أدب فن: الفجيعة عندما تتكلم.. في رواية "صمت الشوارع وضجيج الذكريات" الفجيعة عندما تتكلم.. في رواية "صمت الشوارع وضجيج الذكريات" ================================================================================ كاظم الجماس on 12/ 3/ 2009 يعد جنس الرواية من الأجناس الادبية الشائكة والبالغة التعقيد بالنسبة للمتصدي لكتابتها ، اذ عليه ان يقيم عالما ضاجا بالحيوات والعلاقات والمصائر فضلاً عن خلق ملامح مقنعة لشخصيات تولد وتعيش ومن ثم تموت مع متابعة تطورها ونموها النفسي والاجتماعي كما تقتضي آلية الكتابة الروائية الرصد الدقيق لمراحل نمو الصراع عبر تجسيدها باحداث تحتل مراتب متعددة، رئيسة وثانوية وبحوارات ايضاً متصاعدة تؤدي وظائف متعددة ، فمن جهة تديم توهج الحدث، ومن اخرى تعكس وعي الشخصية ومواقفها ازاء ما يجري لها وللآخرين، وبالطبع تلعب تقنيات السرد (الوصف، اللغة، التداعي المشروط أو الحر، الكناية، الاسترجاع، وغيرها..) تلعب تلك التقنيات دوراً حاسماً في عملية التوصيل بسطحيها الأولي والأبداعي. ان كتابة رواية اذن مهمة شاقة تشترط توافر كل ذلك في ظروف قياسية تمنح كاتبها القدرة على مسك خيوطها بنحو متوازن وفي اجواء نفسية مناسبة، وفي رواية (صمت الشوارع وضجيج الذكريات) للكاتبة العراقية المغتربة ابتسام يوسف الطاهر تتبدى مقدرة طيبة في الامساك بخيوط السرد من أولى الصفحات وحتى الصفحة (370) وهي الصفحة الاخيرة اذ توثق مرحلة حاسمة من التاريخ السياسي والاجتماعي والنفسي للعراق بعد انهيار مملكة الاستبداد في 2003/4/9 وما جرى من اضطراب حاد في الحياة الاجتماعية والنفسية لدى العراقيين بعد ازاحة غطائه السلطوي الهش على الرغم من مظهر جبروته الخادع. وتمتاز الرواية بالاضافة الى ذلك ببناء اسلوبي متين اذ تمارس لعبة السرد عبر ضمير المتكلم عند أربع شخصيات هي (أم سماح) و(علاء) و(ليلى) و(نداء) بتناغم صوتي (بولوفيني) يقترن بنمو وتيرة الحدث طوال زمن السرد. ولعب الوصف من حيث شعريته وسلاسته دوراً واضحاً في اضفاء مسحة جمالية خاصة على لغة السرد (انتظرته شهور انتظار المريض لسيارة الاسعاف أو انتظار غصن ناشف لماء المطر شيء في داخلي يحترق ولم يطفئه الدمع ، ثم صرت أتساءل هل أسامحه ، هل نقدر على طي الصفحات ونبدأ من جديد ، أم أن الأسطر القديمة ستلاحقنا؟ (ص201) على لسان ليلى أو (فكانت الغربة كما لو أنها زورق بلا مجذاف في بحر لا حدود له تتلاطم أمواجه، فيتناءى الكلام وقد داهمه الخوف، ليحل محله الصمت، تلذ عنا سياطه مع كل التفاتة) (ص299) على لسان نداء التي تم تهجير عائلتها بسبب قرار مجحف اتخذه نظام صدام بحقهم كونهم من التبعية الايرانية. لقد حفلت الكثير من الروايات سواء كانت عراقية أم عربية أم مترجمة بضمور مستديم في رسم ملامح الشخصيات سوى ان رواية (صمت الشوارع وضجيج الذكريات) امتازت برسم ملامح واضحة لشخصياتها الاربع الرئيسة وايضاً لعدد من شخصياتها الثانوية، اذ تابعت نموها وتطورها وهي تصطرع مع نفسها أو مع الآخرين أو وهي تبتهج وتحزن أو وهي تفكر وتتذكر وهو أمر يحسب للروائية ابتسام الطاهر لاسيما لتجربتها الروائية البكر، وعلى الرغم من ذلك علينا ان نؤشر ايضاً أن خطاب تلك الشخصيات والذي حمله ضمير المتكلم لم يكن متمايزاً مثلما هي ملامحها، اذ كان متشابهاً او متطابقاً في مواضع عدة كما ظل خطاب الراوي مهيمناً على الحوار بغير ما حساب لجنس المتكلم أو عمره أو مستوى ثقافته ، تقول عمة نداء وهي امرأة كبيرة في السن وبسيطة من حيث التعليم (انها الحرب ياعزيزتي، حيث تظهر كل العفاريت وتفتح كل البالوعات لتتجول أشباح الفوضى والجرائم بحرية وبلا رادع) (ص208). ولابد ايضاً من تأشير الالتباس الحاصل في الحوار بين الفصحى والعامية، اذ يخرج عن طوق سيطرة الروائي في بعض الحالات القليلة، تقول نداء (الله يعينكم ويكثر الحبايب بس أكيد كلكم تعبانين.. ولابد من المساعدة) (ص332) لقد استخدمت الراوئية ابتسام الطاهر آلية حديثة نسبياً في الفن الروائي وكانت مجيدة فيها، آلية (الحكاية داخل الحكاية) اذ توافر خزين من الحكي انساب بتلقائية وسلاسة واضحتين على ألسنة الساردين، وكانت له فاعلية توكيدية لمدلولات السرد اذ دفعت به الى الامام عابراً بتناغم مراحل الحدث الروائي سوى ان الروائي وقع في مطب إرباك القارئ بشأن علاقات القربى المتداخلة، مثلاً حكاية الابن عن ام صديقه التي استشهد زوجها لتتزوج مصرياً ولتحصل على مكافأة أرامل الشهداء ثم السؤال عن أبيه والاجابة عنه وماتلاها (ص186 وص187). وعلى الرغم من جمال لغة السرد ومطواعيتها ومتانتها، اكتنفها بعض القصور اذ شكلت آلية (الراوي العليم) عبئاً على مقبولية السرد ، لاسيما التقريرية تقول نداء (شعرت بإحراج لا أدري ما انا فاعلة بل هو احساس بعجز وقلة حيلة) (ص331) . وفيما يخص الثيمة فقد كانت مهيمنة الغربة والخوف المزمن المقترن بها طاغية على احداث الرواية منذ الصفحات الاولى، اذ تقول ام سماح (العيون تتطلع في كل الاتجاهات للحاق بالمجهول او لاستكشاف الغد الآتي رغم الخوف منه الكل خائف. القادم خائف والذاهب خائف) (ص7) لتنوء بحملها الثقيل على النفوس وتمتد كما الحبل المشدود بين ذروتين أو زمنين ، ماض وحاضر، حبل على هاوية الحاضر لتتكرس تلك المهمينة بمنولوج على لسان نداء في الصفحة ما قبل الأخيرة (صرت اسمع نبض قلبي ، بل شعرت قد غاص في احشائي، حاولت ان أتمالك مشاعري لأبدو طبيعية، فلا أدري مالذي سيواجهنا) (ص368) . ان رواية (صمت الشوارع وضجيج الذكريات) وثيقة حية رسمت لنا صوراً ناطقة بالفجيعة العراقية، هذه الفجيعة غير المسبوقة والتي ما زلنا نخترق بشاعة قسوتها وإيلامها المفرط، وان كتابتها - الرواية - في هذا الزمن بالذات مغامرة باسلة تتصدى لها ابتسام الطاهر بمقدرة لافتة ، وعلى الرغم من كل ذلك انها تدعونا لمحاكمتها في شأن جوهري يترشح عن عالمها الفسيح ، ويدفعنا للتساؤل ، هل يشفع للسارد الروائي بوصفه أنثى ، المؤلفة أم سماح ، ليلى ، نداء ، تهميش الذكر ؟ على الرغم من حضور (علاء) الشبحي ومغادرته مساحة السرد بانفجار ارهابي، وكذا كمال ابن ليلى ، وكامل - الخائن-، أو سائق السيارة أبو زينب - ثم أبو صادق وابنه وهل هي حالة (سايكوبات) أنثوي ازاء سلطة مجتمعية - ذكورية ؟ وهو أمر مفهوم اذا كان انتصاراً للمظلومية العتيدة التي لحقت بالانثى ولكن ما هي مهمة السرد الروائي حصراً ؟ ان مهمته الاولى خلق مكتمل يتحايث مكانياً وزمانياً وبالتالي وجودياً مع الواقعة التأريخية وهي حتماً تتضمن طرفين فاعلين على ارض الواقع وفي مساحة السرد، طرفان لا غنى لاحدهما عن الآخر، هي أنثى وذكر. ربما أرادت المؤلفة خلال تتابع وحدات السرد بقصدية الثأر من السلطة سواء كانت مجتمعية أو ذكورية ما انعكس بالتالي على ضعف التوازن في إيلاء الاهتمام المتكافئ بشخصيات الراوية الأمر الذي يمكن أن يلمسه قارئها. في الختام لابد من الإشارة الى الاستشهاد في العنوانات الفرعية للفصول بابيات من الشعر العربي القديم أجد ليس من ضرورة ملجئة لذلك فضلاً عن كون الاستشهاد بها شكل نوعاً ما من الاساءة لمصداقية سرد الفجيعة العراقية التي لم يكتو بلهبها أحد غير أهلها كما تؤكد الكاتبة في أكثر من مشهد سردي وحوار، واذا كان الأمر ضرورياً لاكمال رسم تلك الفجيعة ففي خزانة الشعر العراقي الخالص كثير من الشواهد السابقة على الفجيعة أو المزامنة لها او تالية عليها ، كان من الأجدى الاستشهاد به