| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
الديوان العراقي للشاعر ابراهيم المصريِ
صادق الطريحي
عن منشورات بابل - المركز الثقافي العربي السويسري ، وضمن السلسلة الشعرية 17 صدر (الديوان العراقي) للشاعر إبراهيم المصري.
وربما يذكرنا هذا الديوان بـ (الديوان الشرقي) للشاعر الغربي ، بل هو يذكرنا حتما ، فالشاعر المصري يكتب العراق من خلال رؤية شخص عربي وتجربته ، فيقرر، أن من يدعي فهم مصلحة العراقيين أكثر منهم فهو معتوه. استطاع إبراهيم أن يكتب الديوان العراقي بحكم عمله في الإعلام الفضائي ، تشهد عليه مرثاته المؤثرة (سرّ من رآى .. أطوار) وهكذا صورت شرفات الديوان في لقطات تلفزيونية مباشرة ، وأخرى حدثت قبل لحظات أو ساعات ، وأخرى ستحدث بعد حين. ثم استطاع أن يحول هذه الصور المرئية إلى صور كتابية ، باستخدامه لغة الحديث اليومي ، وهي لغة نثرية ليس لها ذلك الحظ الوافر من الجمال ، ولا يمكن لها أن ترقى إلى مستوى الكتابة الفنية ، غير أن القليل من الشعراء استطاع ترويض مثل هذه اللغة لصالحه دون الوقوع في فخاخها ، ولا أدري بم تأثر إبراهيم المصري أبـ (اليوت) مباشرة أم بـ صلاح عبد الصبور الأقرب إليه لغة؟ وفي الحقيقة لا يحتاج شاعر مصور مثل إبراهيم المصري إلى كثير من الذكاء أو التأثر، ليدرك أن هذه اللغة هي الأقرب لتصوير الحدث اليومي الدامي والساطع حد الشمس ، أيحتاج هذا القتل المجاني المباشر إلى لغة شكلانية تتوزع فيها الكلمة في فضاءات الورقة الملطخة بالدماء؟! أو هل تستطيع اللغة التجريدية أو المجازية أن تصور الموت أكثر من :
أعطانا العراق
بدر شاكر السيـّاب
وأعطيناه أبو مصعب الزرقاوي
أعطانا نازك الملائكة ...
وأعطيناه مناضلي فضائيات...(ص31 )
وما الفائدة من كلمات تعتمد الجرس الصوتي أو المعنى الإيحائي مادام الشاعر يسمع صوت الموت يركض في شوارع العراق؟! لقد أثبت لنا إبراهيم في هذا الديوان المسلمة القائلة ، إن لغة الشعر ترتبط ارتباطا شديدا بموقف الشاعر من الحياة ومن رؤيته لها. وحتى يروض إبراهيم المصري لغته ، ويصعد بكلامه النثري اليومي إلى مستوى الشعرية ، استعمل عددا من الأساليب المناسبة ، فمثلا استعمل ما يمكن أن أطلق عليه مصطلح (الصورة الإيقاعية) وهي صورة غالبا ما تكون حسية ، ومشكلة جماليا بحيث يمكن للحواس أن تدركها مباشرة ، إذ تتكون من طرفين نابضين ربما يكونا في حالة تواز أو تقابل أو مفارقة ، مما يعطي الصورة زخم التواصل والحركة مع المتلقي ، ولكي يعطي المتلقي فرصة أكبر للتواصل مع الصور فقد تركها بلا عنوانات ، وكأن الصورة نفسها لا تحتاج إلى عنوان أو أن المتلقي هو الأقدر على وضع عنوانها مادامت صورة مباشرة ولا تحتاج إلى عناء كبير لإدراكها.
لنأخذ مثلا صورة ساحة الفردوس التي كانت الشاهد الأول على سقوط الدكتاتورية :
في الواقع ..
أصغر مما تبدو عليه
في أي صورة فوتوغرافية
لكن بغداد..أكبر
من أي صورة. (ص9)
في أصغر وأكبر طباق واضح ومستعمل على نطاق واسع ، لكن صورة ساحة صغيرة في بغداد التي هي أكبر من أي صورة ، يعطينا إحساسا هائلا بكبر حجم ساحة الفردوس.
وفي صورة أخرى يبدو للشاعر أن أهل العراق في تناقض مستمر:
عنيفين هكذا
وطيبين إلى حد الوداعة.
ثمة سر لا يعرفه
إلا من يقبض أنهارا تجري
بين يديه.(ص15)
لقد سبق أن فسرت الحركة المتناقضة في المجتمع العراقي بحركة أمواه دجلة والفرات في هدوئهما حد الوداعة وفيضانهما العنيف.
وفي صورة مؤثرة أخرى صورها إبراهيم المصري مع صديقه العراقي:
كانت الصواريخ تمر أمام عيني
ثم تستقرر على أهدافها
وكانت الصواريخ تمر أمام عينيه
وتستقر في فؤاده. (ص20)
وربما كانت الصورة بطرفيها المتوازيين جدّ واضحة لنهاية هذه الجملة ، ولسنا بحاجة إلى دليل من الشاعر الذي رآى أن وجه العراقي يتقلص مرتعشا لحظة الانفجار.
وفي صورة صباحية أخرى نرى فيها كربلاء وهي شبه خالية ، إذ تتوهج قبة الحسين تحت شمس حارة ...، ولكن:
ورؤوس مقطوعة...
تتجول في الخفاء
بحثا عن الماء
أو الطمأنينة. (ص23)
وحدها كاميرا الشاعر يمكن لها أن تنقل هذه الصورة المخيفة لمدينة تتجول فيها الرؤوس المقطوعة من كل الأزمان.
وفضلا عن صور أخر ، يمكننا الاستنتاج الآن ، أن إبراهيم المصري استطاع في صوره الإيقاعية التي استمدها من الواقع أن يوزع شدة الحدث على طرفي الصورة ، معطيا لها أشد درجات الوضوح ، ومؤكدا إن إيقاع النثر هو تنظيم لإيقاعات الحديث العادي.
ومن الأساليب الأخرى التي استعملها الشاعر ، هي توظيف الموروث الشعري والتأريخي في صوره ، ومن ثم إعادة إنتاجه مرة أخرى ، فمثلا كانت (انشودة المطر) مضمنة في أكثر من صورة :
هطل مطر على بغداد
والسيـّاب لم يكن حاضرا
...
على أي حال.. لن يمر عام بعد الآن
والعراق ليس فيه.. خبز.
تحول هنا بيت السياب المشهور(ما مر عام والعراق ليس فيه جوع) من جملة ذات فعل ماض منفي إلى جملة ذات فعل مضارع مؤكد بـ (لن) وهي أداة تخلص الفعل المضارع للمستقبل ، لتؤكد النبؤة التي يبشر بها الديوان العراقي بقيام بلد مستقر ومسالم.
ووظف الشاعر البيت الغزلي الشهير( يقولون ليلى في العراق مريضة / فياليتني كنت الطبيب المداويا) في لقطة شعرية جديدة ذات أبعاد سياسية:
الجامعة العربية
ممثلة بشعوبها وبقمتها السامية
تنظر في أمر العراق
حسنا...
ليتهم يرسلوني طبيبا.(ص17)
وفي نص (سرّ من رآى .. أطوار) سرعان ما تتحول سامراء التي قتلت عندها أطوار بهجت إلى اسمها القديم ، ولكن لا ليشير إلى المدينة ، بل ليشير إلى حادثة عراقية:
سرّ من رآى...
أليس كذلك يا أطوار
سرّ من رآى وجهك
من عرفك وزاملك
وسرّ قلبك الآن...(ص160)
ويبدو لي أن هذا التوظيف للموروث لم يكن اعتباطا أو مجرد تلصيق (كولاج) شكلي ، لأن الشاعر استطاع أن يغير من وظيفتها السابقة ، ليدرجها ضمن سياق جديد.
ووظف الشاعر كذلك عددا من الكلمات الشعبية من اللهجتين العراقية والمصرية أزعم أنها منحت الديوان مسحة من الجمال ، لأنها جاءت بلا إسفاف ، ولأنها متوافقة مع الحالة النفسية للشاعر الذي استعملها حقا إثناء تصويره للقطات الديوان.
ومع ذلك لم يخلو الديوان من حشو أثقل بعض صوره ، والحشو في قصيدة النثر من المرفوضات قطعا ، فكيف إذا استعملنا لغة مثل لغة الديوان العراقي تحتاج إلى وعي مضاعف بضرورة تكثيف المعنى ؟ لنشاهد هذه الصورة :
حين نشاهد صور قتلى حلبجة
لن تصدق أن هؤلاء البشر المشوهين
بالأسلحة الكيماوية...(ص16)
إن عبارة (الأسلحة الكيماوية) زائدة ، ولو حذفت لما طرأ أي تغيير في شكل الصورة ، فالكل يعرف أن حلبجة قصفت بالسلاح الكيمياوي ، ثم إن عبارة (البشر المشوهين) تعطي المعنى ذاته.
أو في هذا المقطع من هذه الصورة:
... إنهم بشر
والبشر كما نعلم. (ص56)
ففي العبارة الثانية من هذا المقطع تكرار نثري وتلقيني ممل.
كتبت قصائد الديوان في العام 2004 ونشر الديوان في العام 2008، وإذا ما تذكرنا العنف الوحشي في تلك السنوات العجاف ، أدركنا القيمة الفنية والإنسانية للنبؤات التي تحملها صور الديوان جميعا ، لنشاهد هذه الصورة التي لم يستطع التنبؤ بها أحد من الساسة !:
غدا يتحدث العراقيون عن الحرب
كما لو كانوا يتحدثون
عن إصابة بالزكام. (ص119)
من الممكن أن نصنف الديوان ضمن الشعر السياسي ، غير أنه جدّ مختلف عن الشعر الآخر، بكونه خال من أي تحريض ثوري!! فقد انتهى ذلك العصر الثوري المزيف الذي كان الشعر العربي يدور في إطاره.
أما أنا فسأصنفه ضمن (الشعر الإنساني) ذلك الشعر الذي يعبر الذات ليتماهى مع الذات المشتركة للآخر ، متحاورا معها ، متسائلا معها ، مشفقا عليها ، مطالبا بحقه منها ، ولكن ... بالشعر.
.............
اعتمدت الورقة في إطارها النظري على :
• دير الملاك ، د.محسن أطيمش ، بغداد ،1982.
• نظرية الأدب ، اوستن وارين و رينيه ويليك ، ترجمة محي الدين صبحي ، القاهرة.







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك