أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
ما هو الحب
عدد مرات المشاهدة :2886 - September 02, 2006
حسين عجة
آلان باديو
ترجمة: حسين عجة
إلى ناهدة
1 – الفلسفة والجنسين
طالما تم الإدعاء بأن الفلسفة، كإرادة إنتظامية، لم تبن صرحها إلا بسبب رفضها القاطع للفارق بين الجنسين. صحيح أن مفردة "امرأة" لم ترتق عند التيارات الأساسية لتلك الإرادة, من افلاطون وحتى نيتشة، إلى مصاف المفهوم. لكن ألا يمكن أن يكون مرد ذلك سوء طالع تلك المفردة؟ وهل حظيت مفردة "رجل"، بعد أن جردت من شحنتها التوليدية، وسلمت بالتالي إلى الممارسة الجنسية، بمعاملة أفضل؟ كذلك أينبغي علينا، آنئذ، الإستنتاج بأن الفلسفة فعلاً لا تقيم فارقاً للفارق بين الجنسين؟ لا أعتقد ذلك البتة. هناك العديد من المؤشرات التي تشهد على عكس هذا، إذا ما أخذنا بنظر الإعتباربأن مكر الفارق الجنسي، والذي هو بالتأكيد أكثر رهافة من مكر العقل، لا يناسبه وضع مفردة "امرأة" ولا مفردة "رجل" في المقدمة. ذلك لأنه من المخول فلسفياً نقل ما قاله جان جنيه عن العنصرية نحو الجنس. فقد كان يتساءل ما هو العبد، ويضيف : "وأولاً، ما هو لونه؟". إذا ما سؤلنا ما هو الرجل، أو ما هي المرأة، فمن التواضع الفلسفي المشروع أن نضيف : "وأولاً، من أي جنس؟ِ". إذ يمكن للمرء الإقرار بأن مسألة الجنس هي الغموض الأول، الذي لا يمكن التفكير بفارقه من دون تقديم ثمن التحديد المضني للهوية التي تشغله.
كذلك علينا الإقرار بأن الفلسفة المعاصرة، وهذا ما تراه في كل يوم، تتوجه نحو النساء. وقد أذهب أبعد من ذلك، للقول بأن جانباً من الفلسفة، كخطاب، يمكن التعامل معه كجزء من ستراتيجية الإغواء.
من ناحية أخرى، لا تمس الفلسفة الجنسين إلا عبر الحب، إلى حد ذهب به "لاكان" للبحث عند افلاطون على ما يجعل الفكر قادراً على التحكم بحب التحويل السايكولوجي.
عند هذه النقطة، يواجهنا أعتراض أكثر جدية : إن ما قيل بصورة واقعية حقاً عن الحب كان قد ظهر، إذا ماوضعنا الإنطلاقة الإولانية لأفلاطون جانباً، - وقبل أن يهز التحليل النفسي تلك الفكرة- كان قد ظهر عبر الفن، وبشكل خاص من خلال النثر الروائي. فالمزاوجة ما بين الرواية والحب جوهري. بالإضافة إلى ذلك، نحن نعرف بأن العديد من النساء كن قد برعن في هذا الفن، ووهبناه دفعة حاسمة. "مدام لاقييت"، "جين أوستن" "فرجينيا وولف" "كاترين مانسفيلد"، والعديد غيرهن. و، قبلهن جميعاً، في القرن الحادي عشر، وهذا ما لم يكن بمقدور الغربيون الجهلة آنذاك تخيله، السيدة موريسكا شكيبي، صاحبة أكبر نص ينطق عبره الحب ببعده الرجولي، أي روايتها المعنونة "ماقاله جنجي".
آمل أن لا يتم الإعتراض علي بسرعة بذريعة أنني أقف على أرضية كلاسيكية تتعلق بنساء واقعات ضمن تأثيرات العاطقة السامية وميدان الحكاية. في البدء، سوف أبين كيف أن العلاقة ذات المغزى القائمة ما بين "امرأة" و"حب" تهم الإنسانية برمتها، أو حتى أنها تعطي شرعية لذلك المفهوم. من ثم، سأثبت، بطبيعة الحال، كيف أن المرأة تستطيع، وبأمكانها أن تبدع في كافة الميادين، بل وحتى بإعادة تأسيس حقولها. المشكلة الوحيدة، مثلما هو الأمر بالنسبة للرجل، لا بد من معرفة الشروط التي يتم بها ذلك، وبأي ثمن. وفي النهاية، يشكل النثر الروائي، بالنسبة لي، فن غاية في الصعوبة والثراء التجريدي، كما أن الأعمال الكبرى لهذا الفن بمثابة واحدة من الشواهد العظمى على الذات، عندما تمسها حقيقة وتكونها.
من أين يمكن ملاحظة مزواجة إجراء حقيقة ما، كتلك التي أكدت عليها ما بين العاطفة والرواية؟ من مكان يظهر عبره بأن الفن والحب يلتقيان، أو أنهما يتعايشان في ذات الزمن. الفلسفة هي ذلك الموقع.
سنقوم هنا، ,إذن، ببناء كلمة "حب" بإعبتباره مقولة فلسفية، وذلك ما هو مشروع، كما تشهد عليه المكانة التي يحتلها ألإيروس الافلاطوني.
أن علاقة مقولة كهذه بالحب، عند نقطة التحويل البسيكولوجي مثلاً، تظل إشكالية. فالقاعدة الضمنية هي قاعدة تماسك خارجي : " أعمل ما بوسعك حتى تتوافق مقولتك الفلسفية، مهاما كانت خصوصيتها، مع المفهوم التحليلي". بيد أنني لن أقوم بالتحقق تفصيلياً من ذلك التوافق.
أما علاقة هذه المقولة بالتجليات الفنية، فستظل غير مباشرة. لنقل بأن المنطق العام للحب، عندما يتم إدراكه ضمن الفاصل القائم ما بين حقيقة (عامة) ومعارف (جنسية)، لا بد له من أن يوضع على محك الحكايات المتفردة. ستكون القاعدة حينئذ ضمنية : "أعمل ما بوسعك بحيث تتقبل مقولتك الفلسفية الكتابات النثرية الحبية الكبرى بإعتبارها نحو لغوي تصنعه حقوله الدلالية".
وأخيراً، فأن علاقة هذه المقولة بالبديهيات العامة (ذلك لأن الحب، مقارنة بالفن، بالعلم والسياسة، هو إجراء للحقيقة، والتي ليست بالضرورة أكثر الحقائق أنتشاراً، ولكن أكثرها تقديماً" ستكون علاقة مجاورة. فعلى هذا الصعيد، ثمة حس عام, لا يمكن إقصاؤه دون الوقوع بما هو مضحك. هنا، يمكن أن تقال القاعدة كالتالي : "أعمل ما بوسعك حتى تظل مقولتك، ومهما كانت النتائج متناقضة، بجانب الحدس الحبي المقبول اجتماعياً". 2 - بعض تعريفات الحب
التي لن يؤخذ بها
تؤسس الفلسفة، أو أحدى الفلسفات، موقعها الفكري عبر عدد من التصريحات وآخر من الطعونات. بصورة عامة، دحض السفسطائين والأعلان عن وجود حقائق. في الحالة التي تهمنا هنا، سيكون هناك :
1 ) رفض للمفهوم الذوباني للحب. فالحب ليس ما يجعل من الأثنين، المفترض وجودهما ضمن البنية، واحد النشوة. أن دحضاً من هذا النوع يتطابق في جوهره مع رقض مقولة الكينونة- من أجل الموت. فواحد النشوة لا يفترض، فيما وراء الأثنين، شيئاً آخر سوى التخلص من المتعدد. أي خلق مجاز للعتمة، تقديس خائب للقاء، ورعب ممارس من قبل العالم." تريستيان وأسيولت" لفاغنر. وهذا ما هو، إذا ما ستخدمت مقولاتي الفلسفية، شكل كارثي، عندما تتم مقارنته بالإجراء الحبي التوليدي. أن تلك الكارثة ليست كارثة الحب، بل نتاج موضوعة فلسفية، موضوعة الواحد.
2 ) رفض للمعتقد التضحوي للحب. فالحب ليس شهادة الذات على ضريح الآخر. كذلك سأدلل فيما بعد بأن الحب لا يشكل حتى ولا تجربة عن الآخر، بل عن العالم، عن الموقف، ضمن شروط ما بعد-واقعة الأثنين. فأنا أحاول إبعاد أيروس عن كل ديالكتيك للرغبة.
3 ) رفض للمعتقد "فوق-البنيوي"، أو الوهمي، للحب؛ ذلك المعتقد العزيز على التقاليد المتشائمة للأخلاقيين الفرنسيين. أعني المعتقد القائل بأن الحب ما هو إلا الظاهر التجميلي الذي يمر عبره واقع الجنس. أو بأن الرغبة والغيرة الجنسيين هما ما يشكلان عمق الحب, يقترب "لاكان" أحياناً من تلك الفكرة، عندما يصرح مثلاً بأن الحب هو ما ينوب عن العلاقة الجنسية المغيبة. لكنه يقول عكس ذلك ايضاً، عندما يخص الحب بنزعة إنطولوجية، إلا وهي "القرب من الكينونة". ذلك لأن الحب، كما أعتقد، لا ينوب عن أي شيء. بل يضيف، وهذا أمر مختلف تماماً. فهو لا يشكل أخفاقاً إلا بحكم تلك الفرضية المزيفة التي تتعامل معه بإعتباره علاقة. لكنه ليس كذلك. الحب نتاج للحقيقة. حقيقة إزاء ماذا؟ حقيقة أن الأثنين, وليس الواحد فقط، ما يعمل ضمن الموقف.3 ) الإنفصالسأتناول الآن التصريحات.
المقصود هنا مسلمة الحب. لم هذه الطريقة بطرح الأمور؟ بسبب من قناعة جوهرية، كان افلاطون, للتذكير، قد برهن عليها : الحب ليس معطى أبداً عبر وعي الذات المحبة. فالفقر النسبي لكل ما قاله الفلاسفة عن الحب عائد، في نظري، لتناولهم له أما من منظور سايكولوجي، أو عبر نظرية الإنفعالات. والحال، إذا كان الحب يتضمن على ضياعات وعذابات المحبين، فهذا لا يعني ابداً بأن تلك التجارب تشكل هويته الخاصة. فعلى النقيض من تلك الهوية، هناك الذوات المحبة. لنقل أن الحب سيرورة تتعامل مع التجارب المباشرة، دون أن يكون القانون الذي يطرحها من الداخل قابل للقراءة. وذلك ما يمكننا قوله بطريقة أخرى : أن تجربة الذات المحبة، والتي هي مادة الحب، لا تشكل أبداً معرفة به. بل حتى أن ذلك هو ما يعطي الإجراء الحبي خصوصيته (مقارنة بالفن أو السياسة) : ففكرته ليست فكرة عن نفسها. فالحب، كتجربة للفكر، لا يفكر بذاته. إذ تقتضي معرفة الحب ممارسة للقوة، سيما قوة التفكير. لكنه يتجاوز تلك القوة أيضاً.
لا بد، إذن، من وضع مبالغات العاطفة، الضياع، الغيرة، الجنس والموت جانباً. فليس ثمة من موضوع يتطلب المنطق المحض اكثر من موضوع الحب.
طروحتي الأولى هي التالية :
1 – هناك وضعيتان حيال التجربة.
ينبغي تناول مفرد "تجربة" بمعناها الأكثر عمومية، أي التقديم بحد ذاته، أو الموقف. هناك وضعيتان للتقديم. كذلك فنحن نتفق على القول بأن هاتين الوضعيتين جنسيتين، وسنطلق عليهما إسم وضعية "المرأة" ووضعية "الرجل". ومع ذلك، يبقى منهجنا، حتى هذه اللحظة، منهجياً إسمياً بالدقة : فهو لا يتضمن على أي تقسيم إمبيريقي، بياولوجي، أو اجتماعي. فوجود وضعيتان لا يظهر إلا لاحقاً. في الواقع، أن الحب وحده ما يخولنا القول القطعي بأن هناك وضعيتين. لماذا؟ بحكم ما تكشف عنه طروحتنا الثانية، الجذرية حقاً :
2 – الوضعيتان منفصلتان تماماً.
يجب التعامل حرقياً مع مفردة "تماماً" : لا شيء في التجربة هو ذاته فيما يتعلق بوضعية الرجل أو المرأة منه. لا شيء. وهذا معناه : لا تتقاسم الوضعيتان التجربة، إذ ليس هناك من تقديم يخص "المرأة" وآخر "الرجل"، ومن ثم تعقبه مناطق تصادف أو تقاطع. كله مقدم بطريقة لا يبقى معها أي تصادف ملحوظ يخص هذه الوضعية أو تلك. سنسمي هذه الحالة إنفصال. أي أن الوضعيتين الجنسيتين منفصلتين عن بعضهما، فيما يخص التجربة عموماً. بيد أنه لا يمكن ملاحظة ذلك الإنفصال، ولا يمكنه أن يصبح موضوعاً لتجربة أو معرفة مباشرة. فتلك التجربة أو هذه المعرفة ستأخذان مكانتهما ضمن الإنفصال ذاته، ولن يصادفا أي شيء يشهد على الوضعية الأخرى. فحتى تكون ثمة من معرفة عن الإنفصال –معرفة تركيبية-، لا بد من وضعية ثالثة. وهذا ما تمنعه الطروحة الثالثة :
3 – ليس هناك من وضعية ثالثة.
ففكرة وجود وضعية ثالثة تنتمي للمتخيل : وضعية ملاك. لهذا كان النقاش من حول جنس الملائكة حاسماً، فرهانه يكمن بالإعلان عن الإنفصال. لكن، لا يمكن التحقق من ذلك عبر التجربة وحدها، أو الموقف. ما الذي يجعلني،إذن، أتحدث عن الإنفصال، دون لجوئي إلى ملاك ما، أو دون أن أكون أنا نفسي ملاكاً؟ لا بد من تكملة الإنفصال، ما دام الموقف لوحده غير كافي. لكن ليس بإضافة وضعية ثالثة تركيبية، بل عبر واقعة متفردة. تلك الواقعة هي ما يرشد الإجراء الحبي، ولن تكون لدينا إعتراضات على تسميتها باللقاء.4 – شروط الوجود الإنسانيةلكن قبل الوصول إلى تلك النقطة، ينبغي علي، إذا جاز القول، الذهاب إلى الطرف البعيد من المشكلة. أي تقديم طروحتي الرابعة :
4 – هناك إنسانية واحدة
ما الذي تعنيه "إنسانية" بمعنى لا إنساني؟ إذ ليس ثمة من حامل موضوعي يمكن إسناد هذه المفردة عليه. أو أنه سيكون أما مثالي أو بياولوجي, وفي كافة الأحوال غير منطقي. أعني "بالإنسانية" ما يمكن أن يشكل دعامة للإجراءات التوليدية، أو اجراءات الحقيقة. هاك اربعة منها : العلم، السياسة، الفن و-بالدقة- الحب. لا يمكننا القول، إذن، بأن هناك إنسانية إلا إذا كانت هناك سياسة (تحرر)، علم (مفهومي)، فن (مبدع) وحب (لا يتم إختزاله لخليط من العاطفية والجنس). فالإنسانية هي بالدقة ما يدعم تفرد تلك الحقائق الممهورة في تلك الإنماط. الإنسانية هي الجسم المصيري للحقائق.
لنتفق على ترميز وظيفة الإنسانية بـ "ان). فهذا الإختصار يشير على أن الطرف "ن"، مهما كان، يقدم دعامة، على الأقل، لواحد من الإجراءات التوليدية تلك. هناك مسلمة إنسانية نؤكد على التالي : إذا كان الطرف "ن" (لنقل هكذا، حتى نتناغم مع الكانطية المنتشرة اليوم، أي كائن إنساني = ن) فاعلاً، أو بشكل أدق، مفعل بإعتباره ذات، ضمن إجراء توليدي، لا بد من القول، حينئذ، بأن الوظيفة الإ نسانية قائمة، كلما أعترفت بالطرف "ن" كونه دليل على وجودها.
لنشدد على مسألة أن وجود الإنسانية، اي عيانية وظيفتها، يبرز عند نقطة "ن" المفعلة من قبل حقيقة ذات سيرورة، أي ما "يكشف عن موضعته" والتي هي الذات. تكون الأطراف "ن"، غير المشخصنة، بهذا المعنى، بمثابة ميدان أو ضمنية للوظيفة الإنسانية. فبالقدر الذي يمس به إجراء الحقيقة تلك الأطراف ويحولها، بالقدر ذاته تقوم الوظيفة الإنسانية بموضوعته. لكن يجب علينا معرفة إذا ما كان الطرف "ن" هو الذي يوجد الوظيفة تلك، أو أنها هي من "يؤنسن" الطرف "ن". تبقى تلك الموازنة عالقةً بالوقائع الباعثة للحقيقة، والتي يشكل فيها الطرف "ن" عامل وفاء (كما هو الأمر بالنسبة لذلك الذي يتحمل الزمن المضني للقاء باعثه الحب : إذ لا بد للقاء من التموضع، وذلك ما يجعل عزلة العشاق الشهيرة محض إستعارة، بإعتبار الحب برهاناً على وجود الإنسانية).
يظهر الطرف "ن" بحد ذاته (لنقل : إسم "الإنسانية") بمثابة مزيج ضمني لأربعة إنماط من الممارسة والتي هي السياسة (ن مناضل)، العلم (ن عالم)، الفن (ن شاعر، رسام، الخ..)، والحب (ن، في حالة إنفصال "يكشف" عنها الأثنين، العاشق والعاشقة). فالطرف "ن" يكون عقدة تضم الأربعة. فالتقديم قائم، مثلما سنلاحظ، في صميم الإنفصال الحاصل ما بين وضعية "رجل" ووضعية "أمرأة"، بالنسبة لعلاقتهما بالحقيقة.
لقد بلغت طروحتنا الرابعة، القائلة بإنسانية واحدة المعنى التالي : كل حقيقة هي واحدة في توجهها لكلية جسمها المصيري. فالحقيقة، مهما كانت، لا تميل نحو تحيز حملي لدعامتها.
وذلك ما سبغدو واضحاً بقولنا أن الأطراف "ن"، أي متغيرات الوظيفة الإنسانية، تشكل طبقة متجانسة، ولا تخضع لتقسيم آخر سوى ذلك الذي تدخله النشاظات الذاتية المنبعثة عن الواقعة والمفكر بها عبر إجراء الوفاء. وبصورة خاصة، تبتعد كل حقيقة عن أي تحيز فالحقيقه هي ما وراء-إنحيازية. وفي الواقع، أنها الشيء الوحيد الذي لا يناحز. ولذلك هي توليدية. لقد حاولت في كتابي "الكينونة والواقعة" تقديم إنطولوجيا عن صفة الحقيقة هذه.5 – الحب بمثابة معالجة لتناقضإذا ما ربطنا ما بين نتائج الطروحة 4 بالطروحات الثلاثة التي سبقتها، يكون بمقدورنا صياغة المشكلة التي سنعالجها بدقة أكبر : كيف يمكن أن تكون ثمة من حقيقة غير متحيزة، أو تتوجه نحو الجميع، إذا ما كان هناك وضعيتان، على الأقل، أي وضعية الرجل ووضعية المرأة، المنفصلتان جذرياً عن بعضهما، فيما يتعلق بالتجربة عامة؟ ربما كان البعض يتوقع أن ينتج عن الطروحات الثلاثة الأولى ما يلي : الحقائق جنسية. فثمة علم أنثوي وعلم ذكوري، مثلما كانوا يفكرون لوقت قريب من أن هناك علم برولتاري وآخر برجوازي. وهناك فن نسوي وفن رجولي، وكذلك رؤوية سياسية أنثوية وآخرى ذكورية، وحب نسوي (سحاقي من الناحية الستراتيجية، كما تؤكد على ذلك بعض الحركات النسوية) وحب ذكوري. وبطبيعة الحال، قد يضيف المرء : حتى وأن كان الأمر كذلك، سيكون من المستحيل معرفته. لكن الأمر ليس كذلك، في المجال الفكري الذي أسعى لإقامته.
فأنا أدعي، في آن معاً، بأن إنفصال الوضعيتين جذري، وليس ثمة من موقف ثالث. وبالرغم من ذلك، ما ينتج عن الحقيقة توليدي، أي أنه يفلت من كل إنفصال إنحيازي.
الحب هو بدقيق العبارة الموقع الذي تتم فيه معالجة ذلك التناقض.
يجب علينا تحمل جميع نتائج قول كهذا. إذ أنه يعني أولاً بأن الحب عملية ترتبظ بتناقض. ولا يسعى لتبديل ذلك التناقض، بل يعالجه. أي أنه يجعل من التناقض نفسه حقيقة.
فالتشاؤوم الشهير المتمثل بمقولة : "يموت الجنسان كل على جانبه" هو, في الواقع، قانون ظاهري، أو قانون لا متناقض للأشياء. ذلك لأنه لو بقينا على مستوى المواقف (إذا ما ستثنينا الإضافة الوقائعية، أي الصدفة المحضة)، فأن الجنسين لا يكفان عن الموت كل على جهته. بالإضافة إلى ذلك، وتحت تأثير رأس المال، المنشغل بالفارق ما بين الجنسين بإعتباره شؤوم، تظل الأدوار الإجتماعية لا متميزة. فالبقدر الذي يظهر به، دون بروتوكول ولا توسط، قانون الإنفصال، بالقدر ذاته يموت الجنسين، اللامتميزين عملياً، كل على جانبه. فهذا "الجانب"، الذي غدى لامرئياً، يزداد ضغطاً، ويرتد بذاته لطبيعة الإنفصال الكلية. فعرض الأدوار الجنسية، وتكبيل الأطراف "ن" ضمن طبقتين ظاهريتين، أي "ان" و"ام" ليست تعابير عن ذلك الإنفصال، بل مساحيقه الخارجية، توسطاته الملتبسة، التي تتحكم بها أنواع مختلفة من الطقوس الإسنادية وبروتوكلات التقريب. لكن لا شيء يتوافق مع رأس المال أكثر من الأطراف "ن". تزيح مجتمعتنا، حينئذ، مساحيق الإنفصال الذي أصبح لامرئياً، من دون إستعراض توسطي. من هنا مصدر تلك اللاتمايزية الظاهرية التي تلحق بالوضعيتين الجنسيتين، والتي تترك الإنفصال يتجسد كما هو. موقف يشعر كل واحد منا بأنه يقتل فيه تلك الإنسانية الممكنة، ويحرمه من القبض على ذلك الـ "ن" المتولد عن وفاء حقيقي.
يكشف الحب عن نفسه، آنذاك، كمقاومة لقانون الكينونة. ونبدء نحن بفهم أن الحب لا ينظم "طبيعياً" العلاقة المزعومة بين الجنسين، بل يجعل من لا-ترابطهما حقيقة.6 – الحب، بمثابة مشهد للأثنين
يجعل من الإنفصال حقيقة ويضمن واحد الإنسانيةلفهم هذا التحديد للحب، اي لجعله بمثابة تجديد متواصل في الفكر – كما يقول الشاعر البرتو كابيرو : "الحب هو التفكير"-، لا بد من العودة إلى ذلك الإنفصال. فأن يقول المرء بشموليته، وليس هناك من مراقبة محايدة أو وضعية ثالثة، فهذا معناه قوله بأنه لا يمكن عد وضعيتي الأثنين كوضعيتين. من أين ينتج حساب كهذا؟ لا يتم تقديم مفهوم الأثنين إلا عبر ثالث، أي أن الأثنين مقدم بإعتباره عنصر من عناصر الثالث.
لهذا لا بد من التمييز الواضح ما بين الحب والزوج. فالزوج هو ظاهر الحب من أجل ثالث. أي عد الأثنين إنطلاقاً من الموقف الذي يكون فيه ثالث. بيد أن ذلك الثالث، ومهما يكن، لا يجسد وضعية منفصلة، أو وضعية ثالثة. فالأثنان اللذان يعدهما الزوج، إذن، هما غير متميزان، وغريبان تماماً عن أثني الإنفصال. أن الوضع الظاهرتي للزوج، الخاضع لقانون خارج عن قانون العد، لا يقول أي شيء عن الحب. فالزوج لا يدل على الحب، ولكن حالة (أو الحالة) الحب. فهو ليس التقديم الحبي، ولكن التمثيل. لأن الزوج غير ممنوحاً للحب، ما دام قد تم عده من وحهة نظر ثالث. أما في الحب، فليس هناك من ثالث، وإثني الحب بعيدين تماماً عن كل عملية عد.
إن لم يكن هناك من ثالث، فعلينا إذن تعديل المقولة رقم 1، حتى تصبح تعابيرنا أكبر دقة :
1 مكرر : هناك وضعية ووضعية .
فـ "واحد" و"واحد"، لا يشكلان أثنان، لأن كل واحد منهما غير متميز، بالرغم من إنفصاله جذرياً عن الآخر. وبصورة خاصة، ليس ثمة من وضعية-واحدة تحتوي تجربة الآخر، إذ سيغدو ذلك تبطين للأثنين. تلك هي النقطة التي دفعت دائماً بالمقاربات الفينومنولوجية للحب بإتجاه ظريق مسدود : فإذا كان الحب هو "الشعور بالآخر كآخر"، فهذا يعني أن الآخر قابل للضم، بفضل الشعور، في ما هو مثيل. وإلا كيف يمكن فهم قدرة الشعور، والتي هي محل توحيد الذات بإعتبارها ذات-مثيل، إستقبال أو تجربة الآخر كآخر.
لذلك، لا تمتلك الفينومنولوجية سوى إمكانيتين :
- أما أنها تضعف الغيرية. وهذا يعني، وفقاً لتعابيري الفلسفية، إبطال شمولية الإنفصال، وبالتالي جعل إنقسام رجل/أمرأة مشاطرة للإنساني الذي يختفي فيه الجنس؛
- أو القضاء على الهوية. ذلك هو الطريق السارتري : الوعي بمثابة عدم، فهو لا يشكل موقفاً وعياً لنفسه، لأنه وعي "لذات"، وعي لا-نظري للذات. لكننا نعرف، في ضوء تلك الشفافية المحضة، ما الذي سيغدو عليه الحب عند سارتر: مرواحة دائمية ما بين السادية (جعل الآخر موضوع-ذات) والمازوخية (يكون المرء نفسه موضوع-ذات للآخر). وذلك معناه أن الأثنين ليسا إلا لعبة بيد الواحد.
فلكي نحافظ على الإنفصال, وبالتالي القول بأنه ينطوي على حقيقة، يجب علينا الإنطلاق من الحب بإعتباره مسار, وليس من الشعور الحبي.
سنقول، آنئذ، بأن الحب هو بالدقة : بشارة الأثنين بحد ذاتهما، مشهد الأثنين.
لكن علينا الحذر : مشهد الأثنين هذا لا يشكل كينونة الأثنين التي تفترض ثالث. لأن مشهد الأثنين ذاك عمل، سيرورة. ولا وجود له إلا بإعتباره مسيرة في الموقف، ضمن فرضية وجود الأثنين. فالأثنان عامل إفتراضي، عامل تحقيق إتفاقي لذلك العمل، أو تلك المسيرة.
أن وجود فرضية الأثنين بالأصل وقائعية. فالواقعة هي إضافة الصدفة، التي نطلق عليها إسم لقاء إلى الموقف. لا تتحق الواقعة-اللقاء، بطبيعة الحال، إلا عبر شكل خاطف، أو آيل على الإضمحلال. كذلك، لا يمكن تثبيتها إلا بتسميتها، وبأن تلك التسمية هي بمثابة إعلان، الإعلان عن الحب. أما الإسم الذي يطلق ذلك الإعلان، فينبثق من فراغ الموقع الذي يستق منه اللقاء إضافته المتواضعة.
ما هو ذلك الفراغ الذي يستدعيه الإعلان الحبي؟ أنه فراغ الإنفصال، اللا-مدرك. فالإعلان الحبي يخلق لغة يتم تداولها في الموقف، متولدة عن مسافة الإنفصال، ما بين وضعية الرجل ووضعية المرأة، الآخذة بالتلاشي. فـ "أنا أحبك" يقوم بلصق إسمين، أي الـ "أنا" والـ "أنت"، واللذان لا يمكن لصقهما، إذا ما أحيلا ثانية إلى الإنفصال الأولي. ذلك لأن الإعلان الحبي يثبت اللقاء إسمياً وكأن فراغ الإنفصال هو ما يشكل كينونته. فالأثنان الحبي هو بالدقة إسم الإنفصال المدرك بإعتباره كذلك.
الحب هو الوفاء ال
التي لن يؤخذ بها
1 ) رفض للمفهوم الذوباني للحب. فالحب ليس ما يجعل من الأثنين، المفترض وجودهما ضمن البنية، واحد النشوة. أن دحضاً من هذا النوع يتطابق في جوهره مع رقض مقولة الكينونة- من أجل الموت. فواحد النشوة لا يفترض، فيما وراء الأثنين، شيئاً آخر سوى التخلص من المتعدد. أي خلق مجاز للعتمة، تقديس خائب للقاء، ورعب ممارس من قبل العالم." تريستيان وأسيولت" لفاغنر. وهذا ما هو، إذا ما ستخدمت مقولاتي الفلسفية، شكل كارثي، عندما تتم مقارنته بالإجراء الحبي التوليدي. أن تلك الكارثة ليست كارثة الحب، بل نتاج موضوعة فلسفية، موضوعة الواحد.
2 ) رفض للمعتقد التضحوي للحب. فالحب ليس شهادة الذات على ضريح الآخر. كذلك سأدلل فيما بعد بأن الحب لا يشكل حتى ولا تجربة عن الآخر، بل عن العالم، عن الموقف، ضمن شروط ما بعد-واقعة الأثنين. فأنا أحاول إبعاد أيروس عن كل ديالكتيك للرغبة.
3 ) رفض للمعتقد "فوق-البنيوي"، أو الوهمي، للحب؛ ذلك المعتقد العزيز على التقاليد المتشائمة للأخلاقيين الفرنسيين. أعني المعتقد القائل بأن الحب ما هو إلا الظاهر التجميلي الذي يمر عبره واقع الجنس. أو بأن الرغبة والغيرة الجنسيين هما ما يشكلان عمق الحب, يقترب "لاكان" أحياناً من تلك الفكرة، عندما يصرح مثلاً بأن الحب هو ما ينوب عن العلاقة الجنسية المغيبة. لكنه يقول عكس ذلك ايضاً، عندما يخص الحب بنزعة إنطولوجية، إلا وهي "القرب من الكينونة". ذلك لأن الحب، كما أعتقد، لا ينوب عن أي شيء. بل يضيف، وهذا أمر مختلف تماماً. فهو لا يشكل أخفاقاً إلا بحكم تلك الفرضية المزيفة التي تتعامل معه بإعتباره علاقة. لكنه ليس كذلك. الحب نتاج للحقيقة. حقيقة إزاء ماذا؟ حقيقة أن الأثنين, وليس الواحد فقط، ما يعمل ضمن الموقف.
المقصود هنا مسلمة الحب. لم هذه الطريقة بطرح الأمور؟ بسبب من قناعة جوهرية، كان افلاطون, للتذكير، قد برهن عليها : الحب ليس معطى أبداً عبر وعي الذات المحبة. فالفقر النسبي لكل ما قاله الفلاسفة عن الحب عائد، في نظري، لتناولهم له أما من منظور سايكولوجي، أو عبر نظرية الإنفعالات. والحال، إذا كان الحب يتضمن على ضياعات وعذابات المحبين، فهذا لا يعني ابداً بأن تلك التجارب تشكل هويته الخاصة. فعلى النقيض من تلك الهوية، هناك الذوات المحبة. لنقل أن الحب سيرورة تتعامل مع التجارب المباشرة، دون أن يكون القانون الذي يطرحها من الداخل قابل للقراءة. وذلك ما يمكننا قوله بطريقة أخرى : أن تجربة الذات المحبة، والتي هي مادة الحب، لا تشكل أبداً معرفة به. بل حتى أن ذلك هو ما يعطي الإجراء الحبي خصوصيته (مقارنة بالفن أو السياسة) : ففكرته ليست فكرة عن نفسها. فالحب، كتجربة للفكر، لا يفكر بذاته. إذ تقتضي معرفة الحب ممارسة للقوة، سيما قوة التفكير. لكنه يتجاوز تلك القوة أيضاً.
لا بد، إذن، من وضع مبالغات العاطفة، الضياع، الغيرة، الجنس والموت جانباً. فليس ثمة من موضوع يتطلب المنطق المحض اكثر من موضوع الحب.
طروحتي الأولى هي التالية :
1 – هناك وضعيتان حيال التجربة.
ينبغي تناول مفرد "تجربة" بمعناها الأكثر عمومية، أي التقديم بحد ذاته، أو الموقف. هناك وضعيتان للتقديم. كذلك فنحن نتفق على القول بأن هاتين الوضعيتين جنسيتين، وسنطلق عليهما إسم وضعية "المرأة" ووضعية "الرجل". ومع ذلك، يبقى منهجنا، حتى هذه اللحظة، منهجياً إسمياً بالدقة : فهو لا يتضمن على أي تقسيم إمبيريقي، بياولوجي، أو اجتماعي. فوجود وضعيتان لا يظهر إلا لاحقاً. في الواقع، أن الحب وحده ما يخولنا القول القطعي بأن هناك وضعيتين. لماذا؟ بحكم ما تكشف عنه طروحتنا الثانية، الجذرية حقاً :
2 – الوضعيتان منفصلتان تماماً.
يجب التعامل حرقياً مع مفردة "تماماً" : لا شيء في التجربة هو ذاته فيما يتعلق بوضعية الرجل أو المرأة منه. لا شيء. وهذا معناه : لا تتقاسم الوضعيتان التجربة، إذ ليس هناك من تقديم يخص "المرأة" وآخر "الرجل"، ومن ثم تعقبه مناطق تصادف أو تقاطع. كله مقدم بطريقة لا يبقى معها أي تصادف ملحوظ يخص هذه الوضعية أو تلك. سنسمي هذه الحالة إنفصال. أي أن الوضعيتين الجنسيتين منفصلتين عن بعضهما، فيما يخص التجربة عموماً. بيد أنه لا يمكن ملاحظة ذلك الإنفصال، ولا يمكنه أن يصبح موضوعاً لتجربة أو معرفة مباشرة. فتلك التجربة أو هذه المعرفة ستأخذان مكانتهما ضمن الإنفصال ذاته، ولن يصادفا أي شيء يشهد على الوضعية الأخرى. فحتى تكون ثمة من معرفة عن الإنفصال –معرفة تركيبية-، لا بد من وضعية ثالثة. وهذا ما تمنعه الطروحة الثالثة :
3 – ليس هناك من وضعية ثالثة.
ففكرة وجود وضعية ثالثة تنتمي للمتخيل : وضعية ملاك. لهذا كان النقاش من حول جنس الملائكة حاسماً، فرهانه يكمن بالإعلان عن الإنفصال. لكن، لا يمكن التحقق من ذلك عبر التجربة وحدها، أو الموقف. ما الذي يجعلني،إذن، أتحدث عن الإنفصال، دون لجوئي إلى ملاك ما، أو دون أن أكون أنا نفسي ملاكاً؟ لا بد من تكملة الإنفصال، ما دام الموقف لوحده غير كافي. لكن ليس بإضافة وضعية ثالثة تركيبية، بل عبر واقعة متفردة. تلك الواقعة هي ما يرشد الإجراء الحبي، ولن تكون لدينا إعتراضات على تسميتها باللقاء.
4 – هناك إنسانية واحدة
ما الذي تعنيه "إنسانية" بمعنى لا إنساني؟ إذ ليس ثمة من حامل موضوعي يمكن إسناد هذه المفردة عليه. أو أنه سيكون أما مثالي أو بياولوجي, وفي كافة الأحوال غير منطقي. أعني "بالإنسانية" ما يمكن أن يشكل دعامة للإجراءات التوليدية، أو اجراءات الحقيقة. هاك اربعة منها : العلم، السياسة، الفن و-بالدقة- الحب. لا يمكننا القول، إذن، بأن هناك إنسانية إلا إذا كانت هناك سياسة (تحرر)، علم (مفهومي)، فن (مبدع) وحب (لا يتم إختزاله لخليط من العاطفية والجنس). فالإنسانية هي بالدقة ما يدعم تفرد تلك الحقائق الممهورة في تلك الإنماط. الإنسانية هي الجسم المصيري للحقائق.
لنتفق على ترميز وظيفة الإنسانية بـ "ان). فهذا الإختصار يشير على أن الطرف "ن"، مهما كان، يقدم دعامة، على الأقل، لواحد من الإجراءات التوليدية تلك. هناك مسلمة إنسانية نؤكد على التالي : إذا كان الطرف "ن" (لنقل هكذا، حتى نتناغم مع الكانطية المنتشرة اليوم، أي كائن إنساني = ن) فاعلاً، أو بشكل أدق، مفعل بإعتباره ذات، ضمن إجراء توليدي، لا بد من القول، حينئذ، بأن الوظيفة الإ نسانية قائمة، كلما أعترفت بالطرف "ن" كونه دليل على وجودها.
لنشدد على مسألة أن وجود الإنسانية، اي عيانية وظيفتها، يبرز عند نقطة "ن" المفعلة من قبل حقيقة ذات سيرورة، أي ما "يكشف عن موضعته" والتي هي الذات. تكون الأطراف "ن"، غير المشخصنة، بهذا المعنى، بمثابة ميدان أو ضمنية للوظيفة الإنسانية. فبالقدر الذي يمس به إجراء الحقيقة تلك الأطراف ويحولها، بالقدر ذاته تقوم الوظيفة الإنسانية بموضوعته. لكن يجب علينا معرفة إذا ما كان الطرف "ن" هو الذي يوجد الوظيفة تلك، أو أنها هي من "يؤنسن" الطرف "ن". تبقى تلك الموازنة عالقةً بالوقائع الباعثة للحقيقة، والتي يشكل فيها الطرف "ن" عامل وفاء (كما هو الأمر بالنسبة لذلك الذي يتحمل الزمن المضني للقاء باعثه الحب : إذ لا بد للقاء من التموضع، وذلك ما يجعل عزلة العشاق الشهيرة محض إستعارة، بإعتبار الحب برهاناً على وجود الإنسانية).
يظهر الطرف "ن" بحد ذاته (لنقل : إسم "الإنسانية") بمثابة مزيج ضمني لأربعة إنماط من الممارسة والتي هي السياسة (ن مناضل)، العلم (ن عالم)، الفن (ن شاعر، رسام، الخ..)، والحب (ن، في حالة إنفصال "يكشف" عنها الأثنين، العاشق والعاشقة). فالطرف "ن" يكون عقدة تضم الأربعة. فالتقديم قائم، مثلما سنلاحظ، في صميم الإنفصال الحاصل ما بين وضعية "رجل" ووضعية "أمرأة"، بالنسبة لعلاقتهما بالحقيقة.
لقد بلغت طروحتنا الرابعة، القائلة بإنسانية واحدة المعنى التالي : كل حقيقة هي واحدة في توجهها لكلية جسمها المصيري. فالحقيقة، مهما كانت، لا تميل نحو تحيز حملي لدعامتها.
وذلك ما سبغدو واضحاً بقولنا أن الأطراف "ن"، أي متغيرات الوظيفة الإنسانية، تشكل طبقة متجانسة، ولا تخضع لتقسيم آخر سوى ذلك الذي تدخله النشاظات الذاتية المنبعثة عن الواقعة والمفكر بها عبر إجراء الوفاء. وبصورة خاصة، تبتعد كل حقيقة عن أي تحيز فالحقيقه هي ما وراء-إنحيازية. وفي الواقع، أنها الشيء الوحيد الذي لا يناحز. ولذلك هي توليدية. لقد حاولت في كتابي "الكينونة والواقعة" تقديم إنطولوجيا عن صفة الحقيقة هذه.
فأنا أدعي، في آن معاً، بأن إنفصال الوضعيتين جذري، وليس ثمة من موقف ثالث. وبالرغم من ذلك، ما ينتج عن الحقيقة توليدي، أي أنه يفلت من كل إنفصال إنحيازي.
الحب هو بدقيق العبارة الموقع الذي تتم فيه معالجة ذلك التناقض.
يجب علينا تحمل جميع نتائج قول كهذا. إذ أنه يعني أولاً بأن الحب عملية ترتبظ بتناقض. ولا يسعى لتبديل ذلك التناقض، بل يعالجه. أي أنه يجعل من التناقض نفسه حقيقة.
فالتشاؤوم الشهير المتمثل بمقولة : "يموت الجنسان كل على جانبه" هو, في الواقع، قانون ظاهري، أو قانون لا متناقض للأشياء. ذلك لأنه لو بقينا على مستوى المواقف (إذا ما ستثنينا الإضافة الوقائعية، أي الصدفة المحضة)، فأن الجنسين لا يكفان عن الموت كل على جهته. بالإضافة إلى ذلك، وتحت تأثير رأس المال، المنشغل بالفارق ما بين الجنسين بإعتباره شؤوم، تظل الأدوار الإجتماعية لا متميزة. فالبقدر الذي يظهر به، دون بروتوكول ولا توسط، قانون الإنفصال، بالقدر ذاته يموت الجنسين، اللامتميزين عملياً، كل على جانبه. فهذا "الجانب"، الذي غدى لامرئياً، يزداد ضغطاً، ويرتد بذاته لطبيعة الإنفصال الكلية. فعرض الأدوار الجنسية، وتكبيل الأطراف "ن" ضمن طبقتين ظاهريتين، أي "ان" و"ام" ليست تعابير عن ذلك الإنفصال، بل مساحيقه الخارجية، توسطاته الملتبسة، التي تتحكم بها أنواع مختلفة من الطقوس الإسنادية وبروتوكلات التقريب. لكن لا شيء يتوافق مع رأس المال أكثر من الأطراف "ن". تزيح مجتمعتنا، حينئذ، مساحيق الإنفصال الذي أصبح لامرئياً، من دون إستعراض توسطي. من هنا مصدر تلك اللاتمايزية الظاهرية التي تلحق بالوضعيتين الجنسيتين، والتي تترك الإنفصال يتجسد كما هو. موقف يشعر كل واحد منا بأنه يقتل فيه تلك الإنسانية الممكنة، ويحرمه من القبض على ذلك الـ "ن" المتولد عن وفاء حقيقي.
يكشف الحب عن نفسه، آنذاك، كمقاومة لقانون الكينونة. ونبدء نحن بفهم أن الحب لا ينظم "طبيعياً" العلاقة المزعومة بين الجنسين، بل يجعل من لا-ترابطهما حقيقة.
يجعل من الإنفصال حقيقة ويضمن واحد الإنسانية
لهذا لا بد من التمييز الواضح ما بين الحب والزوج. فالزوج هو ظاهر الحب من أجل ثالث. أي عد الأثنين إنطلاقاً من الموقف الذي يكون فيه ثالث. بيد أن ذلك الثالث، ومهما يكن، لا يجسد وضعية منفصلة، أو وضعية ثالثة. فالأثنان اللذان يعدهما الزوج، إذن، هما غير متميزان، وغريبان تماماً عن أثني الإنفصال. أن الوضع الظاهرتي للزوج، الخاضع لقانون خارج عن قانون العد، لا يقول أي شيء عن الحب. فالزوج لا يدل على الحب، ولكن حالة (أو الحالة) الحب. فهو ليس التقديم الحبي، ولكن التمثيل. لأن الزوج غير ممنوحاً للحب، ما دام قد تم عده من وحهة نظر ثالث. أما في الحب، فليس هناك من ثالث، وإثني الحب بعيدين تماماً عن كل عملية عد.
إن لم يكن هناك من ثالث، فعلينا إذن تعديل المقولة رقم 1، حتى تصبح تعابيرنا أكبر دقة :
1 مكرر : هناك وضعية ووضعية .
فـ "واحد" و"واحد"، لا يشكلان أثنان، لأن كل واحد منهما غير متميز، بالرغم من إنفصاله جذرياً عن الآخر. وبصورة خاصة، ليس ثمة من وضعية-واحدة تحتوي تجربة الآخر، إذ سيغدو ذلك تبطين للأثنين. تلك هي النقطة التي دفعت دائماً بالمقاربات الفينومنولوجية للحب بإتجاه ظريق مسدود : فإذا كان الحب هو "الشعور بالآخر كآخر"، فهذا يعني أن الآخر قابل للضم، بفضل الشعور، في ما هو مثيل. وإلا كيف يمكن فهم قدرة الشعور، والتي هي محل توحيد الذات بإعتبارها ذات-مثيل، إستقبال أو تجربة الآخر كآخر.
لذلك، لا تمتلك الفينومنولوجية سوى إمكانيتين :
- أما أنها تضعف الغيرية. وهذا يعني، وفقاً لتعابيري الفلسفية، إبطال شمولية الإنفصال، وبالتالي جعل إنقسام رجل/أمرأة مشاطرة للإنساني الذي يختفي فيه الجنس؛
- أو القضاء على الهوية. ذلك هو الطريق السارتري : الوعي بمثابة عدم، فهو لا يشكل موقفاً وعياً لنفسه، لأنه وعي "لذات"، وعي لا-نظري للذات. لكننا نعرف، في ضوء تلك الشفافية المحضة، ما الذي سيغدو عليه الحب عند سارتر: مرواحة دائمية ما بين السادية (جعل الآخر موضوع-ذات) والمازوخية (يكون المرء نفسه موضوع-ذات للآخر). وذلك معناه أن الأثنين ليسا إلا لعبة بيد الواحد.
فلكي نحافظ على الإنفصال, وبالتالي القول بأنه ينطوي على حقيقة، يجب علينا الإنطلاق من الحب بإعتباره مسار, وليس من الشعور الحبي.
سنقول، آنئذ، بأن الحب هو بالدقة : بشارة الأثنين بحد ذاتهما، مشهد الأثنين.
لكن علينا الحذر : مشهد الأثنين هذا لا يشكل كينونة الأثنين التي تفترض ثالث. لأن مشهد الأثنين ذاك عمل، سيرورة. ولا وجود له إلا بإعتباره مسيرة في الموقف، ضمن فرضية وجود الأثنين. فالأثنان عامل إفتراضي، عامل تحقيق إتفاقي لذلك العمل، أو تلك المسيرة.
أن وجود فرضية الأثنين بالأصل وقائعية. فالواقعة هي إضافة الصدفة، التي نطلق عليها إسم لقاء إلى الموقف. لا تتحق الواقعة-اللقاء، بطبيعة الحال، إلا عبر شكل خاطف، أو آيل على الإضمحلال. كذلك، لا يمكن تثبيتها إلا بتسميتها، وبأن تلك التسمية هي بمثابة إعلان، الإعلان عن الحب. أما الإسم الذي يطلق ذلك الإعلان، فينبثق من فراغ الموقع الذي يستق منه اللقاء إضافته المتواضعة.
ما هو ذلك الفراغ الذي يستدعيه الإعلان الحبي؟ أنه فراغ الإنفصال، اللا-مدرك. فالإعلان الحبي يخلق لغة يتم تداولها في الموقف، متولدة عن مسافة الإنفصال، ما بين وضعية الرجل ووضعية المرأة، الآخذة بالتلاشي. فـ "أنا أحبك" يقوم بلصق إسمين، أي الـ "أنا" والـ "أنت"، واللذان لا يمكن لصقهما، إذا ما أحيلا ثانية إلى الإنفصال الأولي. ذلك لأن الإعلان الحبي يثبت اللقاء إسمياً وكأن فراغ الإنفصال هو ما يشكل كينونته. فالأثنان الحبي هو بالدقة إسم الإنفصال المدرك بإعتباره كذلك.
الحب هو الوفاء ال
قيم هذا المقال
أرجو أن يكون باستطاعتي نقل وإعادة ما كتبه الشاعراللبناني الكبير :
"أنسي الحاج" عند صدور كتاب :'إنجيل شخصي" للشاعر اللبناني اللامع:
"عقل العويط" قائلاً :"الشعر هو ما ...
روعه اكثر من ما في الخيال
روعه لاغير
ليت ان يكون لسانك لدي حتى يكون سلاحي الناعم فاكون محبوبا في قلب ما احب
الدكتور جميل حمداوي
ساحة البوح المسرحي الاستثنائية
انت ملاذ نبيل مجبول بطرائزية اخاذة لجل الطروحات النقدية في فن المسرح ومظلة تنظيرية مهمة يستظل تحت وراثتها الجليلة مراتع ...
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك