| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
والشعرُ ماذا يفعلونَ به؟!
د. سعيد الجريري
للعقاد عبارة مفادها أن وطنية الشاعر ليست في تغنيه النمطي بالوطن وأيامه ووقائعه كشاعر القبيلة القديم أو شاعر القصر المعروف،ولكنها تتجلى بأروع ما تكون في أن يكتب شعراً يحبّب الشعب في الزهور.
لم يكن العقاد يتحدث- بطبيعة الحال -عن إشاعة جو رومانسي، وإن كانت الحياة أشد ما تكون لنفحات منه ما بقي الإنسان ، و من الرومانسيين من صرخ ذات يوم بأن الحديث عن الأشجار وروما تحترق جريمة.
عبارة العقاد في غاية الأهمية والعمق في الوعي بالشعر ووظيفته من حيث هو مكوّن جمالي من مكونات الذات الإنسانية الجميلة الحرة المنسجمة مع الكون والأشياء والأحياء.
غير أن الشعر لم تعد له الآن الأهمية نفسها ، وغدا منظوراً إليه باستعلاء دال على استرخاص واستهانة، بدعاوى مختلفة لعل أدناها أن العصر عصر تكنولوجيا وثورة رقمية، وليس عصر خيال ومجاز واستعارات وموجدة، في صورة من صور القصور في النظر إلى الذات الإنسانية في اختلافها عن الآلة والحيوان والمخلوقات كافة. فهل نتساءل: ماذا تفعل المدرسة مثلاً بالشعر؟ وماذا تفعل بالجمال؟ وماذا تفعل بالحرية؟ وماذا تفعل بالوطن؟ بل ماذا تفعل بالإنسان؟
ليس ثمة ما يحفز على محبة الشعر، فالنصوص المقررة في مدارسنا إن سلمتْ من غرضية الاختيار، فإنها لن تنأى عن مدرس في الغالب لا يحب الشعر، إن لم يكن يحتقره أولا تستغويه جمالياته، و له في واضعي المنهاج أُسوة غير حسنة من حيث الغايةُ والهدفُ الموضوعان في ذيل كل نص، فالتقويم لا يلتفت إلى النص وفاعليته الجمالية، بقدر ما ينشغل بالسؤال عن الشاعر وحياته وغرض النص وأفكاره الرئيسة وبعض جوانبه المضمونية وشيء من مفردات النحو والصرف والبلاغة، حتى لكأنما النص مختار لكي يكون مجرد شواهد بطريقة معيارية باهتة.
غير أن الأدهى من ذلك أن أغلب مدرسي اللغة العربية المعاصرين لا يقرؤون الشعر ولا يحبونه، ثم يدرسونه!! وإن زعم بعضهم أنه يحب الشعر فهو لا يحب إلا ما يعرّفونه منذ قرون بأنه ( كلام موزون مقفى وله معنى)، وهذا في كثير من حالاته نظم بارد ، إن لم نسمّه ( نِعْراً ) بحسب اقتراح الزميل د.عبدالقادر باعيسى في مقالةٍ له في صحيفة (الثقافية) عنوانها (الناعر الكبير).
مدرس لا يحب الشعر ولا يتذوقه، فكيف له أن يتكشف جماليات الشعر وأسرار النصوص ؟ وكيف له أن يحبّب الشعر وجمالياته إلى الطلاب؟ ونصوص مقررة لكي يحفظها الطلاب ، ويعرفوا أغراضها وبعض الشواهد اللغوية، فكيف يتذوقون الشعر ويتغلغل الجمال في تشكيل ذواتهم نفسياً؟
فهل صحيح - بعدئذٍ - أننا نتعلم عداوة الشعر في المدرسة كما يقرر المغربي ياسين عدنان؟ وهل لنا أن نعتذر للعقاد بعد هذه العقود التي تبلورت فيها مفاهيم جديدة ومداخل حديثة لدراسة النص الشعري من حيث ينبغي لنا أن نضيف إلى قوله ممارسات في تشكيل جماليات النفس العربية بجماليات النص الإبداعي وأثرها في توازن الشخصية وإحساسها بمعانٍ غير مرئية لجمال الكون؟
كثير من مدرسي اللغة العربية في مدارسنا إن أتاهم طالب يحاول كتابة الشعر، فإن لم يصدوه عن التعبير عن وجدانه المتفتح على بهجة الدنيا ، فإنهم لا يجيدون توجيهه خارج منطقة المرفوع والمنصوب إن تيسر ذلك، ولذلك فالمدارس لا تكتشف المواهب الإبداعية. وإن صدف أن كان ثمة موهوب يستعين بأحدٍ خارج أسوار المدرسة ، فإن المدرسة في احتفالها السنوي ستوجهه للكتابة عن الوطن أو الثورة أو ما اقترن بهما، لأن مبلغ علم المدير أو المرشد بالشعر لا يتعدى التعريف القديم السالف الذكر، وتتجلى صورة من صور التكسب بالشعر بلسان بريء لطالب تُغتصب موهبته الشعرية في ساحة مقدسة!
لعل لواقع الشعر في المناهج المقررة والمدارس أبعاداً لم تُقارب ، أو زوايا لم تُضاء ، لكن من المؤكد أن من نتائج الابتعاد عن عبارة العقاد الذهبية أن كثيراً ممن ينتحرون بكيفيات مختلفة هنا أو هناك من فرط اليأس والإحباط هم ببساطة- بحسب ياسين عدنان - شباب لا يقرؤون الشعر ، أو درسوه بركاكة أعطت نتائج عكسية حتى أنها صادرت طاقة الحلم والأمل وقيم المحبة والجمال والتسامح التي يرسخها الشعر عادة في نفوس البشر العاديين.
هل في الكلام عن الشعر وتذوقه شطح على الواقع؟ رُبَّما.. لأن الإشكالية ليست في تذوق الشعر دون غيره، ولكنها في إجادة الرسم الإملائي قبل كل شيء!
فماذا يعني السؤال في العنوان؟ أ يعني ما حاجتهم إلى الشعر أم يعني ماذا يجنون عليه؟.







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك