صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات.. انتجتها الحالة الاجتماعية بعد التغيير
عبد الزهرة علي
استوقفني في الوهلة الاولى عنوان الرواية الذي جمع بين متضادين في اللغة وهما (الصمت والضجيج) وقد تحولا الى متر دفين في المعنى عندما اضافت الى الكلمة الاولى الشوارع والثانية الذكريات وفي الوهلة الثانية اسم الكاتبة (ابتسام يوسف الطاهر) حيث لم اقرا للكاتبة سوى بضعة قصص قصيرة اثارت انتباهي لسببين اولهما امتياز تلك القصص والثانية لمنتجها الانثوي الذي يضاف الى اسماء قليلة من الكاتبات النسوية في بلدي.... انها رواية بقدر ما تحكي عن معاناة الناس في الداخل انها تفتح نافذة على حياة المهاجرين وخيباتهم واسلوب حياتهم في المهجر..
ويبدو ان تجربتها في المنفى اغنت تجربتها الروائية في اشعال جذوة الحنين وتنشيط الذاكرة الاجتماعية والبيئية وقد افادت من ذاكرتها الحية والمتحركة والتي نقلتها برهافة حس لتحيي صورا من الماضي تحاكي الحاضر وتقارن بينهما.. ان الوقائع السياسية الكبيرة والمؤثرة في حركة المجتمع لها خاصية انتاج سرديات متنوعة تظل
جزءا حيا من هوية ذلك المجتمع وتاريخه لذا كانت الحرب ثيمة سردية تكتمل جماليتها عن انبثاق الحالات الانسانية من خلال توهج نارها وتشظي سنان لهيبها الحارق للحياة...
هي المرة الاولى التي تدخل بها عالم الرواية وقد اخذت فترة زمنية محددة لروايتها تمتد من تجمع ثلة من المغتربين العائدين الى الوطن والمتجمعين في عمان حتى رجوع بعضهم الى ديار غربته لكنها اتخذت من كل شخصية راو تحكي ما في نفسه وما يختلجه من احساس وافكار باتجاه ما يراه او ما يصادفه خلال هذه الفترة التي قضاها بين اهله وذويه.. انها امتلكت موهبة البناء الروائي والصبر على متابعة الاحداث والشخصيات وربطها بخيوط الزمن والمكان تقول (ابتسام يوسف الطاهر) عن كتابة روايتها (وجدت نفسي ومن دون تخطيط اكتب عن لسان احدى الشخصيات والتي كما لو انها كانت ترافقني برحلتي للعراق... كأني بجلسة مع تلك الكائنات الحية والتي قد اكون عشت معها او تكون سرقت بعض ملامحي او بعض ايامي..9ص373
تقسم الرؤية الى فصول او اجزاء اخذت عناوين مختلفة وهي طريقة استخدمها اكثر من راو وكان عنوان الفصل الاول (من دفتر الايام) وهو فصل يحكي عن ( ام سماح) او ( وهيبة) تلك المراة التي تعرف زوجها على فتاة عبر (الانترنت) ورحل للقاء معشوقته الالكترونية ولم يعد حتى وصل بها الشعور بالوحدة والحرمان حد الياس من الحياة.. فخرمت حقائبها لتعود لوطنها الذي تركته منذ سنين طويلة في غربة منحتها فرصة الاحتفاظ بصورته التي تتمناها له.. وها هي على حدود وطنها تستيقظ على صفعة الواقع فتجده اكثر تخلفا وترديا واكثر جهلا وحرمانا وتسمع من القصص والحوادث الغرائبية ما يشيب لها الراس.
فتفتح نوافذ ذكرياتها على زوايا الطفولة والشباب والبيوت والشوارع القديمة علها تتريح من سماع الكوارث والمصائب في بداية رحلة العودة تعثر على كيانها من خلال استرجاع اسمها الذي نسخته السنون الثلاثون في الغربة حيث كانوا ينادونها بهدام (هادي) او (ام سماح) والتي لا تغاير من عادات مجتمعها الذي يعرف المرأة ب (ابنة ابيها) او ( زوجة فلان) او ( ام ابنها) واذا لم يرزقها الله طفلا فهي (ام غائب) وكأن في الامر حياء لذكر اسم المراة تعود بذاكرتها الى استاذها المصري وزميلها اكرم وافكارها الاشتراكية التي تتبناها وحذرهم من المتطفلين وعيون السلطة بين زملائها في الكلية) الانتقال الزماني والمكاني بين جلوسها في السيارة وهي عائدة الى وطنها وذكريات الماضي انتقالات مدروسة توصي بامكانية الكاتبة في اللعب على اوتار الفن الروائي.. فهي عندما تتحدث عن الماضي في حادثة ما تستيقظ على حركة احدهم في السيارة تلك الحركة المكملة لانسياب الحادثة المتذكرة وعندما تسحبها الذكريات من الواقع المعاش الى دهاليزها وخاناتها تبقى ماسكة بمشهد يكمل ما تركته في الواقع. هذا التلاعب المتمكن يجعلنا ان نعترف اننا امام كاتبة لها خبرة في السرد القصصي والبناء الروائي الحديث.
رحل الاستاذ المصري الذي انطفأ حينها فجأة ليكون سببا لاحياء امل اخر لانسان اخر لتبدأ رحلتها مع اكرم الذي صار زوجا لها اكرم الذي تركها واولادها في سبيل امراة تعرف عليها عبر الانترنت وها هي تعود على حدود وطنها وكلما اجتازت مسافة اليه تنفض عنها قلقها وخوفها وحكايات سمعتها.. سوف ترى بعينها وتزيح عنها شوقها ولهفتها بملاقاة احبتها .. واول ما صادفته ارتال من سيارات عسكرية لجيوش التحالف فيتوقف السير كله وينتاب المسافرون التذمر لتعود مرة اخرى بذاكرتها الى وحدتها في الغربة بعد ان تركها زوجها ولقاءها باحد زملائها العاملين معها وهي تعود بصورها ولقاءاتها به وبعد ان طبع قبلة على خدها انقطعت عن الذهاب الى المقهى المكان الذي يلتقينا به.. وتستمر بذاكرتها حيث جاءها الى البيت لتعود مرة اخرى الى الشوارع الفارغة والبنايات المهرمة والفوضى واثر القصف والتخريب والفرهود الذي سموه الحواسم لكن التفاؤل بقي يصاحبها برغم ذلك حيث تقول (قليل من الاشجار ما زالت تقوم بفضل حرص الناس على تقاسم قطرات المياه معها. وهم يسقوها بخراطيم المياه ويغسلوا عنها بعض الغبار الذي تراكم على اوراقها لاعادة الخضرة ها على الرغم من قلة الماء... )ص83 ويشرق الامل مرة اخرى في عين اخيها الصغير احمد (كيف ليس لنا ماضي؟ ماضينا انتم وان كنتم بعيدين نتناقل مع الذين بقوا هنا من رفاقكم واصدقائكم ذكريات جميلة وصور وان كانت مضببة نحبكم للارض والناس...)ص108
انها كتبت النص في ذاكرتها قبل ان تكتب اي حرف على الورق... وهذا ما جعل صورها صنو المعايشة والخبرة. لا بنات كدح عقلي او فضاءات متخيلة فقد كانت ابتسام يوسف قد عاشت كل هذه الحوات والتجارب حتى جذبتها خيوط المباشرة في احيان كثيرة واختلطت فيها الانا الراوية مع الانا المعايشة للتجربة.. والتي تتضح في ( الحب كلمة انتظرتها كانتظار الارض لماء السماء وجاءت مرات ولكن محملة بخيبات مع ذلك بقيت انتظرها لم احقد عليها ولم ينتابني الياس ص187 اما الفصل الثاني فقد جاء بعنوان (خطا على الطريق) الذي يتحدث عن علاء ذلك الشاب المثقف الذي حاول نشر كتاباته في الصحف الاجنبية والذي يرافق النسوة العائدات الى وطنهن يتوفى الله والدته بعد رؤيته اياها ويسشهد في عزاء والدته نتيجة انفجار سيارة مفخخة تدخل السردات...
وفي الفصل الثالث الذي جاء بعنوان (ابواب الذاكرة) يحكي حكاية ليلى تلك المراة التي تركت ابنها بن الثلاثة اعوام بسبب سياسي وها هي تعود لتأخذه معها وقد صار شابا يافعا الى مجلس عزاء والدة علاء.. وفي دوي الانفجار يستشهد الابن وتصاب الام بشظايا تجعلها ترقد في المستشفى وبعد ان فاقت من غيبوبتها سالت عن ابنها وعن ما عرفت باستشهاده اصابت بصدمة واصرت بالبقاء لاخذ ثارة بعدم السماح للقتلة بزرع الخوف في قلوب الناس وهروبهم لتخلوا الساحة لهم...وكان ردها ان بقيت تقاوم حيث تقول(نعم نمير الذي حدثني عنه.. يكفى انهما من العراق من اجل هؤلاء سابق)ص359.
اما الفصل الاخير فكان بعنوان (مرابع الطفولة) وقد تحدث عن نداء تلك الطفلة التي توفيت امها وتزوج ابوها من امراة اخرى وبعدها سفر او (رحل) كتبعية لتهاجر وتتزوج باجنبي احبها...
اخيرا فان الرواية نتحدث عن فتيات غادرن وطنهن مرغمات الى بلدان اخرى في حقبة زمنية ظلمة وقد نتج عن ذلك اثار نفسية واجتماعية انعكست في اوراق الرواية فهل كان لفشل وخيبات الامل عند النسوة انعكاس لفشل السياسة ام انها شخصيات تعرفت عليهن الكاتبة كيفما اتفق او انها اليست روايتها احداث متخيلة فكانت تتناقض وتتلاءم من دون اعتبار لمضامين ايدلوجية محددة ام انها توكيد لما يؤيد عليه بروست عن زيف الواقع... فهي ترى اصدقاءها واماكنهم من خلال افكارها عنهم عبر صور ذهنية لتلك الاشخاص والاماكن.. اسئلة اثارتها احداث وشخوص الرواية التي اتسمت بالاصرار على الامل وتحدي الظلاميين من اجل الحياة.. كما تقول في صفحاتها الاخيرة.) ربما (التحدي) هو السلاح الوحيد الذي بقي لنا لنواصل الحياة)


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك