقيقة مستقرة.

ترى ، هل سيفكر كل قارئ لهذا الكتاب الأزرق بحجز التذكرة إلى هذا اللامكان ؟




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: