أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
قصيدة
عدد مرات المشاهدة :1719 - January 13, 2007
علي المناع
علي المناع
صلاح عبد الصبور شاعر مصري من جيل الرواد، ويعتبر من مؤسسي الشعر الحديث في الوطن العربي أسوة بنازك الملائكة والسياب والبياتي وأودونيس ويوسف الخال وخليل حاوي وأحمد عبد المعطي حجازي وتوفيق الصائغ وجبرا ابراهيم جبرا وغيرهم. وصلت حركة الحداثة الى الشرق في وقت متأخر، تحديداً في منتصف القرن العشرين، واتسمت هذه الحركة بملامح عديدة، ونحن في هذا البحث لسنا في صدد التطرق إلى جميع جوانب الاختلاف التي حدثت في القصيدة الحديثة على يد هولاء، وانما سنقصر موضوع بحثنا على جانب واحد إلا وهو التوسع في استخدام الرمز بصورة مختلفة عما كان عليه الحال في القصيدة القديمة وحتى القصيدة التي سبقت فترة الحداثة. في هذا البحث سنأخذ قصيدة "الطفل" لصلاح عبد الصبور المنشورة في ديوانه الرابع "تأملات في زمن جريح"، ونحاول تحليل الرمز فيها لنرى كيف استخدم الرمز بطريقة مختلفة:
قولي ... أمات؟
جسيه، جسي وجنتيه،
هذا البريق
ما زال ومض منه يفرش مقلتيه
قولي ... أمات؟
وأنا غدوت بلا أحد؟
هذي أصابعه النحيلة
هذي جدائله الطويلة
أنفاسه المترددات بصدره الوردي كالنغم الأخير
من عازف وفد النعاس عليه في الليل الأخير
وسألتني: ما الوقت هل دلف المساء؟
أتذهبين؟
ولمَ نطيل عذابه حتى الصباح؟
لن يرجع الصبح الحياة إليه، ما جدوى الصباح؟
لا تلمسيه
هذا الصبي ابن السنين الداميات العاريات من الفرح
هو فرحتي
لا تلمسيه
أسكنته صدري فنام
وسدته قلبي الكسير
وسقيت مدفنه دمي
وجعلت حائطه الضلوع
ليزوره عمري الظمي
قولي ... أمات؟
جسيه، جسي وجنتيه،
هذا البريق
ما زال ومض منه يفرش مقلتيه
قولي ... أمات؟
وأنا غدوت بلا أحد؟
هذي أصابعه النحيلة
هذي جدائله الطويلة
أنفاسه المترددات بصدره الوردي كالنغم الأخير
من عازف وفد النعاس عليه في الليل الأخير
وسألتني: ما الوقت هل دلف المساء؟
أتذهبين؟
ولمَ نطيل عذابه حتى الصباح؟
لن يرجع الصبح الحياة إليه، ما جدوى الصباح؟
لا تلمسيه
هذا الصبي ابن السنين الداميات العاريات من الفرح
هو فرحتي
لا تلمسيه
أسكنته صدري فنام
وسدته قلبي الكسير
وسقيت مدفنه دمي
وجعلت حائطه الضلوع
ليزوره عمري الظمي
إنَّ شعراء الحداثة تميزوا عن الشعراء الذين سبقوهم بابتعادهم عن تناول الموضوع مباشرة وإنما حاولوا بناء معظم قصائدهم حول عالم رمزي يخفي وراءه أفكاراً ومعاني أخرى، أي أن في القصائد الحديثة المبنية بناءً رمزياً، هناك صورتان دائما: صورة واضحة تتبين في القراءة الأولى وصورة أخرى يحاول الشاعر أخفاءها ولكن مع أعطاء الخيوط التي تصل القارىء إليها حتى لا تتحول إلى أحجية لا يعرف القارىء ما المقصود من ورائها ويفسرها كل قارىء على هواه. فعند قراءة قصيدة "الطفل" لصلاح عبد الصبور قراءة أولية يتبين وكأنها قصيدة رثاء كُتبت في موت طفلٍ، ولكن عند التمعن في القصيدة جيداً سيتبين أنها قصيدة وجدانية وليست قصيدة رثا، وما الطفل فيها إلا رمز للحب.
والرمز الذي تعرفه روز غريب على أنه "تعبير عميق الفكرة مزدوج المعنى أو خفي الدلالة" يختلف من شاعر إلى شاعر، ويختلف من قصيدة إلى أخرى عند الشاعر نفسه: فبعض الرموز تحمل أرثاً دلالياً يكمن في ذهن القارىء والمتلقي على حدٍ سواء، ورمز مجرد خالٍ من أي أرثٍ دلالي وإنما هو من نسج خيال الكاتب ولا يشاركه فيه المتلقي، فلو أخذنا كلمة "الصليب" في أشعار معظم شعراء الحداثة، بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وغيرهم، فهذه الكلمة تحمل إرثا دلاليا يحيلنا إلى السيد المسيح وكيف صُلِب وهذا المفهوم لا يكمن في ذهن الكاتب فحسب بل موجود في ذهن المتلقي أيضاً، وبذلك فهو ليس اختيارا ذاتيا نابعا من دواخل الكاتب، كما لو قلنا "زهرة أو بستان" فهنا الاختيار ذاتي وهذا ما تميزت به حركة الحداثة فالشعراء لم يقتصر استخدامهم على الرموز المستهلكة ذات الإرث الدلالي، بل تخطوها ليؤسسوا رموزاً جديدة، ويوسَّعوا بذلك دائرة استعمال الرمز.
والخيوط التي حاكها الشاعر في القصيدة - ويجب أن نعترف أنه وفَّق فعلاً في ذلك - كي نصل إلى المقصود من وراء هذا الرمز ولا نبقى نتخبط ونراوح عند قراءتنا الأولى للقصيدة ونسلم بأنها قصيدة رثاء، كما حللها الدكتور مصطفى ناصف في أحد فصول كتابه "الصورة الأدبية" تتجلى في الأبيات التالية:
أسكنته صدري فنام
وسدته قلبي الكسير
وسقيت مدفنه دمي
وجعلت حائطه الضلوع
والرمز الذي تعرفه روز غريب على أنه "تعبير عميق الفكرة مزدوج المعنى أو خفي الدلالة" يختلف من شاعر إلى شاعر، ويختلف من قصيدة إلى أخرى عند الشاعر نفسه: فبعض الرموز تحمل أرثاً دلالياً يكمن في ذهن القارىء والمتلقي على حدٍ سواء، ورمز مجرد خالٍ من أي أرثٍ دلالي وإنما هو من نسج خيال الكاتب ولا يشاركه فيه المتلقي، فلو أخذنا كلمة "الصليب" في أشعار معظم شعراء الحداثة، بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وغيرهم، فهذه الكلمة تحمل إرثا دلاليا يحيلنا إلى السيد المسيح وكيف صُلِب وهذا المفهوم لا يكمن في ذهن الكاتب فحسب بل موجود في ذهن المتلقي أيضاً، وبذلك فهو ليس اختيارا ذاتيا نابعا من دواخل الكاتب، كما لو قلنا "زهرة أو بستان" فهنا الاختيار ذاتي وهذا ما تميزت به حركة الحداثة فالشعراء لم يقتصر استخدامهم على الرموز المستهلكة ذات الإرث الدلالي، بل تخطوها ليؤسسوا رموزاً جديدة، ويوسَّعوا بذلك دائرة استعمال الرمز.
والخيوط التي حاكها الشاعر في القصيدة - ويجب أن نعترف أنه وفَّق فعلاً في ذلك - كي نصل إلى المقصود من وراء هذا الرمز ولا نبقى نتخبط ونراوح عند قراءتنا الأولى للقصيدة ونسلم بأنها قصيدة رثاء، كما حللها الدكتور مصطفى ناصف في أحد فصول كتابه "الصورة الأدبية" تتجلى في الأبيات التالية:
أسكنته صدري فنام
وسدته قلبي الكسير
وسقيت مدفنه دمي
وجعلت حائطه الضلوع
وهذا هو المكان الطبيعي للحب في الصدر، في القلب، خلف الضلوع. كذلك قوله (ولمَ نطيل عذابه حتى الصباح؟ /لن يرجع الصبح الحياة إليه، ما جدوى الصباح؟ )، إذن القرار قرارهما - أو بالأحرى قرار السيدة وينبغي لعبد الصبور على لسان الرجل الانصياع لذلك الأمر - وليس أمراً ربانياً فهو يقصد لِمَ نؤجِل قرار الفراق حتى الصباح فالأفضل – كما يُفهم من القصيدة – أن نُنهي كل شيء الآن ونطوي صفحة ذلك الحب (ابن السنين الداميات العاريات من الفرح)، ويتساءل بتهكم (ما جدوى الصباح؟) إن لم يتمكن من إعادة الحياة لذلك الحب.
وكما قلنا فاختيار الرمز هنا اختيار شخصي فالشاعر رأى بأنَّ يرمز لحبه بالطفل وذلك لما للطفل من براءة وعفوية ... ثم أن هنالك تشابه بين الطفل والحب فكلاهما نتاج علاقة بين رجل وامرأة، ثم أن استخدام مفردة (صبي) يدل على أن هذا الحب لم ينشأ بين ليلة وضحاها بل يمتد إلى فترة زمنية، فهو ابن السنين الداميات العاريات من الفرح.
وإذا تأملنا القصيدة لمعرفة الانساق الثانوية التي وظفها صلاح عبد الصبور لتصب في مجرى النسق الرئيس في هذه القصيدة إلا وهو النسق الرمزي، سنلاحظ أن هناك نسقين ثانويين، هما نسق التوازي والنسق القصصي، وهذان النسقان وظفا توظيفاً جيداً في القصيدة لتعميق المستوى التعبيري والدلالي للرمز.
ويقسم كوخ بنية التوازي إلى نوعين: بنية التوازي التراكميcumulative parallelism وبنية التوازي التعداديlisting parallelism . ويُقصد ببنية التوازي التراكمي هو استخدام البنية النحوية ذاتها ولكن بتوظيف مفردات جديدة مترابطة فيما بينها دلالياً، وأوضح أمثلة على هذه البنية في القصيدة هي الأبيات التالية:
هذي أصابعه النحيلة
اسم إشارة + اسم جمع (في صيغة منتهى الجموع)+ ضمير متصل (ـه) + صفة معرفة مؤنثة
هذي جدائله الطويلة
أسكنته صدري فنام
فعل ماضي + فاعل مستتر تقديره أنا + ضمير متصل مفعول به (ـه) + اسم مفرد+ ياء التملك
وسدته قلبي الكسير
وسقيت مدفنه دمي
فعل ماضي + فاعل (ت) + اسم مفرد (مفعول به) + ضمير متصل (ـه) + اسم (مفعول به)
وجعلت حائطه الضلوع
فعل ماضي + فاعل (ت) + اسم مفرد (مفعول به) + ضمير متصل (ـه) + اسم (مفعول به)
وجعلت حائطه الضلوع
وطبعاً لو قال (ضلوعي) بدلاً من (الضلوع) لكانت بنية التوازي متكاملة أكثر، ولكن للشاعر مبرراته.
وبالنسبة لبنية التوازي التعدادي، والتي يقصد بها استعمال البنية النحوية والدلالية ذاتها، فتظهر في تكرار عبارات مثل
قولي ... أمات؟
لا تلمسيه
قولي ... أمات؟
لا تلمسيه
والنسق الثانوي الآخر الذي وظَّفه الشاعر في هذه القصيدة لتعميق المستوى التعبيري والدلالي للنسق الرمزي هو النسق القصصي، وكما هو معروف فإن جذور هذا النسق تمتد عميقاً في تاريخ الشعر على اختلاف مناشئه ولغاته، وخير دليل على كلامنا هذا ما وصلنا من ملاحم، ابتداءً من الألياذة والأوذيسة للشاعر اليوناتي هوميروس وصولاً إلى مصرع كيلوبترا وعنترة ومجنون ليلى لأحمد شوقي وأخيراً مسرحيات صلاح عبد الصبور الخمس: مأساة الحلاج والأميرة تنتظر ومسافر ليل وليلى والمجنون وبعد أن يموت الملك.
وعلاوة على ذلك فإنَّ "الشعر القصصي في الأدب العربي الحديث كان سابقاً للاهتمام بكتابة القصة النثرية" من هنا نستشف أن هذا النسق لم يكن ميزة تميز بها شعراء الحداثة. فالشاعر عبد الصبور في قصيدة "الطفل" لجأ إلى الحوار بين شخصين: رجل وامرأة وصوَّر لنا الطفل وكأنَّه ممدد أمامها ليرسم صورةً في ذهن المتلقي تساعد في تعميق المستوى التعبيري والدلالي للنسق الرمزي وذلك عندما يقول لها: (لا تلمسيه/ جسيه، جسي وجنتيه الخ)، فهنا يركن الشاعر إلى اللغة التقريرية المباشرة التي يصور فيها مشهداً مسرحياً رائعاً، وعندما يصل إلى (هذي أصابعه النحيلة /هذي جدائله الطويلة...)فهنا تتراءى لنا صورة شخص كأنَّه ينحني ليمسك أصابع الطفل الممدد وجدائله. فهذه الاستعارة - وإن لم تكن "استعارة كلمة كي تُستعمل في غير ما وُضعِت له في الأصل" كما هو الحال عندما نتكلم عن الاستعارة في علم البيان - هي استعارة "مشهد" بأكملة استخدمه الشاعر في أكثر من قصيدة، نذكر منها قصيدة "أقول لكم" التي يقول فيها:
قلتم لي:
لا تُدسِسُ أنفكَ فيما يعني جاركْ
لكني أسألكم أن تعطوني أنفي
وجهي في مرآتي مجدوع الأنف...
وهذا ما يميز عبد الصبور عن باقي الرواد فهو كثيراً ما يلجأ إلى توظيف أسلوب السخرية والقص في معظم قصائده، ناهيك عن "عزوفه عن كل فخامةٍ لغويةٍ أو بلاغية، حتى أن أساليب البيان والبديع المعروفة لا تحظى باهتمامٍ خاص في شعره".
وعلاوة على ذلك فإنَّ "الشعر القصصي في الأدب العربي الحديث كان سابقاً للاهتمام بكتابة القصة النثرية" من هنا نستشف أن هذا النسق لم يكن ميزة تميز بها شعراء الحداثة. فالشاعر عبد الصبور في قصيدة "الطفل" لجأ إلى الحوار بين شخصين: رجل وامرأة وصوَّر لنا الطفل وكأنَّه ممدد أمامها ليرسم صورةً في ذهن المتلقي تساعد في تعميق المستوى التعبيري والدلالي للنسق الرمزي وذلك عندما يقول لها: (لا تلمسيه/ جسيه، جسي وجنتيه الخ)، فهنا يركن الشاعر إلى اللغة التقريرية المباشرة التي يصور فيها مشهداً مسرحياً رائعاً، وعندما يصل إلى (هذي أصابعه النحيلة /هذي جدائله الطويلة...)فهنا تتراءى لنا صورة شخص كأنَّه ينحني ليمسك أصابع الطفل الممدد وجدائله. فهذه الاستعارة - وإن لم تكن "استعارة كلمة كي تُستعمل في غير ما وُضعِت له في الأصل" كما هو الحال عندما نتكلم عن الاستعارة في علم البيان - هي استعارة "مشهد" بأكملة استخدمه الشاعر في أكثر من قصيدة، نذكر منها قصيدة "أقول لكم" التي يقول فيها:
قلتم لي:
لا تُدسِسُ أنفكَ فيما يعني جاركْ
لكني أسألكم أن تعطوني أنفي
وجهي في مرآتي مجدوع الأنف...
وهذا ما يميز عبد الصبور عن باقي الرواد فهو كثيراً ما يلجأ إلى توظيف أسلوب السخرية والقص في معظم قصائده، ناهيك عن "عزوفه عن كل فخامةٍ لغويةٍ أو بلاغية، حتى أن أساليب البيان والبديع المعروفة لا تحظى باهتمامٍ خاص في شعره".
المصادر
1- تمهيد في النقد الحديث، روز غريب، دار المكشوف، ط1، 1971.
2- محمود البريكان: دراسة ومختارات، أسامة عبد الرزاق الشحماني، الدار العربية للموسوعات، ط1، 2004.
3- ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء، رجاء النقاش، دار سعاد الصباح، ط1، 1992.
4- الترابط النصي في النصوص المختلفة، عبد اللطيف الجابر، (رسالة دكتوراه) جامعة أستن.
5- الشعر الحديث في البصرة 1947-1995، دراسة فنية، فهد محسن فرحان (رسالة دكتوراه)، كلية الآداب جامعة البصرة .
6- الايقاع والزمان: كتابات في نقد الشعر،جودت فخر الدين، دار المناهل ودار الحرف العربي،
قيم هذا المقال
أرجو أن يكون باستطاعتي نقل وإعادة ما كتبه الشاعراللبناني الكبير :
"أنسي الحاج" عند صدور كتاب :'إنجيل شخصي" للشاعر اللبناني اللامع:
"عقل العويط" قائلاً :"الشعر هو ما ...
روعه اكثر من ما في الخيال
روعه لاغير
ليت ان يكون لسانك لدي حتى يكون سلاحي الناعم فاكون محبوبا في قلب ما احب
الدكتور جميل حمداوي
ساحة البوح المسرحي الاستثنائية
انت ملاذ نبيل مجبول بطرائزية اخاذة لجل الطروحات النقدية في فن المسرح ومظلة تنظيرية مهمة يستظل تحت وراثتها الجليلة مراتع ...
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (1 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك