تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنــقـد»  الروائي جمعة اللامي.. و تخليقات الرؤى المبدعة (*)

الروائي جمعة اللامي.. و تخليقات الرؤى المبدعة (*)

عدد مرات المشاهدة :180 - October 08, 2008

شوكت الربيعي

الروائي جمعة اللامي.. و تخليقات الرؤى المبدعة (*)

 

 

يحتل الكاتب (جمعة اللامي) مكانة عالية في القص الإبداعي، اليوم، فهو يعيد كتابة النص الروائي العربي في العراق بلغة جديدة.
يستخلص من لباب التجربة القصصية في العراق منذ عشرينيات القرن العشرين المنصرم ولحد اليوم ونحن في العام 2008م، ويصوغه من جديد جاعلاً إياه مزيجاً من القصة القصيرة والشعر والسينما والخاطرة والتأمل.
 كتب رواياته برؤية نقدية وبصياغة حداثوية شاعرية شفافة مؤثرة ...) (*)
كانت مؤلفات الروائي (جمعة اللامي) منذ المجموعة القصصية: (من قتل حكمة الشامي)، تحظى باهتمام الناس ونقدة الأدب عاماً بعد عام منذ 1972. على الرغم من أن (حضوره كان بسبب طغيان قادة السياسة وطغاتها إلى عالم الأدب والكتابة)، فإنه اليوم، يقف في صف أقطاب الرواية العربية الحديثة، لأن نصه الروائي يختزن قدراً كبيراً من الأصالة والجمال بمفاهيم الإلتزام الجذابة التي عاشها، قبل أن تضعه (الإيديولوجيا) اليسارية، عام 1958 في مرجل الصراع بين تحولاته السريعة من مجتمع القرية البسيط الى مجتمع المدينة التي كانت تكتظ بالفقراء والمعوزين ممن يلتهم العمل الشاق وقتهم وجهدهم ومشاعرهم.. دفعته ظروفه القاسية في الصحافة إلى الإشتغال متنقلا بين الصحف والمجلات العراقية والعربية.
اتجه بعد مجاميعه القصصية الثلاث: من قتل حكمة الشامي 1975، اليشن 1978، الثلاثيات 1978، نحو الرواية فكتب، أو نشر، المقامة اللامية، في جزئها الأول: أحمد العبد الله تكون لمسافة كتابة الرواية من بعد القصة القصيرة سمة تطورية انتقل الى الرواية من أجل الوعاء الأكبر والأشمل. (..ليست مجاميعي القصصية الثلاث تجارب من أجل كتابة رواية، على الرغم انها انضجت عندي فكرة كتابة روائية . فالمجاميع الثلاث ذات سمات تفصيلية خاصة وان التقت جميعها في فكرة تأكيد الحرية والدفاع عن العدالة، لكن الذي أعرفه جيداً من ناحية الوعي في الأقل، انني كنت أكتب – وما أزال – عن الطبيعة المراقبة، هذه الطبيعة التي تعبر عن نفسها بصيغ متنوعة، لدى كثيرين من كتاب وشعراء العراق . وقبل عامين ابتدأت كتابة رواية من أربعة أجزاء سميتها " المقامة اللامية " أما جزؤها الأول: أحمد العبد الله (لاحظ: محمد عبد الله) فقد نشرت هذا العام في مجلة " الثقافة الجديدة " المغربية، وهي في عمومها ، أقصد الرواية، إعادة صياغة لمدينة عراقية سميتها مدينة " الم – لام " عاشت انشقاقا حقيقيا في الآراء والأفكار والمؤسسات والناس، وشهدت القتل والعذاب . كما شهدت الرجال والنساء الذين يستعدون لان يضحوا بأنفسهم من أجل " الم " جديدة ومتطورة. وهذه الفكرة كما ترى، لا تسعها قصة قصيرة، أو رواية تقليدية، اننا نحتاج الى عمل من نوع جديد، من طراز تلك الأعمال التي تتجاسر وتذكر بحقيقة الشعوب والصراعات الاجتماعية . وذكر الحقيقة كما هي، ثم الا تعتقد ان الطبيعة العراقية تستحق مثل هذا الجهد..) (*).
ولقد تنفست في تلك الفترة، مجموعاته القصصية الأولى ومقالاته ورواياته، ومنها الأعمال القصصية: من قتل حكمة الشامي / اليشن / الثلاثيات و الأعمال الروائية: الثلاثية الأولى / المقامة اللامية / مجنون زينب)، ومعـــها بدأت الثيـــمة الأساسية لكـــتابته تظـــهر للقارئ: العـــزلة والقــلق والحـــب والإيمان والانشغال في مسؤوليات وتفاصيل الحياة اليومية المضنكة، والمخاوف والبحث عن تفاصيل واسلوب حياة بديلة بعد الكارثة التي حلت بوطنه.
و كان (جمعة اللامي) يمنح الأشياء الصغيرة من يوميات العيش فيها، جمالية هادئة وآسرة. تلامس الفلسفة والدين والتصوف والشك واليقين والبحث عن معنى الحرية والكينونة والوجود. لكنه كان يفعل ذلك بلمسة واقعية بسيطة ومرهفة. بلا حبكات درامية معقدة ولا سعي في أثر مادة قصصية مثيرة. إذ ان نصه الروائي، يمسك بالقارئ ويسحره. وفي حين تبدو شخصيات الرواية بسيطة، عادية، بدون خلفيات فكرية أو فلسفية تتحلى بحكمة عميقة في مقاربة الحياة. ولأبطاله منظور فريد للحب والصداقة والسعادة والحزن والشقاء والنضال السياسي والدفاع عن مواقفهم حتى الموت.
 ويكاد معظم الذين كتبوا عن تجربة جمعة اللامي، يجمعون على تأثير وتاثر تلك التشخيصات فجعلوا منها ثوابت طرية قابلة للنمو والتطور الشكلي والمضموني. و(من الغريب- ان تكون المأساة التي عاشها جيفارا وما تبعها من خيبة أمل شديدة الوقع على الشارع العربي والعراقي الذي كان يؤمن بالكفاح المسلح آنذاك، ان تكون تلك المأساة قد وجدت صداها، لدى الكثيرمن شعراء وقاصين في المرحلة الستينية، وتماهى معها العديد منهم تماهياً جعل نصوصهم تفسح المجال للنهاية المأساوية التي عاشها جيفارا لقد استطاعت قوى الظلام والرجعية السياسية العالمية ، القضاء على المشروع الثوري لهذا الثائر، الذي كان يمثل في تلك المرحلة حلماً ستينياً لا يمكن الاستهانة بهِ قط، لنتذكر مسرحية الراحل جليل القيسي على سبيل المثال ؛ جيفارا عاد، افتحوا الابواب . وغيرها، ولكن الاستثمار الامثل كان على يد القاص جمعه اللامي الذي مزج بصورة مدهشة بين طرفي المعادلة، أي بين تجربته الذاتية وبين تجربة جيفارا التي وجد لها صدىً واضحاً في مأساة كربلاء ونهاية مشروع الحسين بن علي في اقامة دولة الحق والعدل، وهو ما كان جمعة اللامي يسعى الى تحقيقه في معظم النصوص القصصية التي كتبها . ومن الضروري التذكير دائماً، في ان الذائقة الفنية التي تشكلت لدينا في تلك المرحلة، هي ذائقة حتمها الصرح التجريبي الذي ساد في مرحلة الستينات، وليس أمامي الان الا الاشارة الى عددٍ من قصصه التي اعتبرها نموذجاً يندر ان تتمتع بهِ مخيلة قاص من ابناء جيله كما برزت مقدرته في تلك القصص كقصصه التالية: من قتل حكمة الشامي وابراهيم العربي ثم تاريخ القتلة، ولعل قصته المعنونة بـ: (أهتمامات عراقية) من النصوص الجديرة بالدراسة والتأمل والاشارة الى تلك الطاقة في التعبير من جانب، والسيطرة الفنية في السرد القصصيمن جانب آخر..)
لسنا بحاجة الى تلمس الطريق واكتشاف المفردات، خصوصاً وان اللغة السردية افصحت عن جوانب كثيرة من الدلالة او الاشارة، وإن المناخ السردي الذي قدمه لنا النص هو مناخ ذو طبيعة توليدية للصور او المشهد الذي كشف عنه هذا المقطع من قصة / اهتمامات عراقية /: ان الجياد اسرعت فوق رمال الويلات، ولنا ان نشير الى تلك الصحراء التي تضمخت بدماء الحسين بن علي (ع) وأهل بيته .. ان اسراع الجياد جاء في الزمن الحاضر مما يشير الى احتدام الموقف القادم او حاجته الى الاسناد، لنجد انفسنا في الزمن الماضي حيث عرف ان النبأ الذي اخبره بهِ جده، سوف يتحقق اليوم ... سنكون مضطرين الى السؤال عن السارد وعن جده الذي أنبأه بتحقق السر القديم هذا اليوم .. نستطيع ان ندرك ان السارد هو المؤلف الذي ينبئنا بدوره في انه يكتب قصة، وسوف نعلم أيضاً ان هذا المؤلف في الحقيقة، يعيد انتاج بعض من النصوص المكتوبة او تلك النصوص الشفاهية التي كنا نتبادل اخبارها والمعلومات الصغيرة والكبيرة عنها في مقاهينا وجلساتنا ومنتدياتنا في ستينيات القرن العشرين، عن مأساة جيفارا، وثورة كوبا او طرائق الكفاح المسلح بين الفلاحين في الارياف او بين العمال والطلبة داخل المدن .. ان جمعة اللامي، وبالقدر الذي لا يخدعنا فيه، في انه يكتب قصته او ماساته هو، أو من خلال اعادة كتابة قصة الامام الحسين او النهاية الدامية للثائر تشي جيفارا ..). (*)
صدرت مجاميعه القصصية ورواياته وهي تنبض بوعي نقدي لتفاصيل الانسان العراقي والعربي في مراحل متتالية، وبوحي شعبي أصيل وفطري في تراكيب مفاصله المجتمعية. .. واكثرها ثيمات ووحدات مستلة من يوميات المؤلف، وصف فيها ما كان يدور من حوله وفي أعماقه، هي يوميات العيش اليومي المرهق ومتاعب الجسد المعذب بالحرمان الذي بدأ للتو يتعرف إلى معاني الحب والشغف بالوجود حيث الواقع الإجتماعي والإقتصادي في بداية الستينات يهيمن ثقيلا على الناس. وكان المؤلف، يحفر صخور طريقه بصعوبة منهكة، في هامش العيش داخل الأزقة المهملة في مدينة الثورة .. قاده إلى الخيوط الأولى لزواج أمده بقوة أعانته على مواجهة المصاعب، والحياة في بغداد تمضي بطيئة ومملة كما كانت في محلة الصابونجية والمحمودية في مدينة العمارة التي دعاها لاحقا (ديرة حلم العمر). ولكن اللغة التي كتبت بسلاستها وعمقها، رواياته، كانت تنبض بالحيوية الحميمة بين الأشخاص. وتمضي بالجميع إلى التأمل واكتساب الحكمة وشهوة الحياة. (هناك خط تطوري يجمع كل أعماله . ولو دققت جيداً في قصص المجاميع الثلاث لوجدت التعبير عن هذا الخط يظهر في أنماط مختلفة، بل ان الشخصيات في كل المجاميع تنمو وتنضج بهدوء، حتى ان بعضها يبدو وكأنه وصل الى التكامل، وهذا ما أشير اليه في كتابات عديدة، في العراق او خارجه.. لكن وبخصوص المجموعة القصصية:(من قتل حكمة الشامي) لا بد من القول انها بقيت معطلة عن النشر لمدة ست سنوات: لقد كتبت المجموعة ما بين عام 65 الى عام 75 ومع ذلك عندما ظهرت الى الاسواق قوبلت بثناء كبير، وقد اعتبرها أحد الاصدقاء المغاربة أهم ما طبع في ذلك العام على صعيد القصص العربي، كما أثنى عليها الناقد اللبناني محمد دكروب إضافة الى كتابة خاصة عن بعض قصصها حررها الشاعر عصام محفوظ . ان " من قتل حكمة الشامي " كانت ايماءة حقييقة للتعرف على وظيفة وطبيعة الشكل في القصة العراقية ولست جازماً في أن ادلي بايضاحات تفصيلية اذا كان البعض يتحدث عن " من قتل حكمة الشامي " دون ان يقرأ المجموعة، اريد ان اذكر لك المسألة التالية: لقد كتب أحد النقاد العراقيين عن المجموعة بأنها علامة من علامات التجديد في القصة العراقية لكنه لم يقرأ إلا قصة واحدة منها، كما أسر لي بذلك ذات يوم، كما ان البعض قد افترض وجود خصومة مع هذه المجموعة لنوايا غير ثقافية أصلاً.) تجارب الشخصيات مختلفة، لكن الهم المحوري لها واحد، هناك تشابه كبير بين ما يريده محمد المهدي في الثلاثية الرابعة، ان هم جميع شخصيات الثلاثيات هو الحرية . كما ان هناك تجربة مشتركة بين هذه القصص الاربع الا وهو الثراث والمعاصرة . بينما نرى شخوص الروايات أناسا يبحثون ليس عن الحرية والحقيقة فقط، بل يبحثون عن حياة نظيفة، منتهى النظافة، مليئة بالهواء النقي).
لقد كان هذا الوضع ماثلاً منذ سنوات طويلة: عمال السفن، عمال الطابوق، الفلاحون عند نهر دجلة او في البوادي . كما كان هذا الوضع ماثلاً في ذاكرته من خلال حكايات الأجداد التي سمعها من أناس لهم صلة رحم خاصة به، قال اللامي جمعة: (لقد روى لي " والدي كيف قتل فلاح شاب ليلة عرسه لكي يكون جسده مادة لاصقة يقام عليها جسر صغير يعزل مياه الاقطاعي عن أراضي الفلاحين . كما رأت بعيني كيف ان فلاحاً يظل مديناً طول حياته للاقطاعي وهو لا يعرف عن الامر شيئاً .. وما ذكره جمعة اللامي يمكن اعتباره مصدرا اساسيا عن مصادر قصصه: المصدر الطفولي، و أبطال قصصه الذين يعيشون ويموتون ضمن محن عميقة، ويختفون – ولربما يكون هذا الأمر هو السبب الأول في اختلاف قصصه عما يكتب – عن " الابطال " الآخرين بحجم العذاب والرؤية) (أبطال قصصه أناس أخلاقييون، وأحيانا يبدون وكأنهم مستلون من واقع غير أرضي، ولكنهم واقعييون حتى نخاع العظم، وامتيازهم الأول والأخير أنهم يتعرضون للعنف وقبول الموت بكل أشكاله المعنوية النبيلة والمادية الصعبة، أي أنهم أخلاقييون في أوضاع غير أخلاقية تماماً . وان بينهم وبين العذاب تصادقاً من ذلك النمط الذي يجعل الألم مصفاة نحو فحص الحياة الانسانية الصحيحة والتوجه نحو أكثر الاختيارات قساوة). (*)
 
كان (جمعة اللامي) قد أصدر مجاميعه القصصية ليصور نفسه في مقتبل العمر،، في ظل نظام عسكري فردي.. اعتقل وتعرض للقــمع والتعذيب والسجن في الحلة و (نقرة السلمان) . مات رفاقه تحت التعذيب. وبقي هو يشتغل بغسل جثثهم ويعيش في الجانب الأبعد من ضفة التأملات:(يتأمل الناس) الذين يعبرون أمامه ومن حــوله. وبــات يشعر بانه مــثل (نخلة الله) في العمارة والبصرة ومثل (نبات الكوكلله والحندكوك) (يلتهمها مع اشواكها).. وتحس برفرفة أجنحة طيور الخضيري والفخاتي و(الكمبرات) بالسرعة ذاتها التي تملأ وجهه الكلثومي ابتسامة عريضة .. كان استنهاض مثل تلك اللحظات من دراق الذاكرة الذهبية، قد أيقظ الرغبة في أعــــماقه وأعادت إليه البسمة و حياة الود وريحان الذكرى. واختلط الحاضر بالمــاضي عند تخوم الخوف على دمار الوطن.. ومع ظلام (الوطن المستباح) صـارت دقات القلب تلاين ذاكــرته. وغدا الوجدان النازف شوقا، يتنازعه نــبض الــحب وحنين النخلة للجذر مع سيرة ما كان.. تجسد ذلك في حوار داخلي، سكب فيه الصور الرشيقة، وهي شفيعه، ونطق العبارات القصيرة، وهي من أسراره المنغمسة بالحكمة والمعرفة والأمل: (.. نحن نتعلم اللغات ولكننا لا نتقن قراءة الأمل..).
يعتبر الكاتب الروائي العراقي (أحمد خلف- 1943) (*) أدب جمعة اللامي القصصي، أدب فجيعة، أي أنهُ ينتسب وينتمي كلياً الى الادب المأساوي الذي تعارفنا عليه في الآداب العربية او العالمية . وترتكز القاعدة الفرية المغذية لنشوء نصوصه على المعادلة الثنائية التي تقول، بضرورة البحث عن الوشائج او القواسم المشتركة بين التجربة الذاتية للمبدع وبين تراثه الوطني او القومي، لذا، فالتجربة الخاصة للقاص الكبير جمعة اللامي من الثراء والغنى بحيث نجدها تطغي في بعض النصوص التي كتبها في النصف الثاني من مرحلة الستينات، على تجارب معرفية واجتماعية وبعضها ذو أصول دينية وأخرى سياسية واضحة المعالم، سوف نأتي على ذكرها وجعل حالة التماس بين ما هو ديني وما هو سياسي ممكنة الشروع في تهيئة النص القصصي الذي كتبهُ . ومن الضروري جداً الاشارة الى أني تعرفت عليه شخصياً بعد مغادرته سجن الحلة في عام 1968، أي بعد صدور قرار اعفاء السجناء السياسيين، وكان قبلها عسكرياً كما ذكر لي هو شخصياً، غير ان هذا العسكري لم يكن مجرد رجل في الجيش تعرض الى الاعتقال او السجن لأسباب تخص المهنة . بل كان مثقفاً سياسياً ومناضلاً داخل صفوف الجيش العراقي آنذاك. وأحسبُ ان تعلمه وتثقيفه ضمن التخصص الذي نحن بصدده كان في السجن تحديداً، ولابد وان تكون لديه بوادر القراءة قبل الاعتقال. ان جمعة اللامي القاص والكاتب والاديب، لم ينكر في أي يوم من الايام، أنه كان عضواً في الحزب الشيوعي العراقي، لكن تجربته هذهِ التي انتهت في سنة 1963، بعد اعتقاله، أصبحت معيناً لا ينضب من الخبرة وتعميق التجربة والاستفادة منها في خلق الصورة القصصية التي ترتكز الى خيال خلاق، وثاني ركائزه المعرفية أو الاجتماعية، أن القاص، حاول ان يستغل ثقافته ومعرفته بتجارب القديسين والثائرين عبر التاريخ، ومما لا ينكر انه قام بعملية مزج توفيقية بين المأساة التي ادركها فيما يخص اطلاعه العميق على مأساة الحسين بن علي (ع) عنه، وبين تجربته الشخصية، أي الفاجعة التي حكمت على اشتراطه الفني في ان تتجلى هذهِ التجربة بخصوصية نادرة بين معظم مجايليه من القاصين، وللأمانة، ينبغي التأكيد، ان جمعة اللامي،كان خلال الايام التي تلازمنا بها معاً وهي عدة سنوات، أي منذ سنة مغادرته السجن حتى رحيله الى منفاه الطوعي، اقول،كان هذا القاص منشغلاً بل منغمساً في تجربته الشخصية التي كانت هي محنته الحقيقية، لذا تماهى مع التجربة الكربلائية بصورة جعلته يستفيد بوضوح تام من مفردات تلك الفاجعة، استفادة أهلته المزج بين ثورة الحسين بن علي (ع) وبين أي ثائر حمل راية الحق من قبل ...) (*)
عاد الكاتب يبدع في روايته: (الثلاثية الأولى).. يتأمل أخلاق الدنيا ليواصل مشوار البدء بأعمال أخرى، مثل: (المقامة اللامية) و(مجنون زينب)..و روايته الجديدة " صراع القوة " و(سيرته التي لم تكتب بعد).. الروايات التي تعكس طبيعة العراقيين السايكولوجية والمجتمعية: " الطبيعة العراقية ".. حقيقتنا كشعب ذي امتداد عميق في التاريخ، هذا الامتداد الذي شهد الحضارات والانتكاسات وسيطرة الاجنبي في الماضي القديم ... كما شهد الصراع العنيف في القرن العشرين، وهو الامتداد ذاته الذي شهد في بعض تفاصيله قمع المفكرين ودعاة الحق والحرية . وكما ترى، فإن هذه " الطبيعة العراقية " هي تناول للشخصية العراقية من عدة أوجه وآمل ان يتاح لي الوقت الكافي لانجاز روايتي الجديدة " صراع القوة " التي تعبر عن هذه " الحقيقة العراقية " في سنوات ما بعد الخمسينات . (*).
 (جمعة اللامي) في "الثلاثية الأولى"(*) كان قد أبدع تجربة روائية " متقدمة " عبر لغة قصصيّة مكثفة، مضاءة بدلالات الدراما الروائية، (ثقافية- جمالية) (رؤيوية- لغوية) فكان ذا صنعة أبداعية ماهرة، مدركة بعمق ماهيةعلاقة اللغة الاشارية والرمزية بالواقع. كما عليه تجربة الكاتب والاعلامي و" الروائي (جمعة اللامي) في تجاربه القصصية السابقة .
 تشكل رواية " الثلاثية الأولى" محطة مهمة لإرساء ثقافة ممتلئة بواقع سياسي واجتماعي معقد، خبر المؤلف حقيقته فجسده في النص فنيا عبر شخصية (عزيز الموسوي). التي مثلت وعيا رصينا لمعرفة معمارية جمالية، أسبغ قيمتها على شخصيات الرواية المحلية المتجذرة في الواقع العراقي، والتي عانت العزلة والاضطهاد إلى درجة الجنون. " قام خالد الأمين، يبكي بصوت مسموع في كل زوايا البار، قال أحد الزبائن: هذا المجنون دائما يبكي، وعلق آخر: أنه ليس مجنونا، وأشتد اللغط، كان الكل منتصرين، وكنت أدرك سر بكاء الأمين" ص47 كانت شخصيات اللامي تنبض بالحقيقة، أبرزها واشدها وضوحا وتأثيرا: (غريب المتروك) وهي شخصية بسيطة شفيفة في نسيج السرد، ومن خلال توصيف (عزيز الموسوي) للشخصية، فان غريب المتروك الجنوبي الطيب قد اتخذ من النضال السياسي والعمل السري فيه طريقا إلى الحرية التي يحقق من خلالها كينونته. و تلك أهم المحطات في مجمل حياة (المتروك). ولقد تبين من حواراته مع (الموسوي) كيف تطور وعيه (الصادم) المكتسب العاطفي البسيط، إلى الحكمة والبصيرة النافذة، فهو يبدو شخصية أفرزتها الظروف المحيطة المحبطة، وأنتجها الواقع العملي، وليد التأمل خلف القضبان والأبواب المؤصدة، و التشرد والحرمان. غريب المتروك الذي حمل السلاح مناضلا ومن ثم أعتقل وعذب وتنقل بين جميع المعتقلات العراقية، قد انتهت أحلامه بعد (خروج بقايا جسده المعذب من السجن) ليمتهن (تغسيل ودفن المناضلين اليساريين المعدومين من قبل السلطة)، وهو مصير مليء بالدلالة على الإحباط.
ان صوت المؤلف، وهو يتلبس شخصية (عزيز الموسوي)، يحمل القيمة المهيمنة للوعي في الرواية (هي الشخصية التي تتفاعل في بؤرة النص وتؤثر في علاقات أحوازها) و تمتلك ناصية التفاعل. عبر الحوار الذاتي، من الماضي، وامتداد تأثيره الى ضراوة الحاضر.
قال الموسوي: " القدرة على الفعل هذه هي المشكلة، يخيل اليّ، أن ثمة اغترابا بين الإنسان ونفسه عندما يكون الفعل غريبا عليه، يحدث هذا في الإنتاج، كما يحدث في الأخلاق، وإذا كنت تخرج إلى العالم من أجل اكتشافه لتصل إلى سعادة أرضية يكون فيها الخارج واضحا بالنسبة إليك، فأني تعاهدت مع نفسي أن يكون ذلك الخارج أكثر أعتسافا.. لم أكن حزبيا كما تعرف، ومع ذلك فأن داخلي يخبرني بأنني أرثكم جميعا "(109)
كان مستوى تفكير عزيز الموسوي هو الذي مثل جانبا من "ذخيرة نص صوفي " فلم يقف انتماؤه لاتجاه فكري وسياسي محدد، حائلا بينه وبين الثقافة بمعناها الإنساني الشامل، وخصوصيتها الأصيلة، يقول لخالد الأمين:" أذا أردت أن تكون حرا فشارك في صناعة الأوطان الحرة"
 إن جمعة اللامي في ثلاثيته الأولى، أراد من توظيف المونولوج، أن يستعيد من خلاله ذكرياته القديمة عن مدينته الجنوبية أو "ديرة حلم العمر" الساكنة في مخيلته، يضرب في قعر المدينة الأم " مدينة حلم العمر"في سهول وسهوب واهوار ميسان ليرسم تخطيطا عن تاريخ العراق السياسي المعاصر)
 أما الشخصية الأخرى التي انتهى مصيرها إلى الاغتيال، فهي (خالد الأمين) الشاب المتعلم الذي أدرك ان خيار الثورة المستمرة سيكون كارثيا " كان يصرخ بصوت عال في البار الصغير: أريد إن أصنع عالمي من جديد، بقوة (الثقافة). ان خالد الأمين يمثل امتدادا لوعي شخصية الموسوي عبر جيل آخر تأثر بمعلميه).
  كانت كل شخصية من شخصيات الرواية: (غريب المتروك وخالد الأمين وكريم البقال وسافرة عبد المسيح) قد اختارت اسلوب حياة خاص بها في عملية الصراع القائمة . فمنهم من فضل السكر والهذيان والتواري عن الواقع البشع قدر الإمكان، ومنهم من تراجع كليا عن مطاردة أحلامه وأستسلم للواقع بعرفه الساذج، كما فعلت (سافرة عبد المسيح)، كان الجميع محبطين، بسبب بشاعة الواقع، كما كشفتها تأملاتهم. وهو مصير رسمه المؤلف المبدع (جمعة اللامي) بذكاء كاتب خبير بجمالية العمل الدرامي الروائي التام.
إن جمعة اللامي، بصفته مؤلفا متماهيا مع شخصية عزيز الموسوي في روايته "الثلاثية الأولى"، كان يعاني محنة مراجعة الثوابت الأساسية في رؤيته للحياة، تلك المحنة التي تظل فيها " ساعة حرجة تدور بعينيك محملقا في جميع الوجوه والعيون فلا تجد من يفهمك "(*) (ليل الكوابيس والجدران وشتاءات البرد وعواصف الرمل الخريفية ما تزال تعيش في دم المؤلف)
كان وجود الصوت النسوي في الرواية، واحدا من أهم البؤر، بالغة الدلالة والأحكام والمعنى الفني، حاضرة في زمن الحدث، هي (مريم بنت مطر) الأم التي عاشت في زمن مضى،عاصرها الموسوي في طفولته البريئة، كان يتسلل عبرها إلى الماضي الرائع، بروعة بساتين (ديرة حلم العمر) " أوصتني مريم بنت مطر فيما كانت تُحنّي راحة كفي اليمنى ليلة العيد، حدث هذا عندما أقبل العيد وأنا دون العاشرة : هي، ستطلع من الماء، وجهها أبيض، شعرها حالك السواد، أجمل من الجمال وأبلغ من الصمت تشع بهاء ونور...عند ذلك أنزل الماء وقبّل الجميلة ما بين عينيها" ص (99) (*) فكان التوظيف الفني لهذه الشخصية يسعى للكشف عن المضمون الثقافي والمقارنة الزمنية بتغييراتها في المجتمع . بالمقابل كانت هناك شخصية (سافرة عبد المسيح) المناضلة اليسارية، التي وُظفت في النص، لتدل على الحاضر والأمل في مستقبل أفضل، كانت تمثل بوادر المرأة العصرية التي تحمل الهمّ السياسي والاجتماعي. إن هذا الانفراج يعني: الأمل الذي أنزرع في ثنايا ترسيمة المتن، كان يمثل الحلم الذي كاد أن يتلاشى وتضيع ملامحه إلى الأبد.
كان (جمعة اللامي) قد وَظف شخصية (سافرة عبد المسيح) لإتمام تقنية هامة في كتابة الفن القصصي، وهي تقنية مشهدي المفتتح والخاتمة لتعطي بُعدا مدهشا لها، فمشهد البداية كان جنازة فوق سيارة، يحيطها جمع من النسوة ورجل " واختلطت بصيحات ندب ولطم وعويل، تصدر من نسوة رافقن رجل ملثم بكوفية مرعز، وكان آخر ممدا داخل تابوت، وضع فوق سطح السيارة" ص (25) أنه المشهد الجنائزي الذي يهيء المتلقي لأجواء الرواية والأحداث اللاحقة التي عبقت بالموت، وختمت بالمشهد التالي "برك عزيز الموسوي على الأرض وفوق سطح السيارة الصغيرة الروسية الصنع كان خالد الأمين يرقد هادئا في تابوت متواضع، قال غريب المتروك: الشهداء لا يغسلون، ونظر إلى عزيز الذي كان ينتحب، قال ناشجا: إنا الذي سأدفن خالد، سوية يا عزيز ..أنا وأنت فقط "ص (115) (*). كان مشهد دفن جثة (خالد الأمين) مؤثرا حشد فيه اللامي الكثير من التراجيديا التي فاض بها حضور شخصياته وصدق معاناتها، ووضع فيها لمسة رومانسية في تجلي شخصياته وهي تعاني العزلة والاندحار الوجودي في أحلك مرحلة من سنوات العراق المعاصر).
 (المقامة اللامية) (*) - ثلاثية تتناول تجربة شخصية (أحمد العبد الله) الذي يأخذ حيز الكتاب بمجمله. ويتركز تصور الكاتب لهذه الشخصية على المفاصل التالية: أولاً التتابع السلالي (من سلالة) في هذه الشخصية بدءاً من سلفه الأول (ألم) مروراً بأبيه (عبد الله) حتى ابنه (وليد أحمد) . وثانيا التحولات التي مرت بها هذه الشخصية، وثالثاً النسق الفانتازي الذي ابتناه المؤلف حولها. (*)-(الاشيقر) وفي المستوى الأول تبدو هذه المسألة مقترنة بأكثر من عمل روائي ريادي عالمي بدءاً من (الصخب والعنف) لفوكنر حتى (مائة عام من العزلة) لماركيز . وأصبح هذا الجانب من المعالجة تقنية خاصة، وطرق هذه التقنية بعجالة يغدو استسهالاً. ويرى أن مفتتح الرواية، كان جميلاً وموفقاً لجهة الرؤيا والرؤية الدينيتين، ومايمكن تلوينه في هذا الجانب. آخذين في نظر الاعتبار أن الهاجس الذي ينتظم مزاج الشخصيات ومناخ الحدث هو هاجس ديني أيضاً: (وكان الليل مثل كهف ولم يكن جدنا الآن يصلي سلم على الرحمانين .. وقال شيئاً ما لنفسه بصوت خافت لم يكن واضحاً بما فيه الكفاية ليسمع بوضوح لكن والدنا كان يرتعد من نسمة برد مفاجأة .. وأطلقت الجدة صيحة مكتومة وخلف جدنا وجدتنا والكلب كان أهلنا وأبناء عمومتنا ينظرون مشدوهين إلى حيث أشار جدنا نحو السماء بغتة ((كانت هنا أشباح وعوارض أشياء تشبه البيوت أخذت تخر علينا من أعلى نقطة في السماء (....) رأينا المدينة التي كان يتحدث عنها جدنا في لياليه لنفسه: مدينة مدورة تحيط بها بيداء رملية، عدة بيوت مبنية بالآجر المطبوخ كما لو انها استلمت من جهنم تواً، وفي وسطها يتعالى بناء بهي تشع منه أنوار خاطفة ..) ص 8. محيي الاشيقر- ملاحظات حول رواية المقامة اللامية - 2/4/1984- مجلة الحرية - العدد 767 -) وفهم الكاتب – عبر هذا النص – نواميس الحياة والتجربة لا تتعدى الموضوعة الدينية بمعيارها الذي ظهر واندفع في نهاية السبعينات، والتي تقول بضرورة هذا الخيار إزاء أسئلة السياسة والمجتمع، والعدالة والبطولة .. !وعبارات وفقرات – وهي كثيرة جدا – من قبل (لا بد أن ننتصر لله في الأرض) و (هؤلاء المعادون لله سيقتلون منا الكثير) و (سيأتي يوم لا بد أن تقاتلوا فيه صورة الله) .. وهكذا لا تجد لها أي دلالة سوى ما يتمناه الكاتب من خارج النصر فقط . فهي لا تتجاوز الخطاب العقلاني بصورته الأيدولوجية. أما التحولات التي تمر بها شخصية (أحمد العبد الله) فهي تحولات باطنية، ومزيج غير واضح المعالم بين الأهواء الصوفية من جانب، والسياسة الغائمة . وحضورها رهن بحضور تداعياتها ومنولوجاتها الداخلية الملغزة وهي تداعيات لا تخرج عن وقع اللغة وأصواتها، والتي تبدو في بعض الأحيان جميلة ! (.. فهو في تلك اللحظات من الإفتكار أكثر اشتمالاً على أن يكون مفهوماً بالنسبة إليه، وأقدر من أي وقت مضى على معاينة قلبه، ومخاطبة كل الحركات وما حواليه من أصوات وهسيس والتياعات وتنهدات .. بتلك الانتباهات الفرحة الملتاعة، وبذلك القبول باليأس والأمل، بينما تبقى عيناه إلى أمام، إلى أعلى إلى أسفل نحو الشرق والغرب، تريد تضمن هذا الوجود وتحويله إلى صور قلبية، صور هو وحده يعرف كيف يعيد تركيبها صور تكاد تتحدث فيها الحيطان إلى الجداول (...) ثم إذ ينظر إلى ذلك الذي تشكل يرمي به إلى السماء وهو يصيح: يارب الكافرين، يارب المؤمنين، يا ربي . فتتجول الرقائم في الفضاء الصحراوي هادئة مرنة وتختلط في الهواء، فيرى في عين روحه إنه ما زال في سفره ذاته، في النجود الصحراوية، أو في أزقة المدينة، قريباً إلى تلك الحروف والجمل متعامداً في سيره وهو ينجذب إلى أعلى، ومائلاً معها إذ تميل وهو ينجذب إلى تلك النقطة الجرمية في كتلة الأرض) ص 18، 19 .والكاتب يحاول من هذا منح هذه الشخصية سمة علوية، وأما الجانب (الأرضي) كما يذهب لذلك المؤلف – باعتبار أن بطله ينزع ما بين السماء والأرض - .. فيتمثل في دخوله المعتقل ولا نعرف كيف دخل المعتقل وهو على علاقة بإمرأة (ملكة) ولا تتضح ملامحها إلا بمساسات حلمية صرفة. أما الجانب الفانتازي الذي أحاط الكاتب بطله به فيتمثل بالمصائر الغريبة التي يختا رها له في صفحات الرواية التسعين فهو (يحرق) نفسه، ويخبرنا كيف أن النيران وألسنتها أخذت بالسباحة على جسده ولكنه يبقى حياً، وهو يهش مواقده على مدى سنوات بجريدة نخل، ولكنها لا تنتهي، وهي لا تحمل أي دلالة أخرى سوى أن تكون جردية نخل، والرصاص يطلق عليه بلحظة الوقوف إلى جدار الإعدام .. ولكنه يبقى حياً وهكذا.. إن مناخ اللغة المستخدمة هو مناخ تاريخي وتراثي إذا صح التعبير . مستفيد من النصوص الصوفية والأدعية والتمائم ولكن سرعان ما يتقلب مناخ هذه اللغة إلى لغة الأخبار والمواعظ والحكم .. بل إلى فلسفة وتجريدات جافة تصل إلى اللا معنى ! ص 50، 58، 62، 72 . في الجانب الآخر من الرواية هنالك حيوات أخرى أراد لها المؤلف أن تكون الجانب المضاد في حياة بطله . وهو (الجنرال) كناية عن الحاكم، و (الغرباء)، والمؤسسة الوطنية (أي السجن)، إلا إنها كانت ناشزة في حضورها الفني أولاً وبقيت خارج الحدث، ويبدو أن سبب عدم حضورها هو هلامية الحدث.) وفي شخصية الراوي (ابراهيم) تستعاد في نهاية الرواية حالة الحاضر – (باعتبار ان كل ما يجري في الرواية هو في الماضي) – بابتسار غريب . ومرة واحدة يكون (أحمد العبد الله)، نزيل سجن خاص بالشيوعيين). (*)
 
إن الأبوة والبنوة، والمعتقل وأسباب دخوله، والحب والجنس، ومقاومة الظلم والدين، والسياسة والأفكار، وشكل البندقية، ووجه القاتل، ومواجهة الموت والشجاعة والتخاذل .. هي موجودات القاع المجتمعي والروحي . وما إمكانية استبطانها والبحث عن مساربها وأشكال انبثاقها في هذه الشخصية أو ذاك الحدث إلا من صلب وعي ولا وعي الكاتب.. وبالتالي في إمكانية على أن يرينا كيف من الممكن أن نكون داخل حياة النص كما نحن خارجه، بلا التباسات (لغوية) أو اختلافات مضافة بقسوة. رواية (المقامة اللامية) لجمعة اللامي صادرة عن اتحاد الكتاب العرب– دمشق) (*)- (محيي الاشيقر).- ملاحظات حول رواية المقامة اللامية - 2/4/1984- مجلة الحرية - العدد 767).
 و قلما نقرأ في مديح اللامي ما نقرأه الان في تقييم القاص محمد خضير في حديثه عن تجارب السرد العربية " نصاً إعترافياً ناضحاً بالغربة والنبذ، أسرع تقدماً من هذا المونولوج المسترسل في قصص جمعة الّلامي، من حافة الولادة على مرتفع في مياه الأهوارالعراقية الجنوبية (إيشان ميسان) حتى الاستقرار الأخير على حافة الخليج في مدينةالشارقة. أدركْنا ـ نحن رفاق هذا المونولوج المتوحد بذاته الغريبة ـ طولَ المسافة التي تفصلنا عن قصص جمعة اللاعبة بجحيمهـا الأيديولوجي، في أعقاب إنقلاب 1963،وانهيار اليوتوبيا الثورية ومقتل أنبيائها في أقبية التعذيب. آنذاك ادركْنا مسافةَ الطقس المأتمي (العاشورائي) الأسود الذي أقامته هذه الشخصية المضغوطة في قامة قصيرةمكوَّرة، وسبقتْنا إلى تقطيع أوصال النص السردي بمونولوجها الهذياني، وكانت قصـص الّلامـي تخفـق أمام عيوننا (قصص مجموعته الأولى: مَن قتل حكمة الشامي؟) مثل راية تنشرها ر يح الخيانات والتصفيات. جهرَ الّلامي بمونولوج مأساة الانقلاب العراقي،تزامناً وتعاقباً مع مونولوج هزيمة حزيران العربية عام 1967، فأنتج التقاءُ المونولوجين الجهيرين مونولوجَ الهجرة الذي حمل الّلامي إلى بيروت المقاومة، ثم مونولوجَ الغربة بين الإمارات العربية المتحدة وقبرص، ولما استقرّ غبار السفر على ساحل البحر، التقط مونولوجُ الّلامي المسترسل رجعـاً بعيداً نابعاً من ميـاه الولادة حول تلال ميسان، فأنماه بزهده وعزلته وحنينه، حتى بلغ به درجةَ الاعتكاف الذاتي على بهاء الخطاب الروحي وانفتاحه على مسافاته الأزلية، وأخرج من جنون الخروج القديم محبةَ اللغة الداخلة في حنايا النص الهامس ببوحه وتوقه إلى عناق الوجود المستأنس بعاداته اليومية البسيطة:كتابة عمودٍ صحفي يومي، الاختلاط بأنماط من الناس، والعزوف عن أخلاط غيرهم، وفوق هذا كله عبادة النور الأسمى. وبينما يتعزّى المناضل المجرَّب بهذه العادات والعبادات عوضـاً عن مخالطة أصناف النـاس في بلاده الأولى، يغادره مونولوجه ـ رغماًعنه ـ ليرتاد قمة التلّ الميساني، ملتقياً بأشباح الأمس، متدارساً معها قيمة التحولات في نص لا يستقر ولا يهدأ ولا يكف عن استرجاع أزمنة العذاب والهجرة. وبينما تستمرّ المدارس هناك، والسهر على أطلال الماضي، يتجرّد السـرُّ من السـرد، ويعود الدّال الفائض في مونولوج الّلامي إلى وكناتِهِ شـافياً مشـفياً من الخطأ والألم، مغتنياً بأنوار الفجر التي تشعشع في أذياله، ليقود النصوص الأخيرة (الروائية المفتوحة) إلى نهاياتها الأكيدة. هل اتسعت المسافة بين جيل اليوتوبيا المضادة (الستيني) ونصوص جمعة الّلامي المفتوحة؟ ثمة خطو منتظَم يقطع المسافةَ نفسها، كلّ على جانب، لكن مونولوج الّلامي يتقدم الخطوات بإيقاع لا مثيل له بين تجارب السردية العراقية والعربية " (*)
 
--------------------------------
 (*)- من القصة الى الرواية - حوار أديب كمال الدين.مع الروائي جمعة اللامي – مجلة / الف باء العراقية.
 (*) - أدب جمعة اللامي... أدب مأساة / أحمد خلف- بغداد 2006
(*)- دراسة بقلم الكاتب – (عقيل قاسم شويع) بعنوان: (من نمطيّة المطابقة إلى محنة الاختلاف)
 (الثلاثيّة الأولى). تاريخ النشر 23/06/2008 06:00- AM
(*)- قرأت تلك الدراسة في الحفل الختامي لـ (مهرجان العنقاء الذهبية الدولي الرحال) المنبثق عن دار القصة العراقية ضمن حلقة دراسية خصصت للروائي المبدع جمعة اللامي الذي كرم بجائزة (قلادة العنقاء الذهبية الدولية) شهر 11/2007 في قاعة العنقاء في دار القصة العراقية.
 
 (*) - رواية (الثلاثية الأولى) جمعة اللامي.
(*)- من القصة الى الرواية - حوار أديب كمال الدين. (هنا ضمن الحوار مع جمعة اللامي، جرى التعرف على بعض خصائص تجربة القاص جمعة اللامي، وتفاصيلها ضمن تجارب جيله نموذجاً ابداعياً خاصاً، فتجربته التي بدأت بالقصة والكتابات المختلفة، وامتدت الى الرواية تعبر عن (مرحلة) خاصة في تاريخ الأدب العراقي الحديث، وهي مرحلة لم تدرس دراسة دقيقة متكاملة ..)
(*) - (.. ان التجربة الخاصة بالقاص الكبير جمعة اللامي من الثراء والغنى بحيث نجدها تطغي في بعض النصوص التي كتبها في النصف الثاني من مرحلة الستينات، على تجارب معرفية واجتماعية وبعضها ذو أصول دينية وأخرى سياسية واضحة المعالم، سوف نأتي على ذكرها وجعل حالة التماس بين ما هو ديني وما هو سياسي ممكنة الشروع في تهيئة النص القصصي الذي كتبهُ . ومن الضروري جداً الاشارة الى أني تعرفت عليه شخصياً بعد مغادرته سجن الحلة في عام 1968، أي بعد صدور قرار اعفاء السجناء السياسين، وكان قبلها عسكرياً كما ذكر لي هو شخصياً، غير ان هذا العسكري لم يكن مجرد رجل في الجيش تعرض الى الاعتقال او السجن لأسباب تخص المهنة. بل كان مثقفاً سياسياً ومناضلاً داخل صفوف الجيش العراقي آنذاك. وأحسبُ ان تعلمه وتثقيفه ضمن التخصص الذي نحن بصدده كان في السجن تحديداً، ولابد وان تكون لديه بوادر القراءة قبل الاعتقال. ان جمعة اللامي القاص والكاتب والاديب، لم ينكر في أي يوم من الايام، أنه كان عضواً في الحزب الشيوعي العراقي، لكن تجربته هذهِ التي انتهت في سنة 1963، بعد اعتقاله، أصبحت معنياً لا ينضب من الخبرة وتعميق التجربة والاستفادة منها في خلق الصورة القصصية التي ترتكز الى خيال خلاق، وثاني ركائزه المعرفية أو الاجتماعية، أن القاص، حاول ان يستغل ثقافته ومعرفته بتجارب القديسين والثائرين عبر التاريخ، ومما لا ينكر انه قام بعملية مزج توفيقية بين المأساة التي ادركها فيما يخص اطلاعه العميق على مأساة الحسين بن علي (ع) عنه، وبين تجربته الشخصية، أي الفاجعة التي حكمت على اشتراطه الفني في ان تتجلى هذهِ التجربة بخصوصية نادرة بين معظم مجايليه من القاصين، وللأمانة، ينبغي التأكيد، ان جمعة اللامي،كان خلال الايام التي تلازمنا بها معاً وهي عدة سنوات، أي منذ سنة مغادرته السجن حتى رحيله الى منفاه الطوعي، اقول،كان هذا القاص منشغلاً بل منغمساً في تجربته الشخصية التي كانت هي محنته الحقيقية، لذا تماهى مع التجربة الكربلائية بصورة جعلته يستفيد بوضوح تام من مفردات تلك الفاجعة، استفادة أهلته المزج بين ثورة الحسين بن علي (ع) وبين أي ثائر حمل راية الحق من قبل ...) (*) (أحمد خلف – بغداد – 2006م) الثلاثية الاولى .... والتماثل مع الموروث الشعبي
يرى الكاتب جاسم عاصي أن نص جمعة اللامي السردي، حاضنة للسيرة، يعـتمد عـلى المخيلة من اليوتيبيا ومن الواقع ولها وجود وتأريخ، يداوم على تصعـيد بنيات شخصياته، المتوزعة عـلى نماذج سياسية هي نتاج حراك تأريخي في محاولة لنقل التأريخ السياسي والإجتماعـي فنص (اللامي) الروائي اللاحق لمرحلة ما بعد الستينيات، لم يأت من تشكل فكري جديد، وإنما إستمد حيويته من إحياء الجذر الأول من قصصه في المتن الروائي . وهو يفتتح عـالمه بهذا الحشد من حركة الشخصيات حيث يبدأ المنحى العـرفاني عـلى أشده، قال له طبيب صديق،  (لـِمَ تنام وكأنك في رحم أمك، تمدد يا أخي، فقلت له أني أ ُريد العـودة إليه }(6). وهو موقف رافض لما يفرزه الواقع، ومستنبت من تناقضاته أولا ً، ومن تشكل بنية جديدة للسارد ثانيا ً، والتي يجدها(اللامي) بديلة له. فهو في آخر المطاف يؤكد وبمرارة عـلى نظرته المليئة باليأس، وهي ذات النظرة التي ينعـكس من خلالها الفضاء الفكري في (الثلاثية الأولى).. { يا أهل اليشن، الويل لي من بُعـدي عـنه، والويل لي من قربي منه. يا أهل اليشن أبحتُ لكم سفك دمي } (7) (جمعـة اللامي) في الثلاثية يطرح عـالمه عبر بنية المكان: هو (اليشن)، الذي أفرز العـلاقة السايكولوجية والإرثية. وبلورها بالعـلاقة الفكرية.، إلا ّأنه يعـمد إلى إختيار مكان آخر متخيل وبديل هو (ديرة حلم العـمر). تتحرك داخله الشخصيات: . وثمة دلالات إسلوبية ترشح الحنين إلى المكان، بحيث تضفي شيئا ً من الصوفية عـلى تلك العلاقة: { قالت: كنت تحلم. / وماذا كانت أمك ترتدي؟ / نفنوفا ً أسود يا أمي. / قالت: هل تحدثت إلى السماء..؟ / نعم، تحدثت عـن بساتين الرضا. / قالت: تعالي إليّ يا عفة الروح. / ضمتني مريم بنت مطر إلى صدرها فاستروحت عـطرأزاهير الهور، وسمعت صمت ماء الكحلاء.} ص(53) ولكي لا يبتعـد عـن المكان فكرا ً يبقي ضمير السرد متعـلقا ً فكريًا، ويبقي ضمير السرد والروي متعـلقا ً فكريا ً بمثابتة، متذكرا ً ما قاله لخالد الأمين: { إذا أردت أن تكون حرا ً فشارك في صناعـة الأوطان الحرة } ص(46). بنية المكان تقودنا الى بنية الشخصيات:
(كل شخصية في الرواية، هي نسيج جامع بين الواقعـي والمتخيل)؛ وصاح بطل روايته:  (عـزيز الموسوي) *، في سجنه سنة 1988" كدت أرى الله، فلماذا تحرموني من رؤيته "، وهو يقدم عـلى مسعـى إنتحاره في غـفلة من رجال الأمن الموكلين بزنزانته، وقد تحقق له ذلك من بعـد } الرواية (17ــ 18) . وبهذا نكون أمام شخصية مركبة، تعكس ممارسات وأفكار حيوية تسهم في تحريك الشخصيات الأخرى: { كان عـزيز منغـمرا ً مع نفسه، مثل ناسك يرى الله نورا ينبع من قلبه.. } ص(27)، الشخصية الثانية: { غـريب المتروك*. كيف يغـيب عـن ذاكرة عـزيز الموسوي؟ رآه في مركز الشرطة الخيالة وصادفه في معـتقل الفضيلية ثم في سجن الموصل. أما في سجن النقرة فقد قاسمه زاده، وفي سجن الحلة صارت العلاقة تأريخا ً، ثم إنقطعـت أخباره } ص(64).
خالد الأمين *- ولأن الإسم يطابق مباشرة شخصية المناضل والشهيد (خالد الأمين) الشاعـر والسياسي الثوري الذي أ ُغـتيل في مقتبل العمر ضمن زنازين قصر النهاية، لذا نجده في النص يمثل مركزا ً مع (الموسوي) بسبب جدية وتجدد أفكاره ونظرته للواقع والعمل على إتخاذ أساليب نضالية تتوافق مع الحراك السياسي والإجتماعـي العـام.قال خالد الأمين: (أُريد أن أصنع عـالمي من جديد) { ماذا فعـل خالد ألأمين* بنفسه، ولماذا هو بهذا الشوق إلى الماء والأرض والبردي والماضي؟} ص(34).إنه نموذج صاعـد في الرواية، يحقق من بـُعـد ذاتي وجوده، بما يفرزه من رؤى وتشوفات حادة وموضوعـية من مثل: { عـزيز لا أستطيع أن أخرج من جلدي }.سافرة عـبد المسيح */ وهي قيمة فنية مؤثرة، مكللة برؤيا التصوف، تسهم في صناعـة المواقف. وكانت العـلامة التي تظهر لعـزيز أو سواه في مشتبك الطرق وتفرعـاتها: { كانت سافرة ماضيا ً، إلا ّ أنها إستمرت في الحاضر، هاهي تنتقل من طائرة إلى أخرى.... كانت تقول: ربما لن يطول سفري، سأرجع ذات يوم إلى هذه الشمس } ص(112). أما شخصية (مريم بنت مطر*)، فهي الإشارة البكرية لعـزيز والسارد: { أوصتني مريم بنت مــطر، فيما كانت تحـنـّي راحة كفي اليمنى ليلة العـيد ــ حدث هذا عـندما أقبل العـيد، وأنا دون العـاشرة، هي ستطلع من الماء وجهها أبيض، شعـرها حالك السواد، أجمل من الجمال وأبلغ من الصمت، تشع بهاء ً، حتى ليكاد نورها يلطف شمس تموز. وعـند ذلك أنزل إلى الماء وقـبّل الجميلة مابين عـينيها. قلت وماذا بعـد..؟ قالت: عـندها الجواب، فجأة وإذ كنت أ ُحدق في النهر طلعت من وسطه، بيضاء الوجه مثل ظاهر بطن بـُنيـّة، سوداء الشعـر مثل نخلة الله } ص(99).
وشخصية (خلوق الملا*) وتعـلق (عـزيز) بها. كان كتعـلق الصوفي بمريده، { لقد تعـرّف عـزيزالموسوي إلى (خلوق الملا) ذات يوم في مقهى البلدية، وهو القائل: لن نتدخل في برنامجك، ثم أنني في نهاية الأمر أحترم ماركس } ص (42). وهو نموذج إتصل تأريخه بالتراجيديا شأنه شأن شخصيات الرواية في النص والواقع حيث: { وجد مقتولا ً عـلى الطرق الصحراوية التي تقود إلى ديرة حلم العـمر } ص(114). أما شخصية (كريم البقال *)، فهو الآخر ينشط من خلال ذاكرة السارد والموسوي، بحيث تتضح خصائصه:{ ــ أنا لا عـلاقة لي بأي شيء، عـلاقتي فقط بغـريب المتروك، وأينما يكن أكن، الأموات لا يعـودون للحياة. / ــ أنتما أصدقاء، جمعـنا السجن ووحدتنا المصائب والآن.. والآن يا كريم. / ــ خلنا من حديث الصداقة./ فوجئت في سجن الرمادي، كانوا يقولون إذا بحثت عـن غـريب المتروك، فستجده عـند كريم البقال، } ص (84). أو أنه يعـبـّر عـن نفسه بأدق التعـابير أما الموسوي فهو القائل:{ دعـني أقول لك شيئا ً، أنت أتيت وأنا أعـرف لماذا. تصور وضع ساعـة مـُلئت ثم تـُـركت فتوقفت منذ عـشرات السنين، أنا تلك الساعـة. }* ص84.
أن الشخصيات تتحرك في بنية السرد وتؤثر في حراك المتن الروائي بحيوية وإستقلالية بسبب تداخل بنى السرد عـبر ذهن السارد المركزي، وبإسلوب ونمط لا يوحي بالقطع. فالسرد مستمر سواء من لدن سارده المركزي أو من تفعـيل الشخصيات، حيث تلونت الرواية بالأطياف والقضاءات والمطاوعـة والتلقائية * وتتطابق شخصيته مع نماذج فكرية ضمن التشكيلة السياسية والفكرية في العراق. فحياة الموسوي زاخرة بالطفرات والإنعـطافات. وحيوية في صياغـة شخصيات كثيرة. ولعل (خالد الأمين وغـريب المتروك*) ثم (كريم البقال *) كانوا المحرك له أو المثير لملكته الفكرية، والشهود عـلى تحولاته. كما وأنه شاهد عـلى تراجيدية حياتهم. إذ تعـد النهايات التراجيدية(لخالد والغـريب) نبوءتان لمصيريهما فهو القائل: { كدت أرى الله فلماذا تحرموني من رؤيته }. (عـزيز الموسوي) هو الشخصية المركزية،{ مثل ناسك يرى نور الله ينبع من قلبه } ص (28)، وهذا يشير إلى عـمق تجربته الصوفية التي آل إليها من بعـد جهد سياسي محبط، وتجربة السجون والزنازين والإستجوابات. لذا فشخصيته كانت قد صـُقلت وتبلورت وجهتها، وتوحدت نظرتها وإتضحت، فهو القائل: { عـلمتني التجارب والمحن والسجون أن الثوري لابد أن يجاهد نفسه} ص(44). وهذا ما دفعـه كعـادته في سيرته الوطنية ؛ أن تتوازن عـنده الصورة، مع ما ينعـكس في المرآة. بمعـنى تطابق عـنده الفكر والممارسة. فقد ذكر لخالـد الأمين { إذا أردت أن تكون حرا ً فشارك في صناعـة الأوطان الحرة }* ص (46).
إن دورة حياة (الموسوي) هي دورة مركز النص حول نفسه، تتركز في مثل هذه العلاقة المعـرفية والتأريخية، و لقد عملت الرواية على تشكيل حالة دوران الشخوص حول   (الموسوي) كالتالي:
 الموسوي* / خالد */ المتروك* / كريم* / سافرة */ مريم * / خلوق*
السارد* (تناصّ) * / ملحمة جلجامش*
 تماثل* / سافرة * (عشتار) * / المتروك * / الموسوي* (جلجامش) *
 مريم* / (أنكيدو) * 
(*) - المسألة المركزية في الرواية؛هي إشكالية (عـزيز الموسوي) الذي شكـّل مركزالنص. فعـلاقته ب(سافرة بنت المسح) تنم عـن شد فكري بإعـتبارها حالة من الإستلاب والمصادرة، سواء كان لمسيحيتها أو لكونها باحثة عـن الحرية في أفضل أوجهها، ولأنها وضعـت في دائرة الإستغـلال والإضطهاد الإجتماعـي، فإنها توسطت المنطقة القلقة في المفهوم النفسي. وقلقها دفع إلى قلق الأمكنة التي تتواجد فيها. فالمكان عـندها خالق لكل ما يؤثر عـلى الشخصية من منطق النظرة السلبية للآخرين. لذا ف(سافرة) بالنسبة إلى (الموسوي) تشكل حالة القياس والإثارة. يضاف إليها شخصية (مريم) التي أعـطت الصورة الأكثر نقاءً قياسا ً لصورة (سافرة). لقد كان حراك هذه الثنائية هو دوران حول المركز المتمثل في (الموسوي)، مما بلور ثيمة الرواية في إتساع الرؤيا وتمركزها حول إستدراج المعـاني من الموروث. يضاف إلى ذلك ثنائية (الأمين والغـريب) ودورهما في إحياء مثل هذه المعرفة المتمثلة في النص. وتعـني هنا إستثمار شخصيات فاعـلة من ملحمة (جلجامش)، لوضع هذه الثنائيات موضع الفاعـلية والإغـناء، وذلك بزيادة وتيرة المعـنى والتماثل مع التأريخ والتأريخ الأسطوري. ويمكن رسم هذه الثنائيات كالآتي:
الموسوي*
تنائية * ثنائية
(الغـريب + الأمين) *
(مريم + سافرة) *
جلجامش*
أنكيدو *
عـشتار *
ملحمة جلجامش*
الثلاثية الأولى*
{ ليقبلني بقبل فيه، فإن حبك / أطيب من الخمر / وإسمك دهن مهراق، فلذلك أحبتك العـذارى } ص (72)
وهكذا تتبلور شخصية (الموسوي) لتتجاوز نفسها، متلبسة بشخصية (جلجامش)، وهو يخاطب نفسه:{ لقد أفزعـني الموت حتى همت / عـلى وجهي في الصحارى / إن النازلة التي حلت بصاحبي تقض مضجعـي / آه، لقد غـدا صاحبي الذي أحببت / ترابا ً وأنا سأضطجع مثله فلا أقوم أبد الآبدين }* ص (73).
------------------------------------------------------
(*) - محيي الاشيقر- ملاحظات حول رواية المقامة اللامية - 2/4/1984- مجلة الحرية - العدد 767
(*) - رواية (المقامة اللامية) لجمعة اللامي صادرة عن اتحاد الكتاب العرب - دمشق
(*) - محيي الاشيقر- كاتب عراقي ـ دمشق – السويد.
(*) - ملاحظات حول رواية المقامة اللامية - 2/4/1984- مجلة الحرية - العدد 767 -)
(*) - شهادة القاص المبدع محمد خضير
(*) – جاسم عاصي - الثلاثية الاولى .... والتماثل مع الموروث الشعبي
(*) – عبد الرزاق الربيعي – (شاعر وكاتب عراقي- مسقط ـ سلطنة عمان)
(.. لقد حلم جمعة اللامي كثيرا بعراق جميل تعود اليه الطيور المهاجرة التي اتعبت اجنحتها المنافي،وسنوات العمر وادوية الضغط والسكر ... حلم كثيرا ...ولكن ظلت رواياته واقاصيصه واوراقه وكتبه على الرفوف في عالم ادار ظهره لكل ماهو جميل...)
 
...............
(*) - الهوامش
1ــ من قتل حكمة الشامي. جمعـة اللامي. دار الطباعـة للنشر / بغـداد 1976 ص 17
2ــ نفس المصدر ص18
3ــ نفسه. ص 19ــ 56
4ــ نفسه. ص20
5ــ نفسه. ص 58
6ــ اليشن. جمعـة اللامي. وزارة الثقافة والفنون / بغـداد. 1968
7ــ نفس المصدر.
(*) – الهوامش الخاصة بدراسة الكاتب جاسم عاصي - بعنوان الثلاثية الاولى. والتماثل مع الموروث الشعبي*
1ـــ آفاق التناصية المفهوم والمنظور / ترجمة د. محمد خير البقاعـي / دراسات أدبية 1998ص (37).
2ـــ الأسطورة والتوراة / ناجح المعـموري / المؤسسة العـربية للدراسات والنشر 2002. ص (14ــ15).
3ـــ التناص نظريا ً وتطبيقا ً / د. أحمد الزعـبي / مكتبة الكتاني ــ اربد ــ الأردن 1997
4ـــ أدونيس متحلا ً / كاظم جهاد / مكتبة مدبولي 1993. ص (16)
5ـــ أنجزنا دراسة عـن الرواية بعـنوان (جمعـة اللامي في الثلاثية الأولى. مقامة المدينة وسيرة الشخصيات)




أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن