الرئيسية »  الـنــقـد»  هموم في متحف الذاكرة الفنية العراقية

هموم في متحف الذاكرة الفنية العراقية

عدد مرات المشاهدة :811 - 22/ 2/ 2009

وسيم بنيان

هموم في متحف الذاكرة الفنية العراقية

  

القسم الأول: (تشخيص الأزمة)

في مقالين قيمين للمخرج المبدع (قاسم حول1) يصفان مأساة (الذاكرة السينمائية العراقية) وتاريخها الصاخب وسينمائيوها خارج الإنصاف, يقودنا فيهما مباشرة بخبرته الطويلة وارصاداته وملاحظاته الدقيقة إلى إهمال عميق الخطورة وبعيد الغور في بنية الثقافة العربية بشكل عام, والعراقية بشكل خاص, إذ يؤشر لإهمال الذاكرة بطريقة يستشف منها بيسر وسهولة حجم المأساة والكارثة ولنستمع أليه يصف كيفية تعامل الأوربيين مع ذاكرتهم من خلال زيارة إلى أستوديو سينمائي في امستردام : (...شاهدت قسما كبيرا يعمل فيه عدد من الصبايا أمام أجهزة تصحيح الأفلام السينمائية من الخدوش التي تحصل على الفيلم السالب أو الموجب بنوعيها من قياس 35 و16 مليمترا, وأثار ذلك فضولي في وقت تتحول فيه التقنية حتى السينمائية عبر الفيديو والحاسوب وبرامجه الكثيرة والناجحة في العمليات الفنية والتوليف,. سالت مدير الأستوديو فاخبرني أن هذا جزء من تاريخ أوربا, عرفت بأنه في أوربا التي توحدت ثمة آلية تفصيلية في كل مناهج الحياة تسير باتجاه الوحدة الأوروبية ومنها الذاكرة وعندما سألته لماذا هذا جزء من التاريخ وليس كل التاريخ فقال لي: أن ثمة صندوقا اقر تأسيس الذاكرة الأوروبية وقام بجمع كافة الأصول السينمائية السالبة والموجبة وبفعل التقادم والأحداث التي
مرت بها أوربا ورغم العناية غير العادية بالوثيقة السينمائية فان الكثير من الأفلام تعرضت لتلف جزئي فالوثائق التي ليس لها أصول سالبة ( reversal) التي كانت تعرض مباشرة بعد الإظهار, أو الأفلام الموجبة التي فقدت أصولها السالبة أو الأفلام السالبة التي تعرضت للرطوبة أو للحرارة عبر تاريخ أوربا القديم منذ نهاية القرن التاسع عشر, هذه الوثائق تشكل تاريخا وذاكرة للشعب الأوربي وللقارة الأوروبية وفيها من الأحداث الخطيرة ما يشكل ذاكرة التاريخ , وقد تم تقسيم كل هذه الوثائق الكثيرة والهامة على كافة استوديوهات أوربا بالتساوي للمباشرة بترميم وترتيش تلك الأفلام ), يحق لنا الانبهار بهذا الجهد الهائل والإصرار الثابت وللتذكير (من نهاية القرن التاسع عشر), ولا يقتصر الأمر على ذلك بل- وهذا فقط لكي نتأمل عمق مأساتنا- وكما يستمر( حول) مذكرا بان هذه هي العملية الأولى وتوجد هناك عمليات أخرى من نقل الأصول على الذاكرة الخارجية للحواسيب إلى حفظ الأفلام وغيرها من الأمور, ولنقفز ألان لصورة تختلف قليلا جدا عن صورة (الحفظ ذاكرتي) الأوربي - بالمناسبة بما أنى احب التحريف فقد حرفت كلمة( قليل جدا) فلا توجد أي كلمة تصف البعد الحقيقي بين الصورتين- يقول (حول): في عام ( 1973 ) زرت جمهورية اليمن الجنوبية السابقة والتقيت وزير الثقافة آنذاك عبد الله باذيب .. خبرني بان ثمة علبا سينمائية يعلوها الصدأ مرمية في سرداب تابع للوزارة وطلب مني أن ابحث في هذه العلب التي لا يعرفون ماذا في داخلها, عندما دخلت السرداب لم يكن الأمر سهلا., فالعلب يعلوها الصدأ والكمية كبيرة والغبار يشكل طبقة فوقها فطلبت علبة واحدة افحصها كعينة.. مسحت الغبار عن العلبة وفتحتها.. قررت وبحذر شديد أن اعرض منها دقيقة واحدة .. كانت اللقطات الأولى لجنود بريطانيين .. ثم شاهدت لقطة لسلطان يمسك بيده عصا وفي نهاية العصا راس كبير من القار الجامد تبرز منه أطراف المسامير المدببة .. فهمت لاحقا بان هذه العصا هي وسيلة الإعدام... خبرت الوزير بأهمية الوثائق وسألته لماذا هي مرمية وصدئة...), نستطيع طبعا بعد هذين الصورتين أن نعرف الفارق التخزيني بينهما, ومن عمق سراديب ذاكرة الشعوب العربية السينمائية ومن غبرة أتربتها وصدئها نتحول مع (حول) إلى الذاكرة السينمائية العراقية, لنرى ما في جعبة الأقدار من أخبارها: ( وفي العراق..أحرقت الدولة الشمولية وثائق العراق للفترة من الرابع عشر من تموز 1958 حتى الثامن من شباط عام 1963 باعتبار تلك الفترة كان يتزعمها عبد الكريم قاسم وبعد أن اعدموه في دار الإذاعة اعدموا سجله المرئي كاملا فاختفت مرحلة هامة موثقة من تاريخ العراق وفيها تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية, ولم يتبق منها سوى بضع لقطات متوفرة في وكالات الأنباء المصورة , وبعد احتلال العراق ..تم إحراق كافة الأفلام العراقية في مخازن مؤسسة السينما العراقية ,الأفلام الوثائقية والروائية المنتجة منذ بداية الأربعينات وحتى بداية الاحتلال... ) , ينتقل (حول) في المقال الآخر إلى إهمال السينمائي العراقي عربيا ويبدأ غارزا مسامير تاريخية في جغرافية الذاكرة, إذ يذكر المعنيين بكل أدب ولطف بالكرم العراقي الذي كان ولا يزال فياضا مهما اختلفت الظروف والأحوال في شتى المجالات ولأنه سينمائي يلج من باب الذاكرة السينمائية مستذكرا ومذكرا: (في عام 1964 تأسست في العراق الشركة العراقية المصرية للإنتاج السينمائي ...وكان راس مال الشركة يتكون من نسبة واحد وخمسين بالمائة حصة العراق, وتسعة وأربعين بالمائة حصة مصر, ومن أهداف هذه الشركة توزيع الأفلام المصرية في العراق وتوزيع الأفلام العراقية في مصر,كان معدل إنتاج الأفلام السينمائية في مصر من مائة إلى مائة وعشرين فيلما في العام الواحد فيما إنتاج الأفلام العراقية فيلم واحد في كل عامين, ومع هاتين النسبتين غير المتكافئتين فان كافة الأفلام المصرية قد تم شراءها فيما لم يتم شراء ولم يعرض فيلم عراقي واحد في مصر,وقد وضعت الشركة في خطتها إنتاج أول فيلم عراقي مصري مشترك تموله الشركة والتي مقرها العراق هو فيلم ( قطر الندى) لكن الفيلم كان مجرد إعلان وإعلام ولم يتم التحرك في إنتاجه ولا حتى في كتابة السيناريو... وقد لعب الكثير من الممثلين المصريين والعرب من سورية ولبنان وفلسطين أدوارا في الأفلام العراقية المنتجة أبان فترة السبعينات إضافة إلى فرص إنتاج الأفلام الوثائقية العراقية.. كان يستعصي على بعض المخرجين العرب كتابة المعالجة السينمائية لعدم معرفتهم بطبيعة الواقع والمشكلات العراقية فكان زملائهم العراقيون يعمدون لكتابة الموضوعات الوثائقية ويقدمونها باسم المخرجين العرب لكي تتاح لهم فرصة العمل والإنتاج, أما في مجال الأفلام الروائية فقد نفذ المخرجون المصريون على سبيل المثال أفلامهم بميزانيات خرافية في مجال الإنتاج السينمائي العربي ... كانت ميزانية فيلم (القادسية) للمخرج (صلاح أبو سيف) اثنين وثلاثين مليون دولار وتقاضى مخرج الفيلم أجوره في الإخراج مليوني دولار, في حين كانت أجور المخرج العراقي بحدود سبعة آلاف دولار... ومن يشاهد الأفلام العراقية سيجد أسماء كثيرة من الممثلين المصريين والعرب, وكانوا يتقاضون أجورا خيالية فيما الممثل العراقي كانت أجوره لا تتجاوز الألف دولار في الفيلم, كل هذا ولم تفتح العين الحاسدة ولا الشفاه واللسان المعاتب ... وطوال حقبة حكم الدكتاتور لم يتسلم ولا سينمائي عراقي مهاجر واحد دعوة للعمل في البلدان العربية, بل لم يتسلم سينمائي عراقي مهاجر واحد دعوة لحضور مهرجان سينمائي... كانت الدوافع المعلنة أن البلدان العربية على علاقة سياسية مع نظام الدكتاتور الحاكم ويتعذر على تلك البلدان رعاية السينمائيين العراقيين باعتبارهم معارضين للنظام, سقط .. الدكتاتور... وسقطت ذريعة عدم رعاية السينمائيين العراقيين من قبل مؤسسات السينما العربية ومهرجاناتها, وسقطت أيضا ذريعة القنوات الفضائية العربية التي امتدت في سماوات الشرق الأوسط, وهي تحتاج إلى كم هائل من السينمائيين والأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية, لان التلفزيون فم جائع ممكن إن يلتهم التبر والتبغ على حد سواء, ولم يدع للعمل فيها أي من السينمائيين العراقيين الموجودين خارج العراق... السينمائيون العراقيون المنتشرون في أنحاء شتى من هذه الكرة الأرضية يستعصي عليهم الإنتاج السينمائي حتى في ابسط أنواعه وان اكثر محاولة يحصل عليها السينمائي العراقي في بلدان المهجر, أن يحصل على بضعة آلاف من الدولارات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لأنتاج شريط فيديو عن مشاكل الهجرة العراقية وهو نوع من التسلية السينمائية لا غير...), وسنترك سطور (حول) المدوية والتي سنعود إلى متابعة جوانبها الأخرى لاحقا, لنتوسع قليلا في إنتاج الفيديو العراقي المشار أليه في نهاية الفقرة أعلاه, فتحت عنوان (فيديو عراقي2) يأخذنا (حسن بلاسم) بانطباعه القيم عن الموضوع , ليحرضنا من ثم على استكشاف مساوئه, والحديث عن أشرطة الفيديو له ما يبرره ويرجح التأمل فيه حيث أن السينما العراقية معطلة منذ زمن بعيد كما يعرف المتابعون وكما يشير (حول) ويتابعه (بلاسم) , وإذا كان الأول يصف اغلب الأعمال الفيديوية بأنها نوع من التسلية السينمائية لا غير, فان الثاني يتفحص القضية بشكل اعمق ويلح- ومعه الحق- على التعريف بالمغزى المبطن الذي يستتر في حمى هذا الإنتاج المتكاثر فيقول: (..فالمهرجانات هي أيضا أسواق.. تصر اليوم على طلب الأفلام العراقية لأغراض عاطفية أولا, تتعلق بدغدغة مشاعر الأوربيين الغاضبين على أمريكا, وتسويق الصورة القادمة من العراق وأي كانت جودتها, ولو كان بمكنة صناع الفيلم في أوربا أن يحملوا كاميرا تهم إلى العراق, لما كان هناك مجال لمنافسة أفلام الفيديو التي يصنعها الشباب اليوم في العراق .. يواصل صناع الفيديو في العراق العمل كمراسلين لإخبار الدمار ... هناك قضية بديهية اسمها شكل الفيلم , بينما اغلب أعمال الفيديو العراقية اليوم تحاول استغلال بشاعة الصورة في العراق فقط , في حين ينسى المبدع أن ظروف مثل ظروف العراق يمكنها أن تخلق أشكالا جديدة في التعبير, ولا يمكن حمل الجثة المحترقة من الشارع بطريقة مسالمة , فعين الكاميرا المبدعة ليست نقالة إسعاف ولا هي عين هذه الوكالة للأنباء ولا تلك ..), يقول أخيرا في مقالته, كفى بديهيات ياحسن, وأنا أقول: ليس كافيا وحقك ياحسن, فواقعنا المرير يؤشر جهلا فاضح وعجيب تتغومض في لجته البديهيات والضروريات, وسنمضي في تشخيص خراب الذاكرة الفنية العراقية تاركين التعليق لحيين بلوغ الخاتمة في قسم الدراسة الثاني والأخير, فنتحول الآن إلى (هموم تشكيلية عراقية3) زفر من همومها التشكيلي (علي النجار) الذي أثارت اهتمامه أسئلة حوارية طرحها عليه أحد مراسلي القنوات الفضائية, أسئلة تتعلق بمحنة التشكيل العراقي يقول بعد أن رسا الحوار على فاجعة حرق ونهب وتدمير محتويات (مركز الفنون) البغدادي:(أرجعتني الذاكرة إلى أيام تأسيسه الأولى في بداية الثمانينات من العام المنصرم .وحسب الروايات الموثقة أنشئت بنايته كمركز تسويق في شارع حيفا من الكرخ في بغداد.وتشاء الصدف أن يمر وزير الثقافة من أمام المبنى وبمعييته بعض التشكيليين المتنفذين,وكان مقترحا من قبلهم للوزير, أن يحاول الحصول على هذا المبنى الحديث ليحول إلى مركزا أو متحفا للفنون التشكيلية , بما إنها مبعثرة في اكثر من مبنى لا تصلح أساسا كمتاحف, ويتم فعلا تحويل هذا المبنى في عام ( 1986) إلى (مركز الفنون)... ولسعة المنجز التشكيلي العراقي وتنوع تجاربه فقد احتوى هذا المرفق الحضاري أمثلتها المختلفة, وكان يمثل اكبر مجموعة انتقائية تشكيلية عراقية على مدى نضج الحداثة العراقية وما قبلها .. وكان مركز الفنون البغدادي من أهم المتاحف التشكيلية العربية الحديثة على قلتها, في التاسع من نيسان عام (2003) تبخر مركز الفنون ولم يبقى منه شيئا, كيف حدثت الجريمة بعد دخول القوات الأمريكية بغداد ؟ وهل هي جريمة منظمة؟ ومن الفاعل أو الفاعلون..؟ وأين حماية مرافق الدولة الرسمية والثقافية والتي هي ملك للشعب من قبل المحتل أو(المحرر) ... فاعتقد بان نهب حصيلة التشكيل العراقي للمائة عام الماضي أو اكثر بقليل, ساهم فيه اكثر من طرف خبيث, أن كان وراء ذلك أجندات تهدف إلى نسف الموروث والذاكرة الثقافية العراقية وبهذه الفجاجة التي لا مثيل لها حتى في الزمن النازي, فهل اختلفت أم اختلت الأزمنة؟...), نعم أيها (النجار), إن كل شيء يختلف ويتغير ما عدى تكرار الأخطاء العراقية مهما تعددت التجارب, حتى إننا نستطيع أن نؤشر براءة اختراع (استنساخ التكرار) وبكل فخر للمجتمع العراقي حصرا, دون أن يجارينا أو يقترب من كفاءتنا أي منافس من دول العالم الثالث فضلا عن المتحضر, ويضيف النجار تحت عنوان (تجربة شخصية) من نفس المقال: (في عام 1997 وقبل خروجي نهائيا من العراق بأشهر قليلة, تفاجأت بعرض إحدى لوحاتي الزيتية والتي هي من مقتنيات مركز الفنون المتحفية, في إحدى قاعات العرض الخاصة في بغداد, وطلبت من صاحب القاعة أن يريني الختم المتحفي الموجود في خلفيتها , بعد تفحصي لها وجدت أن موضع الختم تعرض للإزالة بمادة قاصرة تركت أثرها على مربع مساحته , وحينما نبهته لذلك , اقر بصلافة بأنه اقتناها من شخص ما ( صاحب القاعة هذه , هو ألان أحد رموز التشكيل العراقي الفاعل في العراق الجديد)..., وبالنسبة لمركز الفنون السابق يقص علينا (النجار) خاتمته التراجيدية كالتالي: (... كانت هذه البناية شؤما على النتاج التشكيلي المخزون في مخازنها التحت أرضية, والتي نهشتها فاجعتين: الأولى نزيز البترول الذي تسرب من محطة الوقود المحاذي للبناية , والثانية نزيز مياه دجلة الذي تسرب هو الآخر من النهر القريب , وتعفرت الرسومات والمنحوتات بهذين السائلين السماويين لحد تفتت العديد من الرسوم الزيتية , سواء للرواد (رحمهم الله أو للأجيال اللاحقة), وهذا يعني أن الأعمال التشكيلية التي سلمت من المافيا التهريبية واللصوص , وقعت ضحية أو انتقام البناية نفسها , وهكذا نحن (بناة الحضارات الصلبة) لا نستطيع أن نبني الهش من أعمال حضارتنا الحديثة ...), من الطريف جدا أن يصبح ارثنا التاريخي الفني وذاكرتنا الحضارية بين رحمة ألـ (نزيزين) فقد اصبحا من النعم العراقية العظيمة بعد الرافدين ولله الحمد.
واخيرا وليس أخرا لنواصل استعراض مآسينا والبوح بهمومنا ولننطلق مع (ناظم السعود) هذه المرة ومن خلال مقاله (مطلوب مولدة لثقافة العراق4) جاء فيها:(تملكتني الدهشة الممضة وأنا أطالع في (الصباح) تحقيقا صادما بل فاضحا لمأساة المكتبة المركزية في جامعة بغداد ... وأنا اقرأ تفاصيل ما جرى ويجري لأهم مكتبة ثقافية وعلمية وأكاديمية في العراق .. هي مؤسسة رصينة تكاد تحتل مكان الريادة بين عموم المؤسسات الأكاديمية والثقافية النظيرة وقد أصبحت منذ عقود مرجعا رئيسيا للباحثين وطلبة الدراسات العليا وعموم المثقفين ...ومنها شعت الثقافة واغتنى التعليم في العراق لمدة ناهزت الخمسين عاما , ومثل أي جزء أو مفصل في الحياة العراقية, كان للمكتبة نصيبها من تلك الزلازل والفواجع التي هزت العراق من نيسان 2003 فقد أصابها ما أصاب بقية المؤسسات من الدمار والنهب والحرق وهيمنة اللصوص, غير أن ماجرى بعد ذلك للمكتبة العامة لم يحدث لغيرها...وكان من المأمول للمكتبة أن تولد ولادة ثانية..ولاسيما بعد أن رصدت الميزانيات المليارية ثم الترليونية لاربع سنوات متتالية , لكن تحقيقا ميدانيا جريئا كالذي قرأته قبل أيام أعادني بقوة إلى صورة أخرى هي غير معلنة أو معروفة لولا انتباهه صحفية ذكية , وفي التحقيق ثمة ما يخجل ويخدش الذات الثقافية والوطنية ..هناك تفاصيل عن الحال الفاجع الذي يوشح المكتبة المركزية باسوا المظاهر وأكثرها خزيا وإدانة , وهنا اسأل ولا انتظر جوابا:هل هناك حالة موجعة اكثر من أن تعيش المكتبة حالات من الظلام (السرمدي ) بسبب انقطاع التيار الكهربائي عنها ؟ ..وهل نصدق أننا في القرن الواحد والعشرين ونجد اكبر مكتبة علمية وثقافية في العراق وقد أثقلت كاهلها الأوساخ وسخام الحرائق والأتربة المتراكمة حتى أن المطالعين والموظفين يستخدمون كفوفا واقية ومصابيح يدوية للتجوال في العتمة بحثا عن كتاب أو مرجع أو أطروحة علمية, على أن السؤال اللجوج الذي يرد هنا ولا يمكن أن يرد ألا في ارض السواد:المكتبة تعود إداريا إلى وزارة التعليم العالي , فهل من الصعب على وزارة إن توفر (مولدة) كهربائية لأعادة الحياة المنهوبة والمعتمة في اكبر واقدم مكتبة جامعية؟ وهل من المستحيل إن يحصل المسؤولون في وزارة التعليم العالي على (كبل) مناسب لربط المكتبة بخط الطوارئ الذي لا يبعد عنها سوى أمتار معدودة ؟ ثم كيف تكون هناك وزارة حقيقية للتعليم العالي وفيها مكتبة مرجعية (غاطة) بالأتربة والظلام والسخام...), اكتفي بهذا القدر من جولتي الاستعراضية في تشخيصات خرائبية للذاكرة الفنية العراقية بمختلف أقسامها لتكتمل صورة الخراب الاقتصادي والاجتماعي والتدميري على سطح الواقع السياسي الاجتماعي في عراق اليوم المتهاوي نحو هاوية اخطر أن لم يتم الإسراع في احتواء الأزمات الحالية ومحاولة إصلاحها من العطب , وما دمت وصلت إلى ضفاف الخاتمة لابد إن أضيف لبنات أولية ستكون بمثابة مدخل ومقدمة للقسم الثاني من هذه الدراسة والتي ستنشر لاحقا- بعون الله- ولابدا ذلك:
من خلال العرض الموجز والسريع لنصوص المقالات التي اخترتها كمصدر استعين فيه على تحديد ملامح الدراسة المتواضعة هذه ,لابد وان تثار في الذهن أسئلة عن المصادر من جهة وعن مجمل الدراسة من جهة أخرى , وعلى الرغم من أن الدراسة ستخصص قسمها الثاني المعنون(بعض المقترحات والحلول) للإجابة على اغلب الأسئلة المثارة أو التي ستثار, لكن لابد من الإجابة على الأسئلة الأساسية في هذا القسم من الدراسة لرفع الالتباس وإزالة بعض ما قد ينتج من عدم فهم المرمى من وراء هكذا موضوع وهكذا دراسة,وسأنفتح على ذلك من خلال مقالة (إبراهيم ياسين) المعنونة:(هل للمثقف العربي عذر؟5) لأنها تستبطن الكثير من الأسئلة التي قد تثار- كما قلت سابقا- على قصدية الدراسة وغايتها , ومن جهة أخرى أجد فيها علاقة لموضوعة الدراسة خصوصا في قسمها الثاني الذي سينصب على تشخيص العلاج , فان معرفة المرض أو تشخيص الكوارث الطبية أو الاجتماعية هو نصف الحل كما يعرف الجميع , وتشخيص العلاج المناسب هو النصف المتبقي كما لا يخفى , يتساءل إبراهيم في مقالته:( يطالب البعض من حين إلى حين هذا المثقف بان يتحمل مسؤليته وألا اتهموه بالجبن والتقاعس ..والانبطاح والخنوع والخضوع والقوا عليه شتى الأسماء والنعوت التي تجود بها لغة الضاد ...يطالبونه بان يتحمل مسؤولية لم يستطعها الحكام والقادة ...اهو رسول أوحي إليه واسند بالمعجزات ؟ أم هو من وماذا؟...وهو بعد ذلك يحاول أن يكتب مقالة هنا أو مقالة هناك؟...ما المقصود بالمسؤولية؟ أهي أن يسب الحكام والمسؤولين؟ أم أن يوزع الرغيف على الفقراء والمساكين؟ , إن اغلب من يكتبون ويبدعون في الوطن العربي موظفون يتقاضون رواتبهم من الدولة , فمن هو هذا الموظف الذي صانه إبداعه عن العمل والتكسب , وبالتالي عن الخضوع للترقيات المزيفة...فكيف يتحمل الأمانة من أنهكته متاعب الدهر ومصائب الزمان والمكان, ؟ هذا المثقف تحاصره الدولة بكل الوسائل من التهديد والترهيب والقمع؟إلى التفقير والتجويع ..تحاصره وسائل الإعلام بسفا سف الأمور, يحاصره القارئ الذي لا يقرا ,..يبحث عن البهرجة والصور الفاضحة, ..يكتب ليلا ونهارا , ودور النشر تغلق أبوابها ونوافذها في وجهه ...وتفتح أبوابها لغثاء السيل على غرار:التداوي بعسل النحل , ومحاربة الجن , والشياطين وكتب الأبراج...,..ظاهرة المدونات :نموذج مدونات مكتوب أو جيران ..أبدا من حيث شئت : اكثر الادراجات ...مدونة غريبة تحمل عنوانا يثير التقزز أن كنت جائعا..)
هذا ما أردت عرضه من المقال المشار أليه قريبا , وفي الحقيقة أن المقال تتداخل فيه آراء وأسئلة متنوعة ومتعددة مما يقتضي تعدد الأساليب في نقده والرد عليه, لكني سأكتفي بموضع الحاجة منه وبداية اظهر أسفي الشديد على هذا الكلام فكما يبدو أن كاتبه مثقف فلا يليق به أن يقع في هكذا مز الق لا تحمد عقباها , وأنا أرد على الزميل العزيز ببعض النقاط التي كان يتوجب عليه أن يضعها في حسابه كما وأني أرد على غيره إذا أثيرت في مخيلته بعض الإشكاليات المشابهة على هذه الدراسة أو غيرها فاقول : من هو هذا البعض المطالب (يا إبراهيم)؟ أن كان من المثقفين المحترمين والذين لا يحملون نوايا سيئة أو توجهات أيدلوجية معينة , يجب التحاور معه ثقافيا ومحاولة فهم مغزى طلباته إذ لا يعقل أن يطالب المثقف أن كان حقا مثقف واعي وهادف , مثقفا آخر بحمل السيف ودخول الحرب , أو الخوض في صراعات ونزاعات ومهاترات مذهبية أو عرقية أو حزبية ,أو حتى ثقافية فنية تحاول أن تتبنى فرض القناعة بالقوة والمغالطة, ولعل هذه المطالب هي الماثلة في ذهن كاتب المقال- وألا فما معنى الاتهام بالجبن والتقاعس إلى آخر ما جاء من أوصاف البعض للمثقف, وان كان هذا البعض من الجهال والإمعات والرويبضات فان الدنيا مليئة بهم مع شديد الأسف وهؤلاء أن كانت مطالبهم شخصية وفقا لنوازع نفسية خاصة, فهم بالإهمال والترك أولى , بل على كل مثقف واعي وصاحب مشروع إصلاحي أو تنويري تجديدي أن يتوقع ثورتهم وهياجهم ونفورهم وكما جاء في الحكمة العلوية:(رضا الناس غاية لا تدرك) ,وان تدخلوا في قضايا خطيرة وكبيرة عن وعيهم وإدراكهم توجب على المثقف صدهم بقوة مبينا مغالطاتهم وأوهامهم حتى يضع الجاهل في حسابه أن هناك من يتصدى للجهل ويرد عليه وليست الثقافة أمرا مسليا يمكن لأي أحد ادعائه والخوض فيه سلبا أو إيجابا, وشخصيا لا أدري أين يصنف (إبراهيم) مطالبة البعض التي يفتتح فيها مقالته , وهل هي دوما خاطئة وغير واقعية يا ترى ؟ أم أنها مطالبة مشروعة في اكثر الأحيان, وقبل الإجابة لنمضي إلى باقي فقرات المقالة , صحيح أن مسؤولية المثقف لا يستطيع تحملها حتى الحكام والقادة أيها العزيز ,لأنها من اختصاص المثقف عبر ما يمتلكه من لسان ووعي وقلم وفكر ينفتح من (الأنا) ليفيض على(أنت) ومن ثم على الكون والحياة ,المجتمعات مسؤولية من يا (إبراهيم) أن لم تكن مسؤولية المثقف والفنان والأديب والشاعر , القادة والحكام يا عزيزي لهم حروبهم وشؤونهم وصراعاتهم , انهم لا يرون حل بغير السلاح والحرب والتدمير , وان افترضنا المثقف أو الفنان بشكل عام رسول أو نبي كما تتساءل, فهو غير معفي من مسئوليته أيضا سواء أوحي إليه أم لم يوحى , وأنت وأنا واغلبنا يعرف ما لذي تحمله المرسلون في سبيل الحفاظ على مبادئهم من عذاب وصراع بل وحتى إهانة واحتقار من التافه والوضيع ,فلماذا تفرض أن الموحى إليه بلا مسؤولية ومعفي عنها , ثم أن للفنان وحيه الخاص- بمعنى من المعاني - وله رسائله وأهدافه أيضا أليس كذلك يا إبراهيم؟ أما سؤلك من هو أو ماذا-أي المثقف-؟, فهذا سؤال تختلف عليه الأجوبة ولا تجتمع عليه الآراء وهو يذكرنا بسؤال, ما هو الأدب؟ولماذا نكتب ؟ وعلى أي حال كل واحد حر في أن يشكل هويته وماذويته بحسب ما يحسنه ويجيده ويصطبر عليه,وليست المسؤولية أن يسب الحكام والمسؤولين , وأنا أجلك على أن تحتمل ذلك يا إبراهيم , فان السب يجب أن يترفع عنه عامة الناس فضلا عن المثقف والأديب كما وانك تعلم هذا ولابد, إما استفهامك عن توزيع الخبز على الفقراء والمساكين باستغراب, فهو ليس في محله أيضا, فهذا من المسؤوليات الإنسانية العامة التي يندرج فيها المثقف وغيره كل مافي الأمر أن المثقف مسؤولا اكثر إذ هو يعي جيدا تأثيرات الجوع على الموهبة والعقل ومن ثم على المنجز الإبداعي, وان كان الأديب والمثقف النزيه لا يمتلك الكثير من الخبز كما هو حاصل فعلا , فانه مكلف بتوزيع أرغفة الإبداع والمعرفة والثقافة كما هو واضح , أما اغرب واعجب ما تسأل عنه ,فمن هو الموظف الذي صانه إبداعه عن العمل والتكسب ..عن الخضوع للترقيات المزيفة, فاعلم يا إبراهيم أن هناك الكثير ممن صان نفسه عن الخضوع للترقيات المزيفة التي تقول بها, وان لن يصنه إبداعه عن الرزق فكما ورد: (الموت أولى من ركوب العار), وأنا لا أتحدث بطوباوية أو مثالية فهناك الكثير يا عزيزي ممن احتمل كل شيء من اجل أهدافه ومبادئه وان شئت اعدد لك قائمة طويلة بأسماء المثقفين والأدباء والفنانين وخصوصا العراقيين الذين هاجروا ولازالوا إلى خارج أوطانهم لأنهم لا يريدون لمبادئهم ومشاريعهم الفنية أن تخضع للترقيات المزيفة , صدقني يا إبراهيم, والسؤال الغريب الآخر الذي لم افهم المناسبة من إيراده , ألا إذا كان في إيراده تذكير بفلسفة الخنوع والاستسلام للقدر بسلبية ليس لها ما يبررها, وألا ماذا يعني السؤال عن كيفية تحمل الأمانة بالنسبة لمن أنهكته متاعب الدهر ومصائب الزمان والمكان , ربما تعرف كما يعرف الجميع أن ليس هناك بلد عربي على الإطلاق مر بما مر به العراق -باستثناء فلسطين في بعض الوجوه- وشعب ومثقفو العراق, ومع هذا لن نسمع حسب معرفتنا بمن قال منهم باني لا أريد ولا أستطيع تحمل المسؤولية لأني منهك بمتاعب الدهر ومصائب الزمان ,ثم بالنسبة إلى المثقف الغير مهجر والذي يعيش في بلد عربي تحاصره الدولة بكل الوسائل من التهديد..الخ ,هل هذا الشيء جديد يا ترى؟ وهل لم يشهد كل المثقفون في العالم وعبر تاريخ الثقافة الطويل فصول مشابهة له ؟ يقينا حصل ذلك وسيضل يحصل مادامت الشعوب نائمة عن حقوقها وغير واعية لمسؤولياتها وهذا ما نطرق مسماره باستمرار , ثم أننا لا نطالب ولا اعتقد أن أي مثقف أصيل يطالب بالكفاح المسلح والحرب مع أمريكا أو إسرائيل أو أعداء العروبة وغيرها من المسميات الشائعة في ثقافة (القوميين ) لكن نتحدث عن مسؤولية وأمانة المثقف وعلى حسب قابليته وقدرته , وفي خضم أي حصار وتجبر وتهديد وترهيب يستطيع المثقف والمبدع أن يخلق متنفسات ويجاهر بالرفض المباشر وغير المباشر وليس عليه أن يضل صامتا خانعا وإلا اصبح خارج المسؤولية الإنسانية والثقافية وشخصا كهذا لا شأن للثقافة والمثقفين به , وكم حاولت الدول لجم الكلمة ومحاصرة المبدعين عبر العصور ففشلت إذ أن الإبداع يفرض نفسه ويتسامى فوق الحدود والقيود والشواهد على ذلك كثيرة وبأساليب اكثر ,ما لذي حدث قبل وعقب الثورة الفرنسية حينما حوصر المثقف والثقافة هل توقف الإبداع خلال تلك الفترة العصيبة؟ أم انه اتخذ احتياطات تناسب المرحلة وتضمن نجاح المنجز واكثرنا يعرف حكاية (الرسائل الفارسية) (لمونتسكيو) وغيرها من التجارب الكثيرة , وبشان محاصرة القارئ الذي لا يقرا , والذي يبحث عن البهرجة والصور الفاضحة, فاعتقد أن هذه المشكلة يتحمل المثقف والأديب جزاء كبيرا منها فأحيانا- أن لم يكن غالبا- يكون المثقف والأديب والفنان بشكل عام جاهلا بالتمام لهموم ومتطلبات جيله وأبناء عصره فيحلق في أجواء غير أجوائهم ويتحدث بلغة غير لغتهم ويصف ثقافة غير ثقافتهم وقد أشرت لهذه النقطة في أحد المقالات* , أما الصور الفاضحة فهي من المشتركات بين المثقف وغيره والكاتب وغيره وليس من الإنصاف وصم القارئ وحده بها, إما دور النشر التي تغلق أبوابها في وجه المبدع فاعتقد أن هذا زمن ولى أوانه , إذ أن المواقع (الانترنيتية) الهادفة مشرعة أمام أي شخص في أي زمان ومكان ,وها أنا وأنت وغيرنا نكتب وننقد وننتقد ونحاور ونطالع في أي مكان وزمان حسب طاقتنا وشهيتنا الأدبية والفنية, ومن ثم اعتقد بان سلطة دور النشر قد أصبحت من أمور الماضي البعيد,إلا إذا كان شخصا ما لا يعد النشر على الانترنيت نشر حقيقي كما الكتاب فهذا شانه, إما أنا وغيري كثير فنعرف حلاوة النشر على الانترنيت بل ذهب البعض على التأكيد بان تجربة النشر (الانترنيتي) أهم وافضل من فضاءات الكتاب الضيقة , والخلاصة للكتاب لذته ودفئه وللانترنيت حلاوته وسرعته وعالميته , والمهم أن تصل المعلومة المفيدة للمتلقي وليس مهما طريقة إيصالها, إما بشان نشر الكتب المهتمة بالتداوي بعسل التمر ومحاربة الجن وكتب الأبراج , فعلى الرغم من أنى أعدها نتاجات غير فكرية ولا مفيدة ولاداعي لان يشغل الإنسان نفسه بها , إلا أني لست معنيا بان ادعوا لإيقافها حيث إنها مناسبة لبعض الناس وهم يجدون فيها إزجاء لرغباتهم وتفريغا لمكبوتاتهم ,وكما يقول (جان أودور) و (ميشيل كاسية) وهما فلكيان فرنسيان , ما مضمونه :(أن كتب الأبراج والجن والشياطين , بالرغم من أنها ليست علمية ولاعقلية أو ثقافية لكنها تناسب حال الكثير من الذين يقرؤها , فحتى ألا وهام يمكنها أن تعالج بعض الأزمات النفسية.) , إما بشان كتاب التداوي في العسل فهو يذكرني بكتاب (التمر غذاء ودواء) وهو من منشورات أدب فن , إذ اعترض أحد الأصدقاء عليه وقد اخبرني قبل مدة بان هذا الكتاب ليس مهما وما شان الثقافة بهكذا مواضيع , فاقول:صحيح انه توجد مواضيع أهم من ذلك بكثير لكن ذلك لا يعني إهمال هكذا نوع من الكتب فهي أيضا مهمة وضرورية , بل أن حتى أكابر الأطباء ابتدئوا يدركون أهمية الأطعمة وخصوصا العسل والتمر ويوصون بالتطبب بها فهي افضل من الأدوية الكيماوية ذات الأضرار الجانبية المعروفة , أما بشان ظاهرة المدونات , فليس المهم أن يقرا الناس كتابات الكاتب أو المثقف بل الغاية النشر ومسالة قلة القراءة لها ما يبررها في الوقت الحاضر إذ الطغيان التقني والصوري والسمعي طاغيا, فضلا عن مشاغل ومصاعب العيش وتحصيل الرزق التي تجعل المجتمع العربي يسمي من يهتم بالقراءة ب(البطران) كما في مجتمعنا العراقي الذي سيقول لك حينما يراك مهتم بكتاب أو موضوع ثقافي :(اشبع خبز أولا ثم أقرا) وهذا ناتج من ظروف اقتصادية مريرة يعلمها الجميع بالنسبة للقارئ العربي , وليس نتيجة لازمة في قابلية وذهنية المتلقي العربي إطلاقا, أما مسالة اهتمام القارئ بالمدونات التافهة التي قد يتجاوز قراء إحداها مئات الآلاف , فهذا شيء طبيعي عند كل شعوب العالم ولا فرق ألا في التفاوت الكمي , فالناس تحكمها أذواق وأمزجة مختلفة لا يمكن عدها بعد أو حصرها داخل إطار ما , وما ينبغي على المثقف والكاتب أن يهتم به هو الاعتناء بما يبدع وينجز ويحاول أن يأخذ بعقول الناس نحو الرقي والتطور برفق وشفقة , وليس على أي أحد أن يشغل نفسه بما هو متكاثر من السطحية وتفاهات الأمور فان هذا لا يزول ألا عبر تعاون أنساني كوني شامل وعلى كل مثقف أن يتحرك على قدر المستطاع بما يريح ضميره ويساعد على مواصلة إنجازه الذي يستبطن إبداعه ورسالته وكفاحه(وعلى الإنسان أن يسعى وليس عليه أن يكون موفقا) كما قيل, وبالنسبة لتصنيف الذي يلوم المثقف بأنه أما ليس مثقفا ولا تربطه بالثقافة أدنى رابطة ,فهذا ادعاء صحيح وهو ينطبق على من يلوم المثقف وعلى من لا يلومه فهناك دوما مدعين للثقافة وليسومن أهلها , إما القول بأنه مثقف وان السؤال المطروح عليه :ماذا صنعت أنت؟ هل حاسبت نفسك قبل أن تحاسب غيرك ؟ , فهو أسلوب كان الأجدر بالكاتب الابتعاد عنه فهو ليس أسلوب حضاري ولا ثقافي أولا , وهو غريب وغير وارد مطلقا , فنحن لن نسمع يوما أن جنديا رد على القائد الذي عنفه لأنه لم يقاتل كما ينبغي بان يقول له: وكيف قاتلت أنت ؟ أو انزل وقاتل بدل أن تلومني , ولم نسمع بلاعب كرة قدم يرد على مدربه أن وجهه أو عاتبه على بعض الأخطاء بان يقول له, وكيف تلعب أنت أو كيف كنت تلعب إلا عشرات الأمثلة, بالإضافة ألا أن هذا الأسلوب منغلق ومتصلب ويلغي الآخر بشكل مجحف إذ توجد خيارات غير الخيارين المطروحين لمن يلوم المثقف أو غيره , فهناك احتمال كبير على كون من يلوم يمتلك رؤيا متكاملة لمشروع تقدمي ما أو لمنهج فكري بعينه وهو قد يحتاج من يساعده ويقف إلى جانبه, وقد يخونه التعبير أحيانا فلا وجود للكمال في العمل المعرفي والفكري ,وعلى أي حال هناك اسمين ممن اخترتهما لمصدرية الدراسة وهما (قاسم حول) و (علي النجار) قد لامسا مساوئ ثقافية مريرة ضمن اختصاصهما وشرحا هذه المساوئ على سبيل الاعتبار والتنبه ولم يكتفيا بالكلام بل عمد الأول إلى التحدث بجرأة وصراحة عن مساوئ الإهمال الثقافي العربي معنفا المعنيين والمسؤولين بشكل واضح وبلا مواربة , ولو أنني لم أقرا أحد مقاليه في صحيفة (الشرق الأوسط ) بنفسي لما صدقت انه مكتوب في صحيفة عربية , إما الثاني فقد ابصر بأم عينه إحدى لوحاته المحفوظة في المتحف تباع في أحد المعارض , ورغم خطورة الحال في زمن الدكتاتور إلى انه تجرا ونبه الشخص المسؤول عن المعرض بالتلاعب الحاصل في ختم اللوحة الخلفي , ولم يكتفي بذلك بل انه ذهب لمسؤول أعلى ينبه بهذه الجريمة الفنية الخطيرة إلى أن حظه العاثر قاده إلى مسؤول عن الرشاوى لاعن الإبداع واخيرا ترك بلده مهاجرا بفنه وفكره بعيد عن تلك الطغمة الجاهلة , والباقين اعني (بلاسم ) و(السعود) فهما لا يلومان أحد ولا ينفخان في الأبواق بل انهما يسجلان انطباعاتهم عن بعض الأخطاء ويضعان الحلول المقترحة, وقبل أن انتهي من مقال (إبراهيم) انقل أخيرا عبارته التالية: ( أن ما سمي بالأدب الملتزم , والفكر, لا يعدوان يكون مدرسة أو اتجاها , فثمة مدارس ووجهات نضر أخرى لعل اشهرها :الفن للفن , فما الفرق أذن مادمت تكتب والقارئ غائب ..) ونحن نتفق مع (د.إبراهيم ياسين) بان هناك مدارس واتجاهات أدبية وفنية مختلفة , ولذلك نحن لا نطالب بان يلتزم أي أديب أو فنان أو مثقف باتجاه ما, كل ما في الأمر أن يضع هؤلاء مسؤولية الثقافة والفن نصب أعينهم ويكونوا على قدر المسؤولية تجاه ذواتهم أولا, ثم تجاه مجتمعاتهم ثانيا وان يتحملوا هذه المسؤولية سواء اختاروا الأدب الملتزم أو المنفلت أو أي اتجاه ومدرسة معينة , فحرية الاختيار تابعة لهم لكن التهرب من المسؤولية ليست مما يدخل في الاختيار , ولنا شواهد كثيرة لعل أوضحها حالة (سار تر) فعلى الرغم من كونه مستغرقا بالعبثية والتشاؤمية , ألا انه لن يترك كل مسؤولياته وآرائه عن الثورة الجزائرية معروفة وكان يشجع على الحركات التغيرية, ومهما سمعنا فأننا أبدا لن نسمع كلمة اكثر تشاؤمية وتخل عن المسؤولية, حتى عند اشهر معتنقين فكرة(الفن للفن) , تشبه كلمة الدكتور إبراهيم (فما الفرق أذن ما دمت تكتب , والقارئ غائب), انتهى ما أردت إيراده ردا على مقال (إبراهيم ياسين) وأتمنى أن لا أكون قسوت عليه , وان كان هذا حاصل فغايتي الأولى والأخيرة هي النقد البناء من اجل ثقافة راقية ومعرفة رصينة , تبتعد عن الشخصي والنفسي إيرادا ونقدا وأخذا وردا , فأنا اعرف انه لم يوجه نقده لي ولا لأحد الذين استعنت بمقالاتهم في هذه الدراسة , وكلي أمل أن يتفهم الزميل العزيز ذلك وهو كاتب ومبدع في مقالاته ودراسته أتمنى له كل التوفيق , وأرجو أن يحذر الزلات في المستقبل , وأنا أتفهم مرارته من واقع الثقافة المزري , فلا يستطيع أي مثقف أن يتجاوز هذا الواقع أو لا يشعر بحسرة إزائه لكني من جهة أخرى أود أن افتح نافذة من الأمل في فضاءات الدكتور , وعلى أي حال أتمنى أن أكون قد وفقت لدفع بعض ما قد يلتبس في ذهن القارئ من خلال مناقشة مقالة الدكتور , وقد يبقى شيء واحد لابد من الإجابة عليه مفاده : أن هذا الجزء من الدراسة يكاد يخلو من أي فكرة أو إبداع فان ما أورده الكاتب كله نقل عن مقالات لكتاب آخرين- باستثناء المناقشة لمقال إبراهيم ياسين- وليس فيه شيء من آراء كاتب الدراسة سوى نتف يسيرة ؟ , أقول: إن هذا ليس عيب في دراستي أو أي دراسة أخرى كما هو واضح , فلا توجد دراسة أو أطروحة أو بحث في شتى حقول الثقافة والمعرفة لا تعتمد النقل من المصادر , ومن جهة أخرى أن أهم فوائد النشر على الانترنيت انه يضع المصادر أمام الباحثين دون قيود مختصرا البحث والتقصي في متون الكتب ورفوف المكتبات وبما أني متواجد على هذا الموقع الراقي من خلال ما نشرته فأنا متواجد فيه كذلك من خلال ما اقرأه وأتابعه واستحسنه من كتابات زملائي الذين ينشرون على نفس هذا الموقع فإذا وجدت مادة تخدم بحثي أو مقالتي منشورة في أحد أقسامه العديدة فاني اخذ بها فورا واستفيد من معطياتها موفرا على نفسي الجهد والوقت أولا , ومعرفا بمنشور أدبي من الموقع الذي انتمي روحيا أليه بحكم التزامي في الكتابة فيه ثانيا , وعلى هذا شرعت في هذه الدراسة والتي لم تقتصر قطعا على النقل الحرفي من المقالات المشار أليها في متنها, بل أن هناك مناقشة واخذ ورد واغناء سيصار إليه في جزء الدراسة الثاني غير بعيد فحتى ذلك الحين....(يتبع)




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
5.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: