| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
يكولاس غيلين شاعر الخفة الشعبية
عدنان المبارك
غييلرمو إنفانته
ترجمة: وتقديم عدنان المبارك
ولد إنفانته Guillermo Cabrera Infante الكاتب الكوبي المعروف ، في عام 1929 وتوفي في عام 2005 في لندن . و كان في الخمسينات صحفيا مناوئا لدكتاتورية باتيستا. وفي عام 1959 ترأس تحرير أكبر مجلة أدبية في كوبا ( لونيس دي ريفيليسون Lunes de Revolucion ). و بعدها بعام واحد نشر باكورة أعماله القصصية ( الموجة الراجعة ). و صادرت الرقابة في عام 1962 فلما إعتمد على قصة لإنفانته أخرجه شقيقه وصوّر فيه حياة هافانا الليلية. و في العام نفسه منعت المجلة المذكورة و أرسل إنفانته الى بروكسيل في منصب دبلوماسي. ومنذ عام 1965 بقي مهاجرا. وفي عام 1967 نشر في إسبانيا أهم رواية من أعماله ( ثلاثة نمور حزينة Tres tristes tigres ) إعتبر النقد أن بطلها الحقيقي هو اللغة الإسبانية في كوبا .. وقد تناول إنفانته فيها وقائعا و ليس من ( الثقافة العليا ) بل وقبل كل شيء من الأخرى الشائعة. و في عام 1979 ظهرت روايته ( هافانا لإنفانته الميت ) وموضوعها هو دون جوان خائب من العاصمة الكوبية . وفي الرواية الكثير من وقائع السيرة الذاتية. و في كتابه ( كوباي My Cuba ) من عام 1992 جمع إنفانته مقالاته الأدبية المكرسة للمهجر الكوبي. كما لايخلو الكتاب من مقالات هجومية على أنصار كاسترو . وفي عام 1995 ظهرت مجموعته القصصية ( أهي خطيئة عندما أرقص التشا تشا تشا ) والتي إعتبرت مواصلة لعقد روايته الأولى . ومن أعماله المهمة هناك ثلاث روايات وعدد من النصوص المكرسة للموسيقى الكوبية الشائعة. و في عام 1985 صدرت روايته ( الدخان المقدس Holy Smoke ) التي كتبها بالإنجليزية. و في عام 1997 نال جائزة ثربانتث التي تعد أرفع جائزة أدبية إسبانية. و النص المترجم مجتزأ من كتابه ( كوباي ). ولابد من إيضاح المعنى المزدوج لعنوان الكتاب: في الطقوس الكاثوليكية يردد المؤمن في الكنيسة كلمتي ( إنها خطيئتي Mea Culpa ). وعنوان الكتاب ( ميا كوبا ) حيث يقول الكاتب إن كوبا هي المقصودة كذنب من ذنوبه أيضا...
*
لماذا أسمى بابلو نيرودا في مذكراته نيكولاس غيلين ب( نيكولاس السيء )؟ لم يكن قصده تمييزه عن خورخه غيلين بل الحط من شأن نيكولاس غيلين [1 ]. نيرودا وغيلين كافحا في صفوف الحزب الشيوعي نفسه ، وكلاهما كان طفل الستالينية بالتبني و إستفاد من الإمتيازات ذاتها شأن أراغون الذي تحوّل من سوريالي الى ستاليني ( في الثلاثينات كان جميع الشعراء المهتدين قد مجّدوا ستالين ) لكي يتنقل في باريس بسيارة مرسيدس غالية يقودها سائقه الخاص ، وأنا رأيت ذلك في شارع بونابرت في خريف عام 1965 الذي كان بالنسبة لي عاما تعيسا ، أو لكي يجمع البطاقات المصوّرة والفتيان مما أحنق أندريه بريتون الذي كان يغمغم حينها [2] : !C est degueullasse
لم يكن نيكولاس ونيرودا من اللواطيين ولا من الجامعين الهواة ( ولو أن نيرودا كان يجمع المحار ) ، إلا أنهما كانا يتنافسان دائما فيما بينهما. كلاهما أراد أن يكون شاعر أمريكا العظيم ، غير أننا نعرف اليوم بأن أيّ واحد منهما لم يفلح في مسعاه. في ذلك الوقت هزم نيرودا نيكولاس في نزال غير نزيه في السويد عندما غنم جائزة نوبل. علينا القول إن نيكولاس لم يصبح شاعرا كبيرا أبدا بالرغم من سعيه الدائم الى ذلك. في كل الأحوال حين بدأ يكتب وكان يملك موهبة نادرة ، خيّل للجميع أنه سيصعد عاليا.
في الثلاثينات التي كانت عقدا صعبا على كوبا أخذ يصعد نجم غيلين . ففي عام 1930 أصدر مجموعة أشعار بإسم ( عناصر سون ) [3 ] وكان الشعر الشعبي و الأغنية و الإيقاع قد ظهرت في أولى قصائده. في ذلك العام تعرّف على لوركا الذي لم يخلق فقط إنطباعا قويا في نفسه بل أصبح بنظره أستاذ الشعر الشعبي الذي إعتبره أدبا رفيعا. و في وقت ليس بالبعيد كف غيلين عن إدانة أعمال الدكتاتور ماخادو ، وكان قد كتب حينها أحسن أشعاره. سافر الى إسبانيا في بدايات الحرب الأهلية وهناك نزل عليه كالصاعقة خبر موت لوركا. ولتخليد هذا الموت إنتمى الى الحزب الشيوعي الكوبي الذي رفع فيه الى مرتبة الأستاذية الفذة. حينها لاحظ أحد المنّكتين بأن سون صارت سوسونيت [ 4 ].
حين يقرأ المرء أشعار غيلين من فترته الشيوعية يبدو له واضحا كيف يصبح الفن صنعة ، و الشعر دعاية حزبية ، وفي بعض الأحيان يبدو النص كا لو أنه كتب وفق توصية و أن ثمن كل سطر هو عشرة بيسو [5 ]، وعلى سبيل المثال كانت أبياته عن ستالين ( وقد كتبها في حقبة التطهيرات الكبرى ) التي أخذ مؤلفها بنهج سانتيريا [ 6 ] ( رغم انه كان جاهلا به تماما ) و لجأ فيه الى الآلهة الأفريقية تماما كما لو أن ذلك كان شيئا طبيعيا :
يا ستالين ، ليرعاك تشانغو
وليسهر عليك يمايا !
و المثير هنا أن نيكولاس غيلين لم يكن في الأساس ستالينيا . لم يكن سوداويا أبدا بل أحب على الدوام التمتع بالحياة . كان فنانا ذا وضع غير أكيد ، والشيوعية أعطته محطة حياتية مريحة . تعرفت عليه عندما كنت بعمر الثانية عشرة ، في إدارة صحيفة ( هوي Hoy ) التي عمل أبي كصحفي فيها وغيلين كشاعر هيئة التحرير. وكانت هذه بمثابة مدرسة مسائية حيث كان مكتب لينو نوفاس كالفو وكارلوس مونتينيغرو بجوار رونالدو ماسيفيرير جندي الحرب الأهلية الإسبانية وفيما بعد أحد أكبر الصحفيين المتنفذين في كوبا ، وكان قد ترك صحيفة (هوي ) كي يمارس ما أسماه بورخيس ( إنتهازية تظهر درجة بعد درجة ) و بعدها قتل إثر إنفجار قنبلة في ميامي ، ومن المحتمل أن الفاعل كان المافيا أو فيدل كاسترو.
وترك لينو نوفاس ومونتينيغرو الصحيفة وصفوف الحزب ، أما غيلين فبقي مخلصا لشتى أصناف حلفائه بدءا بباتيستا و أنتهاءا بكاسترو ، وتصرف كأنه يكتب دائما السونيتات فقط. لقد جعلت الثورة منه شاعرا متوّجا بإكليل الغار ، ولفترة من الوقت كان ذلك مبعث سعادته. وعندما كان في مدريد في عام 1965 جالسا في مقهى يشاهد منه الإسبانيات المتنزهات في الشارع واللواتي قمن بإستعراض مُلِذ حقيقي ، نادى غيلين في لحظة معينة : ( هذا هو البلد الذي يمكن أن يطلب الإنسان فيه اللجوء ! ). ولاحاجة الى القول إن من كان يحكم إسبانيا حينها هو فرانكو الذي أمر بإعدام لوركا وهرنانديز كما حكم بالغربة على أبناء وطنه الذين كان قد أسماهم المؤلف الموسيقي المكسيكي أغوستين لارا ب( وردة الإنتليجنسيا ).
بعد تعارفنا في إدارة صحيفة ( هوي ) التي تعود اليوم الى الماضي البعيد ، كنا نلتقي في أماكن شتى . أحدها كان جمعية ( نويسترو تيمبو ) ، وكانت هذه مؤسسة ثقافية تحولت فيما بعد الى إحدى الوكالات الرئيسية للحزب الشيوعي ، وكفت عن أن تكون المكان المناسب للقاءات. و في أحد الأيام قال غيلين لي : ( قلت لأبيك بأنك مع كل يوم يزداد شبهك بغوركي ). وغيلين لم يقدر على معرفة أن مؤلف ( الأم ) كان يثيرني كما تثير الثور القماشة الحمراء ، عدا ذلك كنت أشك دائما بأن نيكولاس قد قرأ ولو جملة واحدة مما كتبه رائد الواقعية الإشتراكية. وفي الأخير كان غيلين مهتما بالشعر و بالضبط شعره فقط.
في نهاية عام 1960 دعت مجلة ( لونيس Lunes ) وكانت الملحق الأدبي لجريدة ( ريفولوتسيون Revolucion ) و الذي كنت أشرف عليه ، بابلو نيرودا الى زيارة هافانا. و على الفور نشر غيلين في صحيفة ( هوي ) مقالا ذكر فيه أن دعوة نيرودا هي في الحقيقة فكرة جيدة و لكن ينبغي دعوة ( الشعراء التقدميين الآخرين ) أيضا ( ومن المفهوم أن المعنيين هنا كانوا الشعراء الشيوعيين ) أمثال رافائيل ألبرتي و ناظم حكمت أو الشاعر الصيني كو مو زو . و في المقال لم تكن هناك إشارة الى أن غيلين لم يرغب في أن يدعى نيرودا لزيارة كوبا. وقد نشرت ردا على هذا المقال في ( لونيس ) كتبت فيه أن الشعراء المذكورين والكثيرين غيرهم على السواء سيدعون يوما ما . وأنهيت الرد بجملة مرحة : ( إذا تعلق الأمر بكو مو زو فالأكيد أن هذا هو المطلوب ! ). وكانت كلمات ( هذا هو المطلوب ) لازمة عرف بها غيلين في أشعاره مثل ( سي سنيور . هذا هو المطلوب ! ). و في مساء يوم الإثنين الذي ظهر فيه ردّي تلفنَ إليّ كارلوس رافائيل رودريغيز ( مدير جريدة " هوي " حينها ) وعاتبني قائلا : ( لماذا فعلت هذا الشيء يا غليرميتو ؟. أنت تعرف جيدا أن نيكولاس حسّاس جدا. ساعة بكاملها شكا بالهاتف بسبب هذه الباروديا التي قمت أنت بها ). هكذا كان غيلين حقا.
في أثناء زيارة نيرودا لهافانا حصلت حادثة صغيرة كانت مسلية لكن ليس للشاعر نفسه. في البدء ألقى أثناء عدد من الأمسيات أشعاره بصوته الجامد ثم إلتقى مع كامل إدارة ( لونيس ) و بعدها أجاب بصوته الرتيب على سؤال متعلق بالثورة وقضايا الفن بالقول : ( ينبغي أيضا التغزل بالقمر ) ، وكان هذا إعلانا جريئا أزاء الواقعيين الإشتراكيين الذين بدأت حينها عدوانيتهم . وفي عصر أحد أيام الزيارة ( وكنا قد خططنا لإطالة أمد إقامة نيرودا المظفرة في كوبا والتوجه معه ، وماتيلدا ذات الشعر المجعّد ، الى سانتياغو ) رافقته أنا بالسيارة الى فندقه ( ريفيرا ) بعد زيارة لهافانا القديمة ، نظر بإتجاه ( بولفار ماليكون) وسأل : ماهذا ؟ كانت هناك متاريس. أجبته : نحن نتوقع غزوا. وسأل : هنا ؟ قلت : في كل مكان . وجه نيرودا والذي كان ينسجم للغاية تعبيره الهاديء على الدوام مع صوته الرتيب شحب حينها تماما. لم يقل شيئا و صعد الى غرفته. وفي ذلك العصر نفسه طلب تقصير الزيارة في كوبا إذ كانت لديه ( قضايا تتطلب التسوية العاجلة في المكسيك ). هل كان هذا مصادفة أم لا ؟ لربما كان الأمر كذلك. بعدها بأربعة أشهر كتب غيلين أبياتا مؤثرة عن موت أحد أفراد الميليشيا ، وفي الوقت نفسه كان نيرودا السليم والمعافى قد كتب ( الأنشودة العامة ) التي مجّد فيها فيدل كاسترو من فترة حرب الأنصار في الجبال. وكانت هذه من أسوأ قصائده. و بصورة ما حصل الثأر لغيلين ذاك ( السيْ ).
إنتخب نيكولاس غيلين رئيسا لإتحاد الكتاب و الفنانين في كوبا أثناء المؤتمر الأول في عام 1961 ( و إخترت أنا لمنصب مضحك وهو أحد نواب الرئيس السبعة المحيطين بنيكولاس مما يذكر بالصيغة الكوبية لحكاية الأميرة و الأقزام السبعة ). و أثناء الحفلة التي إختتمت المؤتمر قدّمت لغيلين مدير ة دار أمريكية للنشر صرخت عندما رأته ( أوه ، إنه هذا الشاعر الزنجي الكبير ! ). قاطعها غيلين على الفور : ( ليس زنجيا بل خلاسي ). بهذه الصورة جرت توعية السيدة الأمريكية.
أكيد أن المقصود كان الى أيّ درجة لايذكر شَعر نيكولاس بالشَعر المجعّد للزنجي و الذي يسمى ( باسا pasa ) كما جاء في قاموس الأكاديمية الملكية الإسبانية . في كل الأحوال كان الإسبان والبرتغاليون من حددوا الفارق بين الزنوج و الخلاسيين في تأريخ أمريكا وبصورة مبكرة جدا ، فالعبدة تصبح حرّة بعد ولادتها طفلا من رجل أبيض ( الجنس لايفرّق بين لون للبشرة و آخر ) ، وفي كوبا القرن التاسع عشر كان هناك الكثيرون من الخلاسيين الذين تسنموا مناصبا ومواقعا عالية ( و كذلك في البرازيل إذ يكفي ذكر إسم الكاتب ماخادو دي أسيس ) رغم أن البلد كان يحكمه الإسبان والكوبيون البيض الذين كانوا يسمون أنفسهم بالكريول [ 7 ] في حين أن من دفع ثمن عيشهم الطفيلي ومصالحهم كان العبيد السود. وفي عمر العشرين كان نيكولاس غيلين أحد أشهر الخلاسيين في كوبا. كذلك كان خلاسيا الديكتاتور فولغينثو باتيستا. أحدهما كسب الشهرة و الآخر تبين أنه كان وغدا.
في الأعوام ما بين 1952 و1959 أقام غيلين في باريس و كما قيل لم يسمح له باتيتسا بالعودة الى كوبا ( و الأمر المثير هنا أن نيكولاس كان لقبه غيلين باتسيتا ) رغم انه كان في ذلك الحين مشهورا جدا في الإذاعة الكوبية و التلفزيون أيضا. و أليسيو غرينيت
Eliseo Grenet مؤلف ( ماما إينيس Mama Ines ) وضع الموسيقى للكثير من أشعار غيلين ، وبولا دي نيفه Bola de Nieve أدى أغان تنحدر من أشعاره وحتى لويس كاربونيل
Luis Carbonell (شاعر الألوان المائية للأنتيل ) كان يردد أشعار غيلين في المسرح والإذاعة والتلفزيون. ولم يكن شعر غيلين مشهورا على مثل هذا النطاق وكما كان حينها.
عندما حدّثني غيلين عن ذكرياته الباريسية روى حادثة من المؤكد أنه لما روى نيرودا مثيلتها .ففي أحد الأيام عندما كان جالسا على رصيف المقهى سمع فجأة محادثة عنه بين إمرأتين ، وكان يعرف الفرنسية جيدا. كانتا فتاتين بدتا له جميلتين وذكيتين ، بإختصار كانتا رائعتين. أنهيتا الحديث بلباقة ولم يبقيا أيّ شك حول أيّ رجل كان حديثهما. و بعد لحظات عادتا الى موضوع الحديث معلقتين على خصلات شعر الشاعر الكبيرة وجانب وجهه وشكل رأسه الشبيه بالأسد . غيلين نهض من كرسيه متأهبا ل( الهجوم ) ولكن كلمات إحدى الفتاتين بددت حماسه . فقد سمعها تقول : ( ولكنه قزم ! ). غيلين سمح لنفسه بهذا الكلام عن مثل هذه الحكايات رغم أنه لما سمح أبدا بسماعها من شخص آخر.
عندما عاد غيلين الى كوبا في عام 1959 ( عاد في الوقت الذي نزل به فيديل كاسترو من الجبال ) لم يكن مشهورا مثل جون لينون الذي كان قد أعلن بأنه أكثر شهرة من المسيح ، ولكنه بالتأكيد كان يتمتع بشهرة أكبر من شهرة تشي غيفارا. رغم ذلك كان هناك إنسان واحد فقط في كوبا يستفيد من الحرية الكاملة ، وهكذا عندما عيّن غيلين رئيسا لإتحاد الكتاب الذي كان قد تأسس حينها كان لابد من أن يكون على مدى بصر فيديل كاسترو. ومرة زار ( طالبنا رقم واحد ) الجامعة في هافانا. وتحوّل وهو يؤدي دور القائد الجامعي في أحد خطاباته ، الى ناقد للفن والأدب طلق الحديث. إمتدح أليخو كاربنتر على روايته ( إنفجار في الكاتدرائية ) مقدّما بذلك الدليل على أنه لم يقرأها إذ ليس هناك كثير من الكتب التي تضاربت الآراء حولها للغاية ومثلما حصل لرواية كاربنتر هذه. بالرغم من أن موضوع رواية كاربنتر ، الأبيض البشرة، كان يتعلق بالثورة الفرنسية لاغيرها ذكر كاسترو انه ليس هناك من كاتب نشط يستحق التقدير مثل كاربنتر. وعندما سأله أحد الطلاب عن غيلين صاح قائدنا الأعلى : ( هذا عديم الجدوى ! يكتب بيتا واحدا في السنة. أكيد أنه أكبر شاعر يقبض النقود في العالم ، وهو يكلفنا الكثير ). وبعدها كال المديح لكاتب أشعار إسمه إنديو نابوري الذي كان يكتب بيتا واحدا كل يوم للجريدة الرسمية ( غرانما ). لم يكن نابوري شاعرا و لا هنديا أحمر و لكن أعجبت فيديل كاسترو مقطوعاته الدعائية السمجة . ونابوري كان على وشك أن يصبح الشاعر الرسمي وهنديا تحيطه هالات الشهرة بقرار رسمي.
وعلى حين غرة نظم شغب سياسي بدا كما لو أنه عملية شنق شعري على طريقة اللنج الأمريكية . طلاب مجهولون لوّنوا لافتة وتحت زعامة ريبيليون القائد الطلابي سابقا والمهرّج الرسمي حاليا ( كان من عاداته أن يجلس عند قدمي كاسترو ) نظموا كورالا ينشد على طريقة غيلين :
يا نيكولاس انت كسلان !
أكتب قبل فوات الأوان !
ومن مرتفع الجامعة توجهت المظاهرة الى الشارع الذي كان يسكن فيه غيلين ( ليس بعيدا و لكن عاليا في الطابق السابع عشر ). كانوا ينشدون و يطلقون الصرخات . وكان ممكنا الإفتراض بأنها مجرد مزحة طلاب لكن وجود ريبيليون أشار الى أن كاسترو من أوحى بهذا العمل. ومن الطبيعي أن يكون غيلين متأثرا للغاية. فقد كان هذا العمل عقابا على ذنب لم يرتكبه. فغيلين كان شاعرا و ليس مطلق كلام مسجوع وفق الطلب.
في حزيران عام 1965 عدت الى هافانا عندما توفيت أمي تاركا منصبي الدبلوماسي في بروكسيل. زرت إتحاد الكتاب للقاء غيلين . وكنا قبلها بشهر قد إلتقينا بباريس ، عدا ذلك فأنا أحببت غيلين دائما ، فقد كان كوبيا للغاية و إنسانا طيبا للغاية رغم أن محاولاتي الشعرية كانت تزعجه. كان مقر الإتحاد في قصر على الطراز الكولونيالي شبيه بقلعة صغيرة هجرها مالكها الثري الذي لم يكلف نفسه أثناء الهرب وحتى غلق الباب. كان غيلين جالسا في مكتبه يتحدث مع شقراء رائعة. و نيكولاس كان معجبا على الدوام بالشقراوات. إعتذر فورا على عدم حضوره جنازة أمي ، كذللك أوضح بأنه حصلت مصادفة سيئة وهي أن والدته توفيت في الوقت نفسه في مدينة كاماغوي التي كانت مسقط رأسه، ولذلك هرع على الفور الى هناك. كان غيلين يكن حبا قويا لأمه ومثل حبي لأمي.
بعدها همس بشيء إعتبرته تعزية. رجاني أن نذهب الى باحة المبنى. وهناك تحت شجرة مانغو كبيرة سألني هامسا أيضا فيما إذا كنت أعرف ما حدث. وكان همسه الذي بدا كزفرات ، حول أن الجميع في كوبا و بضمنهم الشقراوات يتنصتون ( ويحقدون أيضا ) ، ومن يعرف إذا لم تكن تنمو الميكروفونات على الأشجار هنا.. أجبته وكلي أسف بأنني لا أعرف شيئا. كان نيكولاس على وشك البكاء حينما روى لي ما ذكرته سابقا.( إبن العاهرة هذا بعث بعصابة إليّ ، الى بيتي ! ) لم يوضح من كان إبن العاهرة هذا و لكن بالتأكيد لم يكن المقصود ريبيليون.
( نادوا زوجتي الضعيفة الأعصاب وصاحوا باأني كسول و لا أعمل شيئا . هكذا صرخوا مخاطبين روزا ، فأنا لم أكن في اليبيت. إبن العاهرة هذا الذي لم يعمل يوما واحدا طوال الحياة ، مدلل أمه و بعدها القاتل المحترف جرؤ على نعتي بعديم الجدوى! هل تعرف ؟ في يوم ما سيبعث بمثل هذه العصابة إليك و يشنقونك ، فأنت أصغر مني عمرا. أتريد أن أقول لك شيئا آخر ؟ إنه أسوأ من ستالين ، وأنا أقول لك هذا. فستالين مات قبل سنوات طويلة وهذا الغانغستر سيبقى بعدنا جميعا ، بعدك وبعدي ).
كان الشاعر العجوز على حق وعلى الأقل جزئيا . غيلين مات في الأسبوع الأخير و فيديل كاسترو دفنه بكل مراسيم الشرف.
ولكن حتى حين روى لي تحت شجرة المانغو و بذلك الحنق و في الوقت نفسه كاد أن يموت من الخوف ، تلك الحادثة ، كان غيلين شاعرا حقيقيا. عرف كيف يجمع البحور التقليدية بالحداثة وتقنية الحوار ، وكان يعرف الشعر الإسباني الكلاسي أحسن من أيّ شخص آخر في أمريكا و لربما بإستثناء روبن داريو الهندي الأحمر الذي كتب الشعر الحر. وعلى العكس من الشعراء السود من منطقة الكاريبي ، لم يحقق غيلين ما كان من المفروض أن يحققه رغم أنه كان في ذلك الوقت شاعرا أفضل من ديريك ولكوت من سانتا لوسيا أو إيميه سيزار من المارتينيك. ومثل أراغون عمل غيلين من نفسه شيوعيا عندما كان في ذروة إمكانياته الفنية. و بعد كتابة ( عناصر السون ) و ( سونغورو كوسونغو ) بدأ شعره بالهبوط. ورغم أنه قد رشح مرتين الى جائزة نوبل وكونه مشهورا في العالم الناطق بالإسبانية وحتى في باريس ونيويورك وبعد الكثير من حالات التقدير ، فقد أصيب كشاعر بالهزيمة . وهو أمر محزن أنه أدرك بعد عمر طويل هذا الأمر. كان الهاجس الذي سيطر عليه تماما هو شهرة ما بعد الممات وكذلك شبح الموت الذي قديلقاه في طريقه. وقد كتب:
مضيت مرة في الطريق
حينها إلتقيت بالموت...
قبل أن يغفو كان يقرأ كتابا فظيعا ( موسوعة الموت ). وقديما أي حوالي عام 1962 قرأ لي مقطعا من هذا الكتاب يخص ما يحصل لجسدنا بعد الموت عندما يلتهمه الدود الذي هو ليس بالضرورة من أعداء الثورة " 8 “. نصحني قائلا : ( إقرأ ما يكتبونه هنا عن نظام الموت وبدايات تفسخ الجسم ) . لم تكن تلك نصوصا للشاعر بوب [ 9 ] بل بالأحرى لأدغار ألان بو . و إستخلص قائلا ولربما كان يقصد م. فالديمار [M.Valdemar [ 10 : ( رغم ذلك على العكس من الإنسان لايتعرض الشعر الى التفسخ ). هذه كانت كلماته أما معناها المزدوج فهو مني.
كان الإحتفال بدفن نيكولاس غيلين ماركسيا ( أي عسكريا ) . أربعة جنود بلباس الحداد رفعوا تابوت الشاعر الذي كان قد كتب :
لا أعرف أيها الجندي لماذا تفكر ،
بأنني أكرهك...
وضع جثمانه في ( بانثيون الأبطال و الشهداء من أجل الوطن ) ، ومراسيم الدفن كانت تليق بالشاعر الوطني . إلا أنني واثق بأن اليوم الذي نعته فيديل كاسترو فيه علنا بعديم الجدوى و الكسول لايزال يعذّب ذكراه. فنيكولاس غيلين هو ذلك ( ذلك الزنجي ذو الكبرياء ) الفولكنري : ليوكاس بوشام من قصة ( الدخيل )...
و الأكيد أن غيلين سيصحح من العالم الآخر خطأي هذا ويقول بلهجة جادة : ( ذو كبرياء ، هذا صحيح و لكن ليس زنجيا . فأنا مازلت خلاسيا ).
تموز – 1989
هوامش المترجم :
1- غيلين هو لقب يحمله كل من الشاعر الإسباني خورخه و الشاعر الكوبي نيكولاس. الأول توفي في عام 1984 و الثاني في عام 1989 .
2- بالفرنسية : ياللبشاعة!
3 -تعني كلمة son صنفا من الموسيقى الكوبية الشائعة التي بلغت شهرتها الذروة في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين.
4 - المقصود بكلمة sonsonete الطرق الإيقاعي أو الضجة الرتيبة أو اللهجة الساخرة أو الهازئة.
5 - قطعة نقدية في إسبانيا و أمريكا اللاتينية .
6 - تعني santeria وهي تنحدر من كلمة santa أي القديس ، نظاما دينيا – سحريا هو خليط من الكاثوليكية و العبادات الأفريقية.
7 - هذه كلمة فرنسية و أصلها إسباني وبرتغالي ، ويقصد بها الأوربي المولود في أمريكا اللاتينية أو المنحدر من أصل أوربي.
8 - في الأوساط الرسمية الكوبية ينعتون مناهضي الثورة بالدود . والمفرد : Gusano .
9 - المقصود هو الشاعر الإنجليزي المعروف ألكسندر بوب ( 1688 – 1744 ).
10 - بطل قصة أدغار ألان بو المعروفة ( الوقائع في قصة م . فالديمار )







del.icio.us
Digg
يا صاحب الوعد


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك