| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
أدب إنقلابي
حسين عجة
رشيد بوجدرا*
ترجمة: حسين عجة
أولاً كل فعل هو فعل سياسي. كل ممارسة إنسانية تضع شخصين أو أكثر ضمن علاقة هي بمثابة ممارسة سياسية. على هذا الصعيد، يقول بيكاسو : "كل إنسان، بحد ذاته، مستعمرة سياسية". تلك هي السياسية، أي العلائق المُنَظَمةِ ما بين شخصين أو أكثر. بهذا المعنى، كل نشاط هو نشاط سياسي. كل أدب،إذن، سياسي. ومع ذلك، قد يقتضي الأمر إتخاذ شيئاً من الحيطة.
إذا كان الأدب نظرة من حول الإنسان والمجتمع، سيكون ذلك صحيحاً. فإنطلاقاً من تلك الخصوصية، أي من ذلك الشيء الخاص، المحلي أو المناطيقي، بمقدور العمل أو الممارسة الأدبية بلوغ خاصية معينة. أفكر هنا بفولكنر الذي إنطلاقاً من جيفرسون-تلك المدينة الصغيرة الواقعة في المسيسبي والتي نجدها في جميع رواياته-، أي إنطللاقاً من حالة خاصة، تمكن من بلوغ ما هو عام؛ ذلك لأن أدبه كان حالة خاصة دائماً، أي "محلية"، إذا ما شئنا، لكن ما جعله يفيض ويتجاوز تلك الحالة، هو بالدقة التقنية أو التقنيات التي إستخدمها. يمكننا القول،إذن، بأن عمل فولكنر كان سياسياً، لكن بالمعنى الحصري والخاص تماماً.
من المؤكد، ثمة من تيمة سياسية ضمن جميع الروايات التي تستند على التاريخ ولا يمكن للأمر أن يكون عكس ذلك.
إذ يمكننا، في العمق، تحديد الأدب بإعتباره حماساً حيال الآخرين، تحمس إزاء الناس، أو العالم. وليس بمقدورالأدب أن يكون سوى أدب سياسي بالمعنى الأنقلابي للمفردة؛ أي أدب يضع الأشياء على المحك، أدب هدمي، إنقلابي.
شيء ما يماثل الزهد فيما يتعلق بالكينونة مقارنة بشخصية الكائن، بكل ما ينطوي عليه من عناصر مؤلمة متولدة عن التاريخ، عناصر سلبية منحدرة عن التقاليد وعناصر إيجابية، عجائبية، تنتج عن عبقرية الأدب وخصوصيته.
لكن تحديد الأدب بالسياسي، أنما يدفع بدءً لحصره في رقعة معينة. وتفريغه سلفاً من كينونته، من معناه الداخلي، ومن منطقه الضمني الخاص. في ذات الوقت، إذا ما كان هناك معنى سياسي يدور في غالبية الأعمال الروائية، فذلك لأنه غالباً ما كان يسعى الروائيون لتخاذ موقفاً مضاداً للمتماثل، للمقولب، والتافه.
على سبيل المثال، إسطورة مجد الأجداد، في الأدب الجزائري. حاول البعض، قلب تلك الإسطورة. لقد قاموا بما هو معاكس؛ أي التشهير بالأجداد بإعتبارهم قد أخطأوا في مكان ما. ذلك أيضاً يعني القيام بعمل أدبي. أي قلب الإسطورة، قلب الدال والمدلول. وهذا معناه، قلب السيمولوجية الكركتيرية. أن إسطورة تمجيد الأجداد في الأدب الجزائري هي إسطورة مزيفة. بيد أن ذلك ليس سوى مثال ما بين آلاف غيره. بهذا المعنى، الأدب سياسي. لكن تهديم الإسطورة أو الأساطير التي تُعتم إبى حد ما على وعي الإنسان الجزائري، يعني الإستعانة بممارسات أخرى غير السياسية. إستخدام ممارسة التحليل النفسي، مثلاً.
حينئذ، يتعلق الأمربتخفيف المسؤولية السياسية المباشرة. أي إزالتها نوع ما. وذلك ما يظل مرهوناً بنضوج الكتابة. في لحظة كهذه، يجب أن يتصدر الأدبي على السياسي. أما إذا كانت القرينة سياسية، فالسياسي –بالطبع- هو من يتصدر على الأدبي. فالنص السياسي مطالب في أن يكون فاعلاً، بسيطاً، ويتوجه مباشرة نحو ما هو أساسي. على العكس من ذلك، لا ينبغي على النص الأدبي أن يكون فاعلاً. ليس ثمة من فاعلية مُنتظرة من النص الأدبي. بل وحتى ينبغي أن يُقام على فكرة المجانية، اللعب، أو اللذة. ولربما يمكننا القول أيضاً بطريقة تحريضية بأن الأدب مؤسس على ما هو سطحي وغير نافع! لكل شيء موقعه ضمن المحيط الإنساني. الأدب شيء، السياسية شيء آخر. أن يكون العمل الروائي مخترقاً بالتحرك السياسي، ما الذي بمقدوره أن يكون أكثر عادية من ذلك؟
من بين اولئك الذي جددوا الرواية في القرن العشرين، يمكننا، مثلاً، ذكر "دوس باسوس" الذي يحتل التحرك السياسي في عمله مكانة غاية في الأهمية. فـ "الحصاة الكبيرة" و"مانهاتن ترانسفير"، أعظم رواياته، هما نصان للتهديم السياسي الكلي. فهما يضعان على المحك الرؤوية التسكينية للولايات المتحدة الأمريكية في الثلاثينات. ومع ذلك، فإن دوس باسوس بتقنيته ذات الطابع الأمريكي الخاص، قد أستطاع أن يُبدع طريقة جديدة في كتابة الرواية. وما بقي من عمل دوس باسوس، هو ليس نظرته السياسية عن الولايات المتحدة، رؤوية غاية في التعاطف، والإثارة وغاية في الإثراء كذلك، لكنها بعيدة بعض الشيء عن التقنية الحديثة، والإبداع الحداثوي الذي يعكس امريكا الثلاثنيات تلك بطريقة عبقرية ويعيد إبتداع الرواية الأمريكية.
كتب رولان بارت : "أن التدخل الإجتماعي لنص ما (الذي لا يتم إنجازه بالضرورة في ذات الوقت الذي يظهرفيه ذلك النص)، لا يُقاس بشعبية قراءه ولا بمقدار اخلاصه كصدى أو إنعكاس للإقتصادي-الإجتماعي القائم ضمنهما أو بقذفه لنفسه نحو بعض السيوسيولجين المتلهفين على تلقفه، لكنه يُقاس بالأحرى بالعنف الذي دفعه لتخطي قوانين مجتمع ما، أو أيديولجية ما، أو فلسفة واثقة من نفسها ضمن حركة عقلانية تاريخية. أن إسم ذلك التخطي هو : كتابة. .
.(sade,Fourier,Loyola p.16) (ساد، فورييه، لويولا ص 16 )
هذه طريقة مثلى، فبعد بارت لم يوصف الأدب بتلك الطريقة التي وصفه هو بها. إذ من الصحيح القول بأن التدخل الإجتماعي لنص لا يُقاس لا بشعبيته، ولا بعدد قراءه، ولا بوفائه لصدى إجتماعي مولود فيه أو ينقذف نحوه.
فألادب غير مصنوع لكي يستحوذ عليه السوسيولوجيون، ليعينهم على فهم الظواهر الإجتماعية. يٌقاس الأدب بالعنف الذي يجعله يتجاوز قوانين مجتمع بعينه، أيديولوجية معينة، أو فلسفة ما. أي ما يتيح له تخطي تلك القوانين وتحقيق ذاته ضمن تلك الحركة الجميلة التي يتحدث عنها رولان بارت والتي تجعله يقبض ذهنياً على معنى العالم والتاريخ. ثمة قراءة فيما يقوله بارت للوعي وللاوعي الجمعي، وذلك عبر وضعه للأحداث الإجتماعية على المحك، ومن ثم قلبها. لأنه متخطي، يحظى الأدب على إعجابنا. إذ ليس عليه أن يعمل بإعتباره صدى أو إنعكاس تافه لواقع إجتماعي-إقتصادي قاسياً، بل يجب عليه تخطى جميع القوانين وقلبها.
أن موهبة بارت قد نفذت إلى الأدب من الداخل وتمكنت من أن تعيد له كل قيمته، من دون أن تجعله يتسامى أكثر مما ينبغي. ولا حتى أخذه بجدية مبالغ بها. كل كتابة لعب، لكن اللعب ليس الميوعة. فالجميع يعرف بأن اللعب يرتكز بالعمق على العنف. فالعنف شيء مرعب، إن كان ذلك في مجال الرياضة أو ألعاب الشطرنج.
أن هذه الطريقة في تحديد الأدب بإعتباره تجاوز وما يمكن أن يشبه ضد-سوسيولوجية طريقة جوهرية فيما يتعلق بالرواية المعاصرة.
التاريخ مشغلة الإنسان. إنشغال يومي ومهووس. كذلك فإن مُسآلة التاريخ التي نعثر عليها في العديد من الروايات شيء طبيعي.
ففولكنر الأمريكي الذي كانت له هو أيضاً قصة مؤلمةً –حرب الإستقلال، الصراع ما بين الشمال والجنوب-، كان قد تناول بالدقة موضوعة التاريخ، الذي يشكل له هماً دائمياً.
وبذات الطريقة، عند جويس، يشكل التاريخ تيمة أساسية، في روايته "عوليس"، بصورة خاصة. إذ يظهر التاريخ فيها كإسطورة. "عوليس" هي إسطورة تاريخية. كذلك ينبغي أن نتذكر بأن جويس أرلندي. فإرلندا المُمزقة، المنقسمة على نفسها، المحصورة ما بين دينين متعارضين؛ في النهاية، كل تاريخ إيرلندا نجده في "عوليس". حتى وإن بدى ظاهرياً بأن جويس قام بكل ما يمكن لكي يحجب ويغطي ذلك التاريخ القومي المؤلم ولكي يعالجه عن طريق التهكم، أي اليأس. أن الهوس بالتاريخ هذا نجده عند جميع الكتاب الكبار المُجددين.
، إذ نلتقي عنده نفس الوسواس التاريخي Louis-Ferdinand Celine وهكذا هو الأمر بالنسبة "لويس فردناند سلين
عبر حرب 14 -18، التي جعلت منه كاتباً عظيماً، فيما كان يمارس الطب. وكذلك يمكننا قول الشيء ذاته عن كلود فنحن نعثر على ذات القلق التاريخي المعاصر؛ بسبب من حرب 39 -45 التي أثرت عليه كثيراً Claude Simon
وجعلته يكتب تلك الرواية الهائلة "درب الفلوندرز".
كل أدب عظيم،إذن، يشتمل على التاريخ، كونه عنصراً أساسياً في مسآلة الواقع والإنساني. وذلك تضمين جوهري.
ففي جميع البلدان، مثلما نعرف، هناك حالات صمت وتزييف للتاريخ. لذا، فإن الروائي يسعى لإظهار، لكن ليس كمؤرخ، بل على مستوى المحسوس والأدب، حالات الصمت تلك والتزييفات؛ وللقول أيضاً بأن هناك عدة طرق لريادة التاريخ والإقتراب منه. هكذا يكون الفن إنقلابياً. فهو يجيز تحريك فكرة معاكسة للقراءة السائدة للتاريخ. عندما يقبض الأدب على التاريخ يجعله إنقلابياً. فبرسمه للغورنيكا، كان بيكاسو يشتغل بالتاريخ والسياسة. لكن بطريقة تختلف عن الآخرين، على عكس الطريقة التاريخية المبتذلة وعكس المؤرخين. بالمناسبة، لقد قال : "عندما أرسم، أحاول دائماً تقديم شيئاً غير متوقعاً، ولا مقبولاً، وبالتالي يُثقل على العالم". بهذا المعنى هو تخريبي، أي أنه يرغمنا على طرح أسئلة على أنفسنا، ويجعلنا قلقين سياسياً وميتافيزيقياً.
صحيح، أيضاً، بأن جعل التاريخ ينفجر بمثل هذه الطريقة أنما يغذي طريقة فعل الكتابة، يغذي الكتابة. ثمة علاقة ديالكتيكية ما بين التقطيع وتجزئة التاريخ، يعيد فعل الكتابة تحريكها، توليدها ثانية ومن ثم عكسها، داخل الكتابة ذاتها. كذلك فإن الحوادث التاريخية الكبرى واللقاءات العظمى، وعمليات وقف القتال الكبيرة، إلى جانب الخطابات المدوية والمعاهدات العظمى ستفقد أهميتها لصالح تاريخ مؤلم قد عاشه في الواقع اولئك الذين يصنعون التاريخ : الأفراد، الرجال. فالتاريخ مكتظ حد التخمة بالجسد البشري، بالدم والعذاب. كثيراً ما أصر كلود سيمون على ذلك. فهو يظهر في "درب الفلاندرز"، مثلاً، كيف أن كتيبة من الجنود العاديين هي شيء مفزع، وكيف أن تلك الكتيبة تثيرالشفقة عند هزيمتها، لأن الخطابات الملتهبة قد توقفت، وتلاشت المبادء المتحجرة، وخرائط رئاسة الأركان قد أختفت، خطوط الهجوم، الخ...؛ حيث لن يبقى هناك سوى رجال يصرخون خائفين، كائنات تتألم وتفقد عقلها، وتنزلق في كآبتها الخاصة ووحل الفلندرز. ولن تبقى سوى رؤوية الهلع المُعاش تلك والتي نقلها لنا ذلك الكاتب العظيم، أي كلود سيمون. بمقدورنا تسمية ذلك بالتاريخ الجسدي! والذي يحرك فينا كراهية الحرب.
إنطلاقاً من اللحظة التي يكون فيها أدب كهذا تشابكاً ما بين عناصر الحياة، الكائنات، المواضيع والأشياء بغية خلق حقل روائي، فأنه يخول تلك الرواية المرتكزة على التاريخ من أبراز مناطق عذراء، جوانب جديدة من الواقع وحقائق لم يضعها أحد في حسبانه. ليس العلم من يستطيع القيام بذلك؛ إذ تعوزه، بالدقة، ديناميكية التخطي تلك وقلب النظام الذاتي المحض، الحسي، الشهواني و، لنقلها، اللا شرعاني الذي لا يتعامل مع التاريخ إلاّ بإعتباره تراكماً للصغائر، للتيهانات والمتناقضات. وهذا ما يشكل معطى أدبي وروائي هائل ولا ينضب حيث تكون الذاتية الأدبية قد أغتنت من التحليل التاريخي. وذلك ما نطلق عليه عادة بالرواية الحداثوية. نص مهوس بالحداثوية. أي تداخل الحميمي بالتاريخي. تأويل المصائر الذاتية والمصائر الجماعية.
* تمت ترجمة هذا النص عن ملحق مجلة أوروبا المُكرس لدراسة الرواية، العدد 820 -821، أيلول-سبتمبر 1997. من ناحية ثانية، قد لا تتفق أدب فن مع كل طروحات الروائي الجزائري الكبير بوجدرا، لكنها تعتقد بأن موضوعاً كهذا، بما فيه خاصية الوظيفة الأدبية التي يجعلها الكاتب تميل نحو اللعب وما هو "مسطح وغير نافع" على حساب الفاعلية، التي يجعلها حصة مكرسة "للسياسي" وحده، إذا جاز التعبير؛ أي تلك المقابلة التي يطرحها ما بين الأدبي والسياسي. كذلك تداخل ما يطلق عليه بوجدرا "الحميمي والتاريخي"؛ كل هذا وغيره من الطروحات والتحديدات والأمثلة التي جاءت بها المقالة جدير بأن يوضع أمام كتاب وقراء أدب فن، بغية التعقيب عليه، إثراءه بردود أفعالهم، أو ما يمكن أن يأتوا به في خصوص إشكالية الرواية، سيما المعاصرة، وإذا ما كان هذا النمط من الكتابة قادراً لليوم على إبتداع ممكناته الخاصة، وبالتالي فتحه ثانية كحقل للممارسة الإبداعية، بإعتبارها ما يرفض حالة الموت الشائعة اليوم، وما يتجهة عكس تيار تسويق جميع الأشياء وتحويلها إلى بضاعة، بما فيهاالفن، والرواية بشكل خاص.







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك