إشكالية تجنيس القصة القصيرة جدا
جاسم خلف الياس
مدخل
من المعلوم أن القصة القصيرة جدا منجز إبداعي بدأ يفرض وجوده منذ العقد السبعيني من القرن المنصرم بشكل متواضع ومتقطع بين حين وآخر؛ وقد تحول إلى نوع أدبي فاعل فيما بعد, ولا سيما في العقد التسعيني من القرن ذاته. إذ شكل ظاهرة أدبية أخذت مسيرتها توجهين( ) :
الأول: انبنى على تقاليد القصة القصيرة المعروفة ، مثل لحظة الاكتشاف والخاتمة المفاجئة (محمد المخزنجي، ، خالد حبيب الراوي، إبراهيم أحمد, عبدالستار ناصر، حنون مجيد، هيثم بهنام بردى، جمال نوري).
الثاني: انبنى على تقاليد قصيدة النثر باقترابها من أدوات الشعر كالإيقاع والمجاز.. الخ (ناصر الحلواني، منتصر القفاش, محمود علي السعيد، عبدالله المتقي، جبيرالمليحان, ناصر سالم الجاسم).
1. إن الطابع الغنائي قد غلب عليها بوصفه صيغة تعكس أزمة الداخل (أزمة الذات التي بدت هي المركز الآمن) على حساب الخارج (الواقع المزيف وغير الموثوق به) متأثرة في غنائية القصة القصيرة وتحولاتها التي رافقت الوعي العربي منذ هزيمة حزيران 1967 وما لحق بالواقع من انكسارات وخيبات، فضلا عن تأثير أسلوب تيارالوعي وتقنيات الرواية الجديدة التي عززت الانقلاب إلى الداخل وجعلت الراوي ((يغني غناء مباشرا ومسموعا لأنه يصف حالة عقله وعواطفه وانفعالاته إزاء العالم والأشياء))( )
إن كاتب القصة القصيرة جدا يناور بالحدث، وشدة توتره بوساطة وسائل غنائية نميزها في هذا النوع من القص بما يلي( ) :
أ. ترتيب حدث لتوكيد تأثيره في (حركة في حدث خارجي), تقابلها (حركة في الحياة الداخلية).
ب. حدث طقوسي غير واقعي .
ج. مشاركة القارئ في تحقيق الكشف (هدف القصة).
د. استعمال الرموز لتجسيد الموضوعات وتصويرها.
ه. استغلال الإيحائية.
وتتحقق هذه في القصة القصيرة جدا كذلك بوساطة التقاطع مع التسلسل التاريخي أو النمو الحدثي، وانحيازها إلى كل ما يمنحها هذه الغنائية, فضلا عن توجهها نحو درامية القصة، وفي كلا التوجهين تشكل القصة القصيرة جدا بأدوات مختلفة وأغراض متباينة، فتتحقق مغايرتها مما يتوجب علينا تناولها بطرق مختلفة أيضا.
إن التكثيف في الرؤية والحدث والشحنة العاطفية قد يوقع القصة القصيرة جدا في دائرة المتاهة بسبب أقترابها من القصيدة، لذا يجب الاحتراز من خطورة مزالقها لأنها تقع على هامش السرد, فمن السهل ، إذ تتداخل مع قصيدة النثر رغم الفارق بينهما، فالقصة تدعونا لكي نبني ونتصور تفصيلات غير واردة فيها، تفصيلات تتعلق بالسببية والترابط بين الأحداث ودوافع الشخصيات. أما القصيدة فتعمل في مملكة الشاعر. إنها تكشف عن افتتان باللغة (عبر التوريات، القوافي، الطباق، المجاز المفرط، الاهتمام الفائق بالأداء والأسلوب الشعري) وكل هذا يتصادم مع تقدم القصة أو تبلور المعنى في النص( ) . ولأننا نعدم هذه الفوارق الواضحة اليوم بسبب التداخلات النوعية والكتابة عبرها فإننا نواجه واقعا أدبيا جديدا يعارض ((الأشكال الموجودة والمنظمة سلفا (...) فيتقدمون -أي الكتاب- في كتاباتهم الشعرية والنثرية تحت عنوان النص Text ويشمل الشعر والنثر وتشير الكلمة إلى الموقف البسيط للواصف والمراقب الذي لم يتخلص فقط من هيمنة الكتاب الأوائل، وإنما يحافظ منذ بداية نصه حتى نهايته على دوره بوصفه مقرر واقع متشكل ومتسائل وغير واثق))( ) . وعندما نقول إن حضور الصيغة الغنائية في القصة القصيرة جدا هو الغالب فإن ذلك يعني أنها لا تخلو من الصيغ الدرامية التي من أهم سماتها ((العناية الأكبر بوحدة الحدث وتلاحمه والحرص على التكثيف والتوتر على حساب العناية بالشخصية التي يتراجع دورها في القصة القصيرة ويهيمن الموضوع على اهتمام الكاتب))( ) وإذا حاولنا تفكيك المصطلح (قصة قصيرة جدا) في ضوء نظرية النوع فإننا سنكون أمام مفارقة تنطوي على انتماء المفردة الأولى (قصة) إلى شكل ملحمي بحكم التسمية والمفردتين التاليتين (قصيرة جدا) إلى شكل يحمل معنى الشعر والإحساس بالدراما ويشير من طرف خفي إلى مجموعة من التقنيات التي تتوافق مع التوفر المحتوم من تكثيف وحدة وصفاء, ولكنها عناصر غير متوفرة للصيغة التي تنتمي إليها, إنما تتوفر في الصيغتين الغنائية والدرامية. فتتعرض القصة القصيرة إذن لتداخل نصي شديد فبقدر ما تمنح القصيدة للقصة القصيرة جدا من مكونات شعرية ستزيح من القصة القصيرةمكوناتقصصية, وبذلك تتخلى عن صرامتها وتتجه نحو الشعر لتحكمها ضرورة التطور وعدم الثبات دون أي خلل يمس القصصية أو يمحو ملامحها الجمالية لتبقى ((تعبر عن الذات وعن الداخل من منظور خاص وفي صور ورموز خاصة وصميمة الصلة بشخصية القاص وإحساسه))( ) لأن الفارق في هذا التداخل يكمن في ((تحديد العلاقة بين التعبير بالصورة والتعبير بالحدث, فالقصيدة تنحو إلى استثمار جميع المستويات اللغوية لتنفتح فيها روح التصوير والتكثيف والترميز ابتداء من الصوت المنغم إلى التكوين الكلي للنص، أما فنون السرد فهي تنتقل بمركز الثقل من تلك البؤرة الايقونية إلى بؤرة الحركة الماثلة في الأحداث الداخلية والخارجية))( ) . ونخلص من هذا إلى أن القصة القصيرة جدا تشتغل بشاعرية السرد التي ((تغيب الحدث في نسق حكائي ذاتي سرعان ما يمتزج في سرد شعري يفلح أحيانا كثيرة في الإفصاح عن دلالات الخطاب القصصي))( ) . ويتضح كل ما قلناه بشكل أكثر فاعلية في الفصل الثاني (العناصر), والفصل الثالث (التقانات), إذ يظهر بوضوح التعاون الغنائي والدرامي المتكفل بخلق قصة تتمتع بعاطفة مركزية أساسها التكثيف والدهشة والدفق الداخلي للغة الشعرية.
........
( ) ينظر: تداخل الانواع في القصة المصرية القصيرة ، خيري دومة : 216.
( ) المصدر نفسه: 70.
( ) الاعتراف بالقصة القصيرة,سوزان لوهافر,تر محمد نجيب لفته: 27- 28.
([1] ) الاعتراف بالقصة القصيرة: 26.
( ) تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 91.
( ) تداخل الأنواع في القصة المصرية القصيرة: 159.
( ) أساليب السرد في الرواية العربية، صلاح فضل: 135.
( ) القصة القصيرة في سوريا من التقليد إلى الحداثة، عبدالله أبو هيف: 231.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (3 تعليقات سابقة):
شكرا للقراءة الجادة اولا والثقة بتقديم ما يفيد المشهد النقدي والقصصي ثانيا
نعم تتضمن هذه الاشكالية ثلاثة مباحث وساقوم بنشرها ان شاء الله تباعا
ارجو ان يفيد منها القارئ او الباحث في القصة القصيرة جدا
مودتي لك الى الابد
في ظل انتشار هذا النوع الادبي الحديث نسبيا
نجد اننا بحاجة ماسة لمثل هذه المقالة الاكاديمية الرائعة التي تعرف الادباء والقراء على تقنيات هذا النوع .
اتمنى عليك مواصلة هذه السلسلة النقدية بما يثري الحركة الادبية العربية
خالص الشكر والتقدير لجهودك دائما
مودتي
اماني
أضف تعليقك