تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنــقـد»  حضرموت.. فُوبيا المطر!

حضرموت.. فُوبيا المطر!

عدد مرات المشاهدة :171 - November 05, 2008

د. سعيد الجريري

حضرموت.. فُوبيا المطر!

 

 

للمطر في ذاكرة الطفولة ألبومٌ ملوّنٌ بصور الفرح والمرح والبراءة ، و له في مدارجها الأولى نشيد مدرسي كنا نطير به في فضاءات النشوة البريئة: ( نحنُ إذا جاء المطر .. نجري ونلعب بالزهَر ) ، وكان للمطر في الأرياف خصوصية ، ولاسيما لدى الأطفال الذين يستقبلون زخاته الخفيفة والشديدة برؤوس مكشوفة ، ويفرحون بتبليل أجسادٍ غضةٍ ، خفيفةٍ كالفراشات ، يغبطها الكبار على انطلاقاتها المجنونة ، وفي أنفسهم لو تعود أيام الطفولة ، والصبا الأول.
وفي حضرموت ، كما في غيرها من بلاد الله الواسعة ، ثمة أهازيج وأغانٍ للمطر تعبّر عن ابتهاجٍ به شديد كترديد أطفال الوادي:( حطّي يا مطر حطّي .. نخل أبوي با يشرب ) ، ولعل أجلاها أغنية الأخوين باحشوان ( محفوظ وحسن ) :
يا حولاه الليلة..ياحولاه       الليلة الســما تمطر
 ياحولاه الليلة..ياحولاه        تروي زرعنا الأخضر
ياحولاه الليلة..ياحولاه …
لكن هذا الغناء والابتهاج بالمطر تحوّلَ - منذ العاصفة الاستوائية الأخيرة التي انفتحت بها أبواب السحاب ماءً مدراراً ، مدمراً ، جارفاً ، مهلكاً الزرع والضرع - إلى فوبيا (Phobia).
والفوبيا لُغَوياً :(( كلمة يونانية الأصل تعني "الخوف من"، وقد دخلت اللغات الأوروبية، ومنها الإنكليزية، كلمةً موصولةً مع ما يُراد وصف حالة الخوف المَرَضيّ منه، كالخوف من الأرقام "أرِثموفوبيا"... ثم أخذت هذه الكلمة استقلالها في اللغة الإنكليزية وصارت تُستعمَل بديلاً، ذا معنى أعمق، عن مرادفتها الشهيرة (Fear)...)).
والفوبيا في عرف الأطباء النفسيين مرض نفسي متعدد الأنواع ، لم يقتصر على حالات الفوبيا المرَضية النفسية، مثل الخوف من رؤية الدم - أو الخوف من الظلام - أو الخوف من الغرباء - وما شابه، ولم يعد محصوراً داخل جدران العيادات النفسية ، فقد استشرى وباء الخوف وجاوزت أنواعه الخمسمائة، حسب لائحةٍ على شبكة الإنترنت ، مثل : فوبيا الأماكن المرتفعة  Acrophobia- فوبيا الأماكن أو المساحات الخالية Kenophobia - - فوبيا الأماكن المغلقة  Claustrophobia- فوبيا البرق  Astraphobia-  فوبيا الرعد Bronophobia - فوبيا الوحدة Autophobia - فوبيا الورد Anthrophobia - فوبيا الماء Aquaphobia...وليس آخرها ما يشيع في الصحافة العربية من المصطلحات المترجمة : فوبيا الإسلام - فوبيا الحجاب - فوبيا الإرهاب- فوبيا العرب - فوبيا المرأة - فوبيا البطالة...إلخ.
وللفوبيا عند المختصين فرضيات منها فرضية الصدمة والأذى، وحسب هذه الفرضية فإن تعرض المريض لخبر أو حادثة مؤلمة وقاسية مع مصدر الهلع والخوف يؤدي إلى مشاعر خوف دفينة يتم خزنها في ذاكرة الفرد ومشاعره ، ثمَّ تُثير رؤية الشيء أو المكان الذي سبب الأخبار الأليمة والقاسية مشاعر الخوف الدفينة هذه. ولأن الفوبيا خوف غير منطقي فإن الخوف من الماء ربما يُفهَم في سياق تبلل الطفل بمياه النوافير المفاجئة كما كان نزار قباني في طفولته يعثر برذاذ النوافير في حديقة المنزل ، لكن الخوف من الأزهار والورود غريبٌ غرابة الخوف من القمر الذي صوره السياب في أنشودة المطر:
... فتستفيق ، ملءَ رُوحي ، رغبةُ البكاء
ونشوةٌ وحشيةٌ تعانقُ السماء
كنشوةِ الطفل إذا خاف من القمر !.
هي الفوبيا إذاً ، وإن تكن من عناصرَ جماليةٍ ، في الكون ، أليفةٍ إلى الروح والوجدان ، كالقمر ، والورد والزهر ، والمطر.
وفي بيئةٍ ليس المطر فيها بالمنهمر إلا على فترات متباعدة ، كحضرموت ، يظل الحلم بالغيوم والسحب هاجس الكبار والصغار معاً. لكنه منذ العاصفة الاستوائية الأخيرة معصوفٌ به ، فقد أحدثت أمطار المنخفض الجوي في رَوع الصغار والكبار رعباً تصعب مقاومته دون الاقتراب من فاعليته النفسية العميقة، وهو ما يمكن تسميته بفوبيا المطر التي غادرت بهجتها الأولى ، وهي معادَلة صعبة في مجتمع زراعي مرتبط وجدانياً ووجودياً بالأرض والماء والمطر والسيل منذ أن كان.
ولعل أهازيج الأطفال منذ العاصفة سترى المطر عدواً يخطف الأهل أو يشردهم لاجئين في قُراهم ، فقراء لا يلوون على شيء ، وكلما تذكروا ليلة المطر تداعت إلى رَوعهم صور قاسية، من فوبيا البرق والرعد إلى فوبيا المطر ، بتجليات مفتوحة على قول السياب :
بلا انتهاء- كالدمِ المراقِ ، كالجياعِ ،
كالحُبِّ ، كالأطفالِ ، كالموتى-
هُوَ المطر!
غير أنَّ لـ( فوبيا المطر) تجلياتٍ أخرى ستزدحم في الوعي واللاوعي مشاهدَ قاسية لا تُمحى ، توازيها فوبيات أخرى تُلهب فجيعةً أخرى على امتداد خطوطِ عرضٍ وطولٍ لا إنسانية ، تنتج كارثةَ الكارثة الأشد ضراوةً نفسياً من فوبيا المطر!.




أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن