الرئيسية »  الـنــقـد»  رواية "إنسان" ذكرى معتقل يوناني تفضح الديكتاتور

رواية "إنسان" ذكرى معتقل يوناني تفضح الديكتاتور

عدد مرات المشاهدة :667 - 01/ 6/ 2009

ياسمين مجدي

رواية "إنسان" ذكرى معتقل يوناني تفضح الديكتاتور

  

حينما تموت، تاركًا خلفك امرأة تحبك، فأنت تعيش بداخلها، أما إذا كانت المرأة كاتبة، فهذا معناه أنها ستجعلك تعيش داخل الناس جميعًا. وهذا هو ما فعلته الكاتبة الإيطالية أوريانا فالاتشي للمناضل والبطل اليوناني أليكسندروس بناجوليس، في روايتها "إنسان"، التي سردت فيها محاولته لاغتيال الحاكم الدكتاتور في أغسطس 1968، وما لاقاه نتيجة ذلك من عذاب وحشي. إلى أن تم اغتياله في 1 مايو 1976، وهو لايزال في السادسة والثلاثين من عمره، ليموت، وتظل قصته البطل حية وباقية، نستعيده بها في ذكرى وفاته، بعد مرور 41 عام على محاولة الاغتيال التاريخية.

رواية الواقع

"ولد هذا الكتاب من مشهد حب"، كما تقول أوريانا، لتسرد فيه تفاصيل إنسانية لقصة حبيبها الواقعية، بأسماء أبطالها الحقيقية، وتدلل البطل حبيبها بـ"أليكوس"، لعلها تعوضه عن فشله في اغتيال الحاكم الديكتاتور خورخيوس بابادوبولوس، الذي فرض الأحكام العرفية والرقابة، والاعتقالات الجماعية.

تصحبنا أوريانا منذ اللحظات الأولى لاعتقال بناجوليس، حين يختار أن يظل صامتًا في التحقيقات، ليؤكد أن ذلك هو سبيله للانتصار على المحققين المتوحشين، فتتركز شدة الألم.. ويقترن هذا بصوت يقول تكرارًا بانتظام: "خذ هذه..وهذه..وهذه..وهذه..وهذه". ويهجس عقلك بهذا الابتهال: ياليتني أغيب عن الوعي!"([1]). و"عندما فتحت عينيك، لم تكن...تحس بشيء في ساقيك أو ذراعيك أو بدنك..كنت تحس بوجهك، ولا شيء غير هذا، وكأنهم حزوا عنقك وبقى رأسك المفصول حيًا!"([2])، وتترك تلك العذابات أثرها، لكن هناك عذاب للروح "مثل التعذيب بكتم الأنفاس.. لقد أدركوا أن هذا اللون هو الذي لا تطيق احتماله، ولهذا فإنهم استخدموه معك دائمًا"([3]). وأمام كل ذلك لا يعترف بناجوليس على رفاقه المشاركين معه في محاولة اغتيال الدكتاتور، ولا يقر لهم حتى على نفسه.

أنواع المحققين

من أبرز ما في الرواية محاولة أوريانا تصنيف المحققين إلى أنواع، فالنوع الأول يقوم بالتعذيب فحسب، وظهر ذلك من خلال شخصين متفرغين لبناجوليس، كان يشعر أنهما شخصًا واحدًا، روبوت بلا حياة، يربطهما تعذيبه، فكان يحاول دائمًا أن يثير خلافات بينهما، أو ينتقد أحدهما ليجعله يثور لنفسه ويستقل عن الآخر. أما النوع الثاني من المحققين هو مدعي الإنسانية، الذي يأتي عندما يكون التعذيب البدني قد قضى عليك، وقد يُظهر تعاطفًا إنسانيًا معك، لكن ذلك غير حقيقي فـ"ما هو قط بإنساني، وربما يقع في الحب، وعند الضرورة ييكي ويتعذب مثلنا، وربما كانت له روح.. لكن...كامنة في قلب أعمق من أن تحتفر..وإذا لم يكن هذا مناط الفهم، فلن يمكنك الصمود أمامه"([4])، وهذا النوع من المحققين يستخدمه الجميع فـ"بالأمس خدم محاكم التفتيش ومحاكم الرايخ الثالث، واليوم يخدم حملات المطاردة والتنكيل ضد المتمردين على النظم الاستبدادية في الشرق والغرب، في اليمين واليسار..هو أزلي، موجود في كل مكان، باق على الدوام"([5]). النوع الثالث من المحققين، هو نوع إنساني ونادر، تراه عبر شخصية الرئيس الأعلى لجهاز المباحث "أي.أس.أيه"، الذي أوقف تعذيب بناجوليس، حين أخبر الحراس أن يكفوا عن تعذيبه للحصول على اعترافه، لأنه مرة في المئة قد لا يعترف السجين، فشعر بناجوليس حياله، كما قال: "منحته احترامًا كما يحترم المرء خصمًا أكثر منه عدوًا"([6]).

تتطور الأحداث، ونشهد بناجوليس أكثر صلابة وشراسة أثناء محاكمته، حين "استحوذت على قلبك فكرة عشق الموت.. إن دور الضحية لابد من رفضه، دائمًا، فلا شيء يمكن تحقيقه قط بدور الضحية"([7])، فانطلق في خطبته للمحكمة، ساخرًا من الاعتراف المنسوب إليه بأنه ركيك لغويًا، وأنه لو اطلع عليه قبل تقديمه، لاقترح إجراء تصويبات لغوية، وطلب منهم أن يعدموه. وبالفعل حكموا عليه بالإعدام مرتين والسجن عشرين عامًا!

أحد العقوبات التي يواجهها بناجوليس تكون في تنوع حراسه، فبعضهم يطبق التعليمات ويتجنبه، وآخرون يدعموه ويساعدوه على الهرب، فينالوا عقابهم، ويتعذب لأجلهم، ونوع أخير تمثل فيمن رافقوه عند إعدامه، فكانوا حراسًا طيبين جهلاء، حتى أنه لم يكن يجد الكلمات الصحيحة ليشرح لهم معنى كلمة الحرية.


احساس بالإعدام

أبدعت أوريانا، حقًا، في وصفها لإحساس بناجوليس قبيل إعدامه، فذكرت أنه كان مهتمًا بقول كلمة قبل إعدامه، لكنه، فجأة، شعر بتقلص في معدته، و"التقلص لم يأت من العبارة التي تصيح بها أو لا تصيح بها، أو الألم الذي يمكن أن تشعر به أو لا تشعر به، أو المطر الذي يمكن أن يغرق جثتك أو لا يغرقها، إنما جاء من حقيقة أن تموت في ساعة معينة في يوم معين... لم تستطع حتى أن تتصور فكرة توقف وجودك"([8])، ويصبح قرار النوم في تلك اللحظة قرارًا صعبًا، رغم حاجته الشديدة له، "أليس مما لا يصدق أن يقولوا خذ بعض الراحة، ولماذا تستريح، لرجل يوشك أن يستريح إلى الأبد؟"([9])، ومن شدة آلامه يعجز عن مقاومة النوم ، فيخبر حراسه أن يوقظوه بعد عشر دقائق ليعيش آخر ساعتين قبل إعدامه، لكنهم يوقظونه قبل الإعدام بنصف ساعة فحسب، "شطر منك ما يود أن يلطمهم، يبكي ثم يلطمهم، صارخًا: (يا ملعونيين، يا مغفلين، يا لصوص!) غير أن الشطر الآخر أدرك أنهم عصوك من قبيل المودة والرأفة... وبجهد تمالكت نفسك، وبجهد قلت همسًا: (وساخة! إنكم سرقتم ساعتين من حياتي!)([10]). وعندما تتأخر فرقة الإعدام "تزايد قلقك واستحال إلى نفاذ صبر مهتاج إلى تعجل انتحاري"([11]). وأخذوا يؤجلون إعدامه، وهو لا يفهم أن سبب ذلك أن العالم في الخارج يكافح من أجله في مظاهرات ووقفات احتجاجية، و"بالنسبة إليك كان العالم بدأ وانتهى في تلك الزنزانة التي حسبت فيها أن الجميع تجاهلوك مثل أقل نثار من عشب البحر!"([12]).

ومن أورع ما قدمته أوريانا علاقة بناجوليس بمدير السجن، حيث يبدو كل منهما كأنه سجان للآخر. فيبدأ بناجوليس في تعذيب مدير السجن من خلال الإضراب عن الطعام، وابتزازه، والإعلان بصوت مرتفع في نشرة أخبار يبتكرها ليسمعها الضباط والسجناء بأن مدير السجن لوطي، فيقول مثلاً: "أزمات الكبد التي تنتاب زاكاراكيس [مدير السجن] ناجمة عن خيبة أمله في عدم إشباع شهواته على يد ذلك السجين.. وكل من يرغب في التطوع من أجل هذه العملية القبيحة عليه أن يبلغ المكتب المختص، ذاكرًا اسمه ورتبته ورقمه المسلسل!"([13])، لتصبح العلاقة بذلك معقدة جدًا بين الاثنين، فكلاهما يحاول أن يعذب الآخر. وفي المقابل يضع مدير السجن بناجوليس في أسوأ أنواع السجون، حتى إنه يحفر له قبرًا مخصوصًا يسجنه فيه.

كابوس الإفراج

تسري إشاعة بإصدار الحاكم الديكتاتور لعفو عام عن كل المساجين، فتروي أوريانا كم كان ذلك مرهقًا نفسيًا على بناجوليس، فـ"لو أن نصفك آمل ألا يحدث هذا، فإن النصف الثاني يشتهيه بجنون!... هل يمكن أن يقيموا لك نصبًا، ويطلقوا اسمك على الشوارع والميادين؟ وإذا هم فعلوا ذلك، فما الذي يجدي عليك من هذا؟ هل لنصب أو شارع أو ميدان أن يعيد إليك شبابك المضيع؟"([14])، رغم ذلك سيرفض بناجوليس العفو حين يأتي له، لكنهم سيحملونه حملاً خارج السجن، ويفجأ ذلك الرجل، الذي عاش خمس سنوات في سجن كالقبر، أنه "قد امتد أمامك فضاء سحيق بلغ تراميه وعمقه وخوائه حدًا جعل مجرد النظر إليه يصيبك بالغثيان... واستحوذت عليك فكرة الزنزانة، مقترنة بحنين غلاب، ورغبة قاهرة لكي تعود إليها، ولتجد الملاذ والحمى في ظلامها... زنزانتي! ردوا إليَّ زنزانتي!... إن المشي في كل هذا الفضاء، وكل هذا الضياء، ووحدك لم يكن مثل المشي في مسالك السجن، محشورًا بين حارسين يسندانك من المرفقين"([15]).

ستروي لنا أوريانا بعد ذلك كيف قابلت بناجوليس، عندما ذهبت لإجراء حوار صحفي معه، فوقعا في الحب منذ اللحظة الأولى. ويصبح حب رجل مهزوم أحد عذابات حياتها، لأنه سيقول لها ببساطة أنه أمضى ليلة حمراء مع بغي، و"أنها فازت بي في مسابقة بين المعجبات المفتونات بالبطولة الخائبة" ([16])!

يصبح الموت النهاية المتوقعة لبطل كافح لأجل الجميع لكنهم تخلوا عنه في المقابل "أن تموت لكي لا تموت... أن تدع نفسك تُقتل لكي تفوز مرة واحدة على الأقل"([17]). فيغتالوا بناجوليس في سيارته، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، لإسكاته عن كشف وثائق هامة، أعلن عن حيازته لها. ونفاجأ أن المجتمع الذي دافع عنه البطل بحياته كلها هو المجتمع نفسه الذي سرق أعضائه بعد موته، فسرقوا قلبه ورئتيه، ثم خاطوه ثانيًا بالخيط الأسود. لتصبح الرواية محاولة للانتصار لذكرى البطل الذي أحبته الكاتبة، بعد أن رأت الفاسدين ينتصرون لظلمهم لكن الحقيقة أن هذه الرواية هي النصر الحقيقي للمناضل البطل أليكسندروس بناجوليس، فهذه رواية كتبتها امرأة أحبت حقًا، وعبَّرت عن مشاعرها وإيمانها برجلها.

وسيظل اسم أليكسندروس بناجوليس مساويًا في اليونان للحرية والديمقراطية، رغم أنه قد عانى من تعتيم طويل عليه إلى أن أُعيد له الاعتبار العام الماضي بقرار اليونان لتسمية عدد من الشوارع وضواحيها باسمه بالإضافة إلى محطة متور في أثينا قريبة من منطقة ولادته، وذلك ضمن الاحتفال بمرور 40 عامًا على محاولة اغتياله للدكتاتور، الذي مات في سجنه بعد ذلك بالسرطان، ليموت الديكتاتور، ويبقى شعر بناجيلوس - الذي كان يكتبه بدمه في فترة اعتقاله على الجدران - حيًا، يقول فيه: "الحراس يسألون، ليعرفوا أين يجدوا رسمتي، جدران الزنزانة، تحفظ السر، والجنود المرتزقون بحثوا في كل مكان، لأنهم لم يفكروا للحظة، أنه عليهم البحث في عروقي".


________________________________________
([1]) أوريانا فالاتشي، رواية إنسان، ت محمود مسعود، القاهرة، دار الهلال، 1990، ص 49-50.
([2]) المصدر نفسه، ص50-51.
([3]) المصدر نفسه، ص52.
([4]) المصدر نفسه، ص54.
([5]) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
([6]) المصدر نفسه، ص59.
([7]) المصدر نفسه، ص94.
([8]) المصدر نفسه، ص76.
([9]) المصدر نفسه، ص77.
([10]) المصدر نفسه، ص78.
([11]) المصدر نفسه، ص80.
([12]) المصدر نفسه، ص82.
([13]) المصدر نفسه، ص137.
([14]) المصدر نفسه، ص162.
([15]) المصدر نفسه، ص168.
([16]) المصدر نفسه، ص215.
([17]) المصدر نفسه، ص267.




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
1.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: