الرئيسية »  الـنــقـد»  نصوص.. المكان العراقي

نصوص.. المكان العراقي

عدد مرات المشاهدة :738 - 04/ 6/ 2009

علي البزاز

نصوص.. المكان العراقي

  

نـداء المـاء


احدى فضائل المكان استدعاء الذكريات بغية التماهي مع الزمن الذي استطاع رغم ارادة الحنين على جعل المكان طللاً، يستيقظ المكان ويُعمّر جغرافياً بالتذكّر، انما الافراط في هذه الوظيفة وجعلها قبّة يؤذي تصوّر باشلار الذي لا يعزل المكان عن الزمن آنيته «المكان يحتوي الزمن» وبحسبه الأمكنة هي أزمنة تُعاني من قلق ما. الحنين إلى المكان، وإعلان هويته المقهورة بفعل النظام السياسي قد جمعا مفهوم المكان عند نخبة من الكتاّب العراقيين في» المكان العراقي: جدل الكتابة والتجربة» «تحرير وتقديم لؤي حمزة عباس، والصادر عن دراسات عراقية». نتلمس في العنوان مقارعة النسيان والتحريض على إشاعة اليقظة لمعالم المدن العراقية المهملة تأريخياً وسياسياً، أي تلك التي أصبحت أطلالاً في واقع اهتمام السلطة ومؤسساتها، وهاهي في هذه الكتابة تقتص من اقترانها بالاهمال وتصبح عيناً تبصر حاضرها ومستقبلها، لكنها تظل محكومة الماضي الذي أعلن وجودها كأثر.» يعيش المكان العراقي واحدة من لحظات وجوده المؤثرة، لحظة امتدت عقوداً من التراجع والاندحار، وها هي تصعد إلى الذروة غير المأمولة للحدث، مدوّنة على مشهد الخراب الواسع كلمتها القاهرة».
الخراب
إذاً، قد عانى المكان في العراق من كونه طللاً، وقد جاءت اللحظة المناسبة لاعانته على الظهور ليضطلع بمهمته، إلا أنه ينفتح على مشهد الخراب، وهكذا فإن احساساً قهرياً وربما قدريأ تشكل بفعل الحروب والانتكاسات جعل العراق دوماً مؤرخ الحزن والدمار. يوغل المكان في صلافته ويفرض مزاجه على البيئة وحتى على الاجساد: ترتدي النساء العراقيات السواد عندما يذهبن إلى حفلة زفاف، وتصبح زيارة المقابر حالة تنفيس بديلة من النزهة، وثمة الكثير من مرادفات الحزن، تحضر حتى في أسماء أكلات الطعام، مثلاً «مدفونة»، أي المحشي، تكثر مفردات الحزن في الحديث اليومي مع تقبّل متميز لها، على رغم اشاعة الطرائف كمعادل لعقاب الحزن. أصبح للمكان وظيفة الاستحواذ على تصرفات الجسد. يتقصى فوكو هذه الصفة عند دراسته السجون والمصحات، وهي مراقبة الجسد وعقوبته، فيطوّر مفهوم العقوبة القضائية إلى مفهوم مكاني، حيث السجن قصاص الأجساد، فالزنزانة الانفرادية لها تأثيرات خطيرة على الجسد البشري مما للزنزانة الجماعية، تعدّدت طرق التعذيب بتنوع هندسة السجن» برج في الوسط والزنزانات حوله» هندسة كهذه تسمح بالمراقبة، إهانة الجسد تكتمل بالمراقبة عندها يدخل الجسد إلى مشاعية الأذى ويسهل اذلاله تحت المراقبة.
عندما احتل البريطانيون العراق، وجدوا بنايات شاهدة على احتلالات أخرى عثمانية وإيرانية مثلاً القشلة، قصر المجيدية، مدرسة الصنائع، المدرسة المأمونية، والشناشيل وهي بناء من الخشب المزخرف يميز بيوت اليهود العراقيين، «كان الطراز المعماري السائد في أعمال المعماريين البريطانيين في العراق في العشرينات، والثلاثينات، ما يعرف بالطراز الاستيطاني المقتبس بدوره من العمارة الكلاسيكية المتجددة وقد تبنى البريطانيون هذا الطراز لبناء مستعمراتهم الذي يتصف عادة بأنه ذو نزعة نصبية، المباني مرفوعة عن مستوى الشارع بعدد من الدرجات، متناظرة، ذات نسق هندسي صارم يعتمد التكرار المنتظم» بنى البريطانيون الثكنات والدوائر الحكومية، بسقوف عالية ذات شبابيك في الأعلى، وبفضاءات واسعة ما جعلها حارة في الشتاء وباردة في الصيف، مستعينين بخبرة العمالة العراقية في هذا المجال. لا تقف العمارة بعيدة عن أغراض الدفاع والعسكر، فمثلاً، أحيطت مدينة امستردام بالقنوات المائية التي تعني في اللغة الهولندية السور، لاغراض عسكرية دفاعية، وحمائية تستقطب منسوب المياه المرتفع درءاً للفيضان، أما شوارع بغداد أيام الاحتلال العثماني فكانت «أزقة ملتوية تقاس بمرور حمار أو حمارين مع حملهما» وهو اجراء دفاعي في تلك الفترة. وبعد تطور معدات الحرب، وتسهيلاً لمرور المدفعية، شُق اول شارع حديث في بغداد عام 1908، وحمل هذا تهديداً للانسان البغدادي، الذي «كان الزقاق هو عالمه الحصين، وفضاءاته ذات قيمة مكانية تفيد معنى الجوار» تتطلب الطرق الحديثة تنظيم المرور، وإعطاء الرصيف أولوية معمارية وهكذا بنيت المحال التجارية، إنه الشارع العصري يساعد على انتعاش الاقتصاد وتشجيع العمران، الرصيف لم يكن موجوداً في عالم الحارة وأزقتها الضيقة. أنشئت بعض المدن العراقية كي تصون المقدس، الذي سيفرض هيبته على عمرانها، ويحدد مكانتها الدينية والاقتصادية لاحقاً بقدر استمرارها في حمل تعاليمه» صنعت النجف أسطورة مقدسة: أن ناقة قادت جثمان الامام علي إلى أن يدفن في هذا المكان، المزيج من زرادشتية آفلة ونصرانية قديمة، هذا القبر السّري كشفته غزالة كان يطاردها هارون الرشيد في إحدى رحلات صيده. دُفن علي إلى جانب آدم ونوح». مثلما طبع التشيع العراق، ختمَ قبر علي مدينة النجف بهيبة دينية وسياسية واجهت القمع والتصدي كلما حاولت الأخذ بمقود السلطة. مدينة النجف محسودة دينياً واقتصادياً، إذ تُعتبر من المدن الثرية في العالم، تصلها الهبات والنذور من كل مكان، وفيها القباب الذهبية، وقد عمل الايرانيون دوماً على اضعاف مرجعيتها الشيعية، بإعلانهم قم مصدراً للتشيع فلم يفلحوا في ذلك. فرض قبر الامام بركاته على المدينة، وساهم في تخطيطها العمراني؛ فيها أكبر مقبرة تاريخية للشيعة الذين يدفنون موتاهم اجبارياً فيها، استحدثت الآن مقبرة مدينة كربلاء منافسة للنجف بسبب الزعامة الطائفية.
النهر
ثمة نداء مائي سري يوجه دفّة المقالات في « المكان العراقي» مسترشداً بالماء على أنه الحنين إلى الحياة. النهران اللذان سُمي العراق انتساباً إليهما ببلد الرافدين، شاركا الجغرافيا التاريخية بصوغ معالم الشخصية العراقية، ودحرا حتى فكرة الصحراء على أنها المرادفة للجفاف والموت. الماء هو حنين معاكس للهجرة قريب من الحضن، الماء الأمومي، الماء الانثوي كما يقول باشلار، ولهذا لم تنأ مقالات الكتاب عن المدينة الخاضعة إلى تصوّر الأمومة، مستعينة بمفردات الحنان على البوح والتقصي في معظم الصفحات؛ أزقة، مقبرة، جدارية، ذاكرة عمارة. يحتاج الانسان في عودته إلى الذكريات معونة الأم مستغنياً عن حضور الأب الذي هو رملي متأتٍ من الجفاف، أو يعمدُ توفيقياً على جعله مائي الصورة، فيتقبل مرافقته في استعادة الماضي، يقول كلوديل:» كلُّ ما يرغبه القلب يُمكن دوماً أن يُختزل إلى صورة الماء». العراقيون أكثر الشعوب استعمالاً لكلمة المنفى، وأشدهم ولاءً للمكان، بقصد استحضار صورة الأم، وحتى في رحيلهم القسري يدخلون المكان الذي غادروه، احتفاءً بالأمومة عندما تؤاخي النهر والرمال. في العراق، السياسة والجغرافيا محكومتان بالماء والصحراء.




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: