قراءة نقدية في ديوان (الديوان العراقي)
د. خليل إبراهيم المشايخي
صدر عن المركز الثقافي العربي السويسري /منشورات بابل /ديوان شعر (الديوان العراقي ) للشاعر ابراهيم المصري, عام (2008) م، اهداه لنا الدكتور علي الشلاه مشكورا.
فضَ الشاعر ديوانه بعد شرفاته باهداء الى شخصيات عانت الظلم والقهر والكبت والحرمان والقتل, وقد تجلت بلاغة الشاعر ابراهيم المصري وبراعتة وابداعه بهذا الاهداء الفذ فبعد ان يذكر أسماء عديدة … يقول مستفهما استفهاما مجازيا أراد به معنى التعجب :.
(كيف احصي اسماءُكم ايها العراقيون وأنا أحدق في الشمس )
أرى أنَّ هذا الاهداء وحده انما هو نص شعري يمثل غاية في دقة التعبير ((وانا احدق في الشمس ))فمن خلال عدول الشاعر عن الدلالات اللغوية للالفاظ استطاع ببراعة تنشيط البنية الداخلية وتكثيفها لاستيلاد الناتج الجمالي ..
ان من مسهم الضر واصابهم الظلم والقهر والتنكيل من الصعوبة احصاء أسمائهم فالواقع المعاش خير من يخبرنا بالحقيقة الناصعة حقيقة ما يحدث للعراقين على ارض الواقع .. ان ((الديوان العراقي )) ملحمة شعرية باحداثها الكثيرة المتنوعة وتنوع ابطالها تقترب من أحداث الملاحم والاساطير لكنها تمتاز عنها بان ابطالها حقيقيون متنوعون عاشوا في أرض الواقع ,حتى التنين الذي أحرق الاخضر واليابس في العراق ودول الجوار , كما حاول احراق كل القيم السماوية والوضعية ، وما زال بعضهم يعد أعماله الوحشية من قبيل البطولات الفذة فهو رغم عدوانيته وجبروته وقتله للملاين ما زال القائد الضرورة الذي يشبع غريزتهم الدموية وحقدهم ، ويداوي نفوسهم المريضة بسموم حقده………
هذه الملحمة الشعرية الابداعية الخالدة تصور وبشكل دقيق واقعي صادق بعض عدوانيته واعماله الاجراميه واساليبه الاانسانية البشعة هو ومن معه زمر القتل والارهاب والضلالة لا سيما التي ولدت بعد ان تفسخت جثته فخرجت منها هذه الحشرات القميئة المثيرة للاشمئزاز والقيء .. فكان كالعقرب يحملها على ظهره حتى أكلته.. استهل الشاعر نصوص ديوانه بنص في غاية الوضوح والدقة في التعبير عن بعض معاناة الانسان العراقي دون ان يلجأ الى استخدام ظلال التعبير وتأويلاته اذ بين فيه بتعبير بلاغي في غاية الاتقان حالات كثيرة مر بها المواطن العراقي, وعاشها بألم ومرارة وأمل يقول الشاعر:
لــــــــم يــــكن باستطاعة مواطن عراقي
ان يضع طبقـــــــا لاقطــا فـــــــــوق بيته
كانوا.. يخافون عليه من الدعاية المغرضة
وكــــــــــان يأمـــــــــل في التقاط ملائكة
تساعده بالدعاء حتى يعجل الله برفع الغمة
بمثل هذه اللغة السلسة القريبة من النفس التي تنث تعابيرها صدقا وواقعية رسم الشاعر صورا حسية لواقع عاشه المواطن العراقي وبلغة شفافة تشوبها السخرية المريرة لما جرى على ارض الواقع العراقي دون مبالغة او تهويل او رتوش , نقلها كما هي لذلك استخدم تعابير تجري على السنة الناس المضطهدين تعابير شعبية كثيرا ما يتداولها الناس في ادعيتهم لا سيما بعد الاذان وبعد الصلاة (اللهم ارفع هذه الغمة عن هذة الامة ).. فنجح في صياغتها بفنية شعرية عالية ..فبدأه بقوة ليجعل منه اساساً قويا كما يتطلب الموضوع ذلك منه مستخدما جملة فعلية فعلها مضارع لفظاً ماض معنى بحكم استخدامه الاداة (لم) فقلبت دلالة الحدث الى الماضي المنقطع البعيد عن زمن التكلم, ليكون الحدث الكلامي المزمع البوح به , فالمصدر الذي جاء بداية السطر الثاني (ان يضع)دال على الاستقبال قد امده الحدث المنفي بحزمة ضوئية اقوى واسطع مما يجعل (المصدر _المؤول) بؤرة التركيز في الكلام لانه مسوق لبيان عدم كينونة الاستطاعة بشكل قاطع وغير متوقع الحدوث هذا ما جعل البنية الاخبارية تتمظهر في افرازات دلالية جديدة ....
لقد كشف الشاعر منذ اللحظة الاولى حبه لبغداد فهي بنظره كما هي في واقع الحال كبيرة بكل شيء ، بحضارتها ، باصالتها ، بعلمائها، بشعرائها ، بكتابها بشموخ نخيلها الباسقات بطبيعة اهلها وأصالتهم وعراقتهم :
ســـــاحة الفــــــردوس
في الواقـــــــــــــــــــع
أصغر مما تبدو عليـــــه
في أي صورة فوتوغرافية
لـــــــــــكن بغداد ..اكبر
من أي صـــــــــــــورة
بدأ الشاعر هذا المقطع بهدوء وأنهاه بهدوء لان ما يريد ان يصرح به يتطلب منه ذلك، فساحة الفردوس ان هي الا ترميز لاشياء قصد الشاعر الاشارة اليها. فإنما ليبين أن كل الأشياء في صورتها صغيرة , لا يمكن مقارنتها ببغداد, فهي الاكبر من كل الصور لانها بغداد التاريخ والحضارة والرقي والازدهار العربي الاسلامي كانت كعبة الدنيا بلامنازع...
وببناء هندسي بارع مخطط له باتقان جاء المقطع الثاني أو لنقل النص الثاني من هذه الملحمة الخالدة اذ بدأه بهدوء تام مستخدما نكرة مقصودة مضافة الى نكرة قاصدا بذلك التفخيم والتعظيم , إذ أن الأمر قد بلغ من خطورة الشأن حدا لايدرك كنهه أو مداه,بعد ان قصفت الطائرات المعادية بغداد , وحولت سماءها الى دخان كثيف قال الشاعر :
حفـــــــــرة نفط مشتعلــــــة
بوميض نار تحاول ان تتنفس
تحت دخـــــــــــــــان كثيف
هـــــل هذه.. عين بغداد التي
كان يجب ان تحرسها من الغزاة
ومـــــن القصف بطائرات B52
العــــابــــرة للقـــــــــــــارات
في المقطع الثاني كسر الشاعر ابراهيم المصري ببراعة حدة الحدث المضارع بتقديم شبه الجملة عليه قصد التاكيد على شبه الجملة والاهتمام بها اكثر من الحدث فقدمها لذلك قصر طلب السيدة المتشحة بالسواد على مكان واحد لا غير هو (جسر الأئمة) دون غيرها من الاماكن لما يمثله (جسر الائمة ) كمكان لحادث اجرامي مروع حينما فجرته زمرة الارهاب اللعينة وهو يحمل عشرات الناس ليعبروا للزيارة والصلاة والتقرب الى الله تعالى .. وقد راح ضحية هذا العمل الاجرامي مئات الناس الابرياء ,ثم ليكون هذا الحدث شاهداً على تلاحم ابناء الشعب العراقي كسرا للطائفية المقيتة والحزبية الخارقة ببؤر التسافل والانانية البشعة وهذا ما ساعده وبمهارة عالية ان ينهي حواره مع السيدة ومخاطبة العراق باننا على جسر :
على جسر الائمــــــــــــــــــــــه
تطلب مني سيدة متشحـة بالسواد
ان اوجـــــــــــــــــه نداء تلفزيونيا
الى ابنها الغائب في غربة لا تعرفها
يـــــــــــــــــــــــــا خـــــــــــالتي ..
نحـــن علــــــــــــــــــى جســــر
نلحظ ان الشاعر لجأ الى استخدام مفردة ( جسر ) لما فيها من دلالة لغوية ورمزية فعمد الى الترميز والانزياح ليوحي للمتلقي الى ما وراء المفردة من ظلال المعنى واحياء الطاقات الكامنة في هذه المفردة من خلال وجودها في هذا السياق التعبيري فافرزت لدى المتلقي طاقات إيحائية لا نهائية متغيرة يفرضها الوضع الاجتماعي والثقافي والنفسي وغيرها منها
مفترق طرق لغايات متنوعة
الجسر الموصل بين شيئين متماثلين أو متباينين
الموصل بين خيارين
الفاصل بين التقدم والتقهقر
و يعمد إلى التشبيه لبناء ملحمته بناء هندسياً متقناً بفنية عالية فيستخدم عنصر التشبيه في البناء بكل هدوء ووعي عال ليزيد من جمالية بنائه, وليبين براعته الفنية جعل من التشبيه أداة معرفية ليعطي للمجهول حدوداً ومميزات:
كـان النخـــيل في بـــــــغداد
لا يــــــعبأ بــــــما حــــــــدث
كان في اصطفافه يــــــتهامس
بأسرار زمـــــن ابيـــــــــض
لم يكن يعنيه الدخان الأسود
خيمة شـــــــــــــــــاســــــعة
لقد حاول الشاعر ببراعة عالية إعادة إنتاج الواقع بتأسيس مفارقة صريحة، بأن نخيل بغداد غير مبال لما يحدث أو يمكننا القول لم تفت عزيمته أو تلو همته من ترقب الفرج بانقشاع ما تلبد في سماء الوطن من موت , فما زال يحلم بزمن رائق لا تشوبه شائبة ، زمن طاهر صافٍ ناصع خال من الأحقاد السود التي خيمت على سماء العراق , هذا ما أعطى المشبه طبيعة غير نمطية .
ويستمر الشاعر المبدع في بناء ملحمته بناء هندسياً بارعاً بدرية و دراية , كاشفاً من خلال ذلك سر معاناته وعذاباته بمشاركته العراقيين معاناتهم وآلامهم وما هم فيه من كبت و قهر و ظلم فادح , وقد صور ذلك بدقة هذه المرة من خلال الطبيبة ( بان ) وباستخدام عنصر التشبيه لخلق صورة بلاغية نابضة بالحياة متحركة حيّة لأنه مدرك بأنّ عنصر التشبيه يعمل في أكثر من منطقة إدراكية .. وليبين من خلال ذلك بأن الأمل لازال ساطعاً في دواخل الذات العراقية بعدما فاض حزنهم ووصل أقصى مداه , فأصبح حيّاً نابضاً بالحياة ، تشير كل الدلائل بقدومه :
تبتسم الطبيبة بـــــــان
وكأن الحزن قد فـــاض
حتى أصبح لا لزوم له
غير انه عبر وجـــهها
بجناحين من شفافــــية
حيـــــن قـــــــــالـــــت
حـــان وقت الأمـــــل
بهذه البراعة اللغوية يعبر الشاعر إبراهيم المصري عن خلجات النفس الإنسانية العراقية, وبهذا التعبير البلاغي المبدع جعل القيمة البلاغية في التعبير تأخذ مداها الفاعل لتصوير الحدث تصويراً مؤثراً في النفس.
لقد اعتمد الشاعر على استحضار العنصر الاحالي وغيب العنصر الأصلي بغرض توحيد الصورة بين العناصر التي استخدمها في تأسيسها : ( ابتسامة – حزن فاض عن حده فمضى بعيداً فحان وقت الأمل ) .
وفي قوله: ( حان وقت الأمل )
عبارة تكشف ما في كوامن الإنسان العراقي الذي ينتظر ويترقب الفرج والخلاص من هذا الكابوس الجاثم على صدره .
ولم يغب عن بال الشاعر المبدع وهو يبني ملحمته الخالدة أن يجعل من بين أبطالها شهداء الانتفاضة الشعبانية الذين أسكنهم الطاغية وأزلامه المقابر الجماعية , بعد أن دفن اغلبهم أحياء أو احرقوا بطريقة بشعة يندى لها جبين الإنسانية .
بهذه الدقة المتناهية , وهذا الصدق في التعبير عبّر الشاعر عن هذه المأساة وهذا العمل الإجرامي الذي لا يرتكبه اعتى المجرمين عبر كل العصور ..
وبدقة شعرية مذهلة ينتقي صورة تمكنه من الضرب بها على أوتار الحزن الإنساني في قلب المتلقي جاعلاً منها ( بؤرة التركيز ) لإيصال تعبيره إلى أقصى مداه من التأثير..فيجعل من بين أبطال ملحمته الشاعر العراقي ( محمود البريكان) (والجواهري ) و ( السيّاب ) وشهداء ( حلبجة ) الذين قتلهم الطاغية بالأسلحة الكيماوية ( نساءً وأطفالا ، شيوخاً وشبابا ).
حينما تشاهد صور قتلى حلـــــــــــبجة ً
لن تصدق بان هؤلاء البشر المشوهين
بالاســـــــــــــــــلـحــــــــــة الكيماوية
كــــــــــــــــــانــــــــــــوا مــــــــــــــثلك
قبل ارتطام رؤوســـــــــــهم بالــــــفزع
نلحظ أن تعبيره البليغ ( لارتطام رؤوسهم بالفزع ) يحرك ما في دواخل المتلقي من أحاسيس بالفزع وهول الحدث , وقد نجح الشاعر من خلال استخدام تراكيب تحمل من ظلال التعبير وتأويلاته ما يجسد هول الجريمة وبشاعتها .
ويبدأ في بناء مقطع آخر أو فصل آخر من فصول ملحمته بقوة باستخدام الحدث الدال على استمرارية الفعل في الحال أو الاستقبال.
يمر نهر دجلة صــامتاً
تحت جسر الجمهورية
تمرّ فوق الجــــــــــسر
دبابة أمريكية صاخبة
ولا يلتفــــت النـــــــهر
لقد برع الشاعر في إنتاجية زخم دلالي تحولت فيه مفردة ( النهر ) من دال إلى مدلول أو من مشير إلى مشار إليه حيث تشير الكلمة إلى نفسها , ( نهر دجلة ) رمز لعنفوان الحياة في العراق رمز العطاء المستمر المتجدد كما قال عنه الجواهري : ( يا دجلة الخير .. ) فدجلة الخير باقٍ خالد , والمحتل منجلٍ راحل .
ويمضي الشاعر ببراعة في انجاز ملحمته أحيانا بقوة ، وتارة بهدوء حسب ما يقتضيه المقام :
بحيرة على هيئة خارطة العالم العربي
يتوسطها مسجد (( أم المعــــــــارك ))
الآن فهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمت
لماذا يحب العرب صــدام حسيـــــــــــن
انه مثلهم الأعــــــــــــلى الـــــــــــــــذي
يمســـــــــــــح الدم عن سكين القاتــــل
في سجــــــــــــــــــادة الــــــــــــــصلاة
بهذه الصراحة وبهذا الوضوح والدقة استطاع أن يبين محبة عرب الجنسية لصدام وهذا ما تجلى واضحاً جلياً فيما صوره لنا من مسوخ بشرية بشعة مارست القتل والإرهاب في الناس بدون تمييز بين الناس النساء / الأطفال / الشيوخ / الشباب / الناس الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة , يقتلونهم باسم الدين والدين منهم براء كما قال الشاعر ( يمسح الدم بسجادة الصلاة ) .
إن وقفة واحدة لا تكفي مع الديوان العراقي حقاً انه صفحات من ديوان العراق يحكي ما ألم بالعراق من محاولة اغتيال المحبة والثقافة وإيقاف تدفق نهر الحياة.


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك