الرئيسية »  الـنــقـد»  "بعيداً عن بغداد" لقتيبة الجنابي المكان المنفي يعثر على صورته

"بعيداً عن بغداد" لقتيبة الجنابي المكان المنفي يعثر على صورته

عدد مرات المشاهدة :983 - 07/ 2/ 2009

علي البزاز

"بعيداً عن بغداد" لقتيبة الجنابي المكان المنفي يعثر على صورته

  

 

كثيراً ما يتمنى المرء الوقوف حازماً ضد رغبته حين ينظر إلى اللوحات التي تصوّر المقاهي والمدن والبشر في تجمعاتهم، متجنباً طرح هذا السؤال: هل يشهد الفن المعاصر تراجعاً في إنتاج ما اصطلح على تسميته خطأً الفن الواقعي؟ وهو يريد من السؤال ان لا تبلغ به الجسارة حد العصيان عندما يجعل الكاميرا الفوتوغرافية بديلاً من الريشة.
شجّعني الكتاب المصوّر، "بعيداً عن بغداد"، والذي أصدره أخيراً الفنان قتيبة الجنابي، لأعلن العقوق حيال ما يسمّى فناً واقعياً، فالكتاب يضم صوراً - لوحات توزعت على أربعة أقسام: الأول صور لمدن أهمها في المجر حيث درس قتيبة الجنابي في مدرسة "براترأوتاسا" عندما غادر العراق منفيّا عام 1978، ولاحقاً حيث أكمل دراسته في أكاديمية الدراما والفيلم في بودابست. القسم الثاني يصور اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان عام 1981، والثالث بورتريهات لفنانين وشخصيات عراقية منفية، إضافة إلى القسم الرابع وهو عن بغداد بعد سقوط النظام وتحت الاحتلال.
دقة الكاميرا وافتتانها باقتناص لحظات حميمية، سواء على الصعيد الإنساني أو المكاني، يحملان على عقد مقارنة بين الصورة الفوتوغرافية وخصوصاً بالأسود والأبيض وتلك اللوحات الآنفة الذكر. ذلك أن التلوين في الرسوم يسعى في المقام الأول إلى التضليل من حيث انه لا واقعي مهما تكن دقة اللون في مطابقة الأصل، فضلاً عن ان اللون هو إنتاج مزاج الرسام وذائقته، مقارنة بالأسود والأبيض اللذين ينبثقان عفويا من الصورة حيث لا غشّ ولا ممارسة خداع على المشاهد. براءة تكاد أن تكون عادلة في واقعيتها، مع حرارة الآنيّ باعتباره زمن الصورة، ترافقها رغبة في التلقائية الطبيعية كحاضنة للصورة، في حين أن هناك تصميماً واعياً لممارسة الخداع في اللوحات، وتأجيلاً للآنيّ. فاللوحة تستغرق زمنا آخر لإكمالها ينضوي تحت المستقبل مثلاً، أياماً أو أشهراً.
baghdad_400يقول الفنان في هذا الصدد إن "للكاميرا الفضل الكبير في إنجاز الصورة تقنيا لكن يبقى للعين أسلوبها وقرارها الحاسم في تعيين لحظة التقاط الصورة، ولذا على المصور أن يعيش لحظة الصورة مثلما يتعامل مع عائلته من ناحية دفء المناسبة. ففي صورة "ليث وفالا " تجسيد لهذه الآصرة التي يخلقها المصور ويعمل من خلالها على الإرتباط بشخصياته التي ستعطيه حتماً الثقة الضرورية لإكمال العمل الفنيّ إن هو اتبع أسلوباً كهذا".
الصورة هي فعل تعايش إنساني حتى مع المكان، وينبغي للمصور أن يكسب ثقة المكان الذي يصوره، ولكي يتمكن من التقاط صورة جميله عليه أن يفوز برضا المكان. استفاد قتيبة الجنابيّ من خبرتة كمخرج أفلام وثائقيّة لينضمّ بسهولة إلى عالم التلقائية غير المتكلِّف. فعالم الصورة الفوتوغرافية يشبه الحدث في الفيلم الوثائقيّ، وإن يكن هذا العالم عبارة عن مكان مجرد أو أشخاص صامتين. الكاميرا تشبه المرأة والطبيعة من حيث ترويض المحيط والإندماج معه من دون عنف، وعدسة الكاميرا تشبه عدسة العين، أما الإنسجام الوظيفي بين العدستين فهو الذي ينظّم هذا الكون الفني. فالمصور هنا هو كالطبيعة متلبسةً بالعين البشرية. الكاميرا مشاعيّة، إسوة بالفرشاة والقلم، لكن لا يُستغنى مطلقاً عن المصور والكاتب والرسام.
تنتمي صور الكتاب إلى التوثيق وشحذ الفهم لمعرفة العلاقة العلنية بين الموجودات. فلا التباسات ولا ألغاز وإنما تضامن صريح بين العين والعالم اليومي، حراسةً للبصر وسهراً عليه، من أجل احتضان الظل والضوء، حيث يستفاد من خبرة المصور في تهيئة الأمكنة وكذلك الأشخاص بشكل نفسيّ وجماليّ ليتحدثوا بالصورة عن تجاربهم. يحنّ المكان إلى ساكنيه ويبوح بشوقه إليهم، على غرار ما يحدث في الفيلم الوثائقي. ففي صور سلوفاكيا 1997، وباريس 1996، وبودابست 2004، نشاهد الإرتباط اليومي بين المكان والبشر من جهة، والفنان من جهة أخرى، بوصفه مدركاً ذلك الارتباط ومحرراً إياه من القيود، حيث تكتمل عفوية التعايش بأن يؤثث البشر المكان الذي بسعيه يؤثث الفراغ. ولأن قتيبة الجنابي هو إنتاج المنفى، كحال معظم الفنانين العراقيين، نراه مأخوذاً بالعلاقة بين المنفى والمنفي. وقد تعمّد الكتاب الاحتكاك الصادق بالناس والمنفى، من خلال صور لمنفيين عراقيين، حيث اللونان الأسود والأبيض يعززان الشعور بمأساة كل واحد منهم. الأبيض والأسود هما أيضاً لونان منفيان على مساحة الورقة البيضاء، حيث يضاف الى المنفى مفهوم آخر غير مفهوم المكان، يشتغل على الحنين والحرمان المنبثقين من البعد.
من هنا تسمية الكتاب "بعيدا عن بغداد" والتي أختلف معها لأن عنواناً كهذا لا يكشف عن قوته إلا ضمن فكرة النفي المكاني. وعليه، نلاحظ مفردات المكان طاغية البوح ( بعيداً، بغداد)، في حين أن فكرة النفي الروحي تشتمل على مفهومي الزمان والمكان معاً وهي أشمل وأكثر مرارة.
من جانب آخر لم يحافظ الكتاب على وحدة التسلسل الزمني والموضوعي للصور ليتسنى للمشاهد أن يتابع التطور، بل هناك حشد عشوائيّ بسبب من فوضى التواريخ. أما حجم الكتاب 22 سم× 26 سم فلم يكن موفقا على المستوى البصري، الأمر الذي ساهم في حشر البصر بما لا يسمح لها بأن تحتل الحيز المكاني الكافي. الا أن ذلك كله لا يحول دون كون الكتاب عملاً توثيقياً حميمياً مرهفاً، حيث الصورة أشبه بعثور على المكان المنفيّ وزمنه وناسه.




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
ديوان: تلك المسلة البعيدة

ديوان: تلك المسلة البعيدة

تأليف: كريم النجارمجموعة شعريةقياس: 12 × 19 سمعدد الصفحات: 108غلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة شمس للنشرinfo@adabfan.comshams@shams-group.netالناشر: مؤسسة أدب
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: