| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
المديح لسيد الحكمة والخراب
صبري الحيدري
مقاربة نقدية لقصيدة (هو الذي رثى كل شيء)
يهدي الشاعرمحمد كاظم جواد نصه الشعري الى الدكتور الناقد حاتم الصكر الى حاتم الصكر......البار المتألم)
من الواضح لنا ، أن نص الشاعر محمد كاظم جواد (هو الذي رثى كل شيء) يرتكز في بنيته الكلّية على أسطورة شغفنا بها ، ولا زلنا ونعني بها ، أسطورة جلجامش ، بدءا َ من العنوان حتى انتهاء النص ، حتى يبدو لنا أن التاريخ الأسطوري يعيد نفسه محتفظا ً بدورته الأولى ، ويعاد من خلاله اكتشاف معادلتي ( الموت / الحياة ) والعكس صحيح ، ثم تكرار هذه المعادلة في الزمان الحاضر ، وعبر سياقات النص بوضعها الراهن : نؤكد ليس ثمة وجه للتناقض بين القديم ونعني به أسطورة جلجامش ، والجديد الذي نعيشه وندفع ثمنه الآن ، بحيث تقترن هاتان الصفتان بتجانس أو تمظهر واحد هو انهيار أحلام البقاء والخلود والرجاء المتمثل بجلجامش والإنسان حاليا ً ، انهيار كامل للوجود والإنسان ، انهيار لجميع البنى ، ولو حاولنا إجراء مقاربة نقدية بين النص والملحمة الرافدينية ن خاصة بعد تحديد ملامح بطلها جلجامش ، ( الذي رأى كل شيء) ، وعرف جميع الأشياء ، كان قلقا ً ، مضطربا ً ، لا يعرف الهدوء أو الاستقرار ، قميعا ً ، متلبسا ً بهوس الجنس ، يمارس حقده على المقاتلين ، متجبرا ً ، ذا خيلاء ، يتحكم برقاب الناس حسبما يشاء ، فيما يقدمه نص الشاعر ، أي جلجامش ، بوصفه بطلا ً فردياً ( مطاعا ً ) ساهم في إلغاء وتعطيل أواصر كل ارتباط حميمي ، وهو المسبب حصرا ً لكل هذا الخراب الذي نراه ، وبهذه المقاربة ، يبدو لنا جليا ً ، أن كلا النصين ( الرافدينية / ونص الشاعر ) هما متطابقان في الدلالة ، وفي تكثيف حدة القوة المدمرة التي يحملها ويتمتع بها جلجامش الذي رأيناه عبر حضارة وادي الرافدين كأول ملك سومري ، جلجامش الذي يعيده نص الشاعر من جديد ، حاملا ً ذات التناقض القديم ، المثير لأسئلة الشك في المخيلة الشعرية الأولى والآن كذلك .
ومع كل ما تقدم ، يسعى الشاعر لتشكيل نصه ، مستدعيا ً الرمز والأسطورة ، ذلك للنفاذ بنصه ، حريصا على أسطرة الواقع الراهن وربطه بالرمز والأسطورة القديمة للوصول الى غايته ، لنقرأ في بداية النص :
(( أدخل كوة قبري
المطلي بقار الأيام
أتكفن بعباءة أمي
وأشرب من بلل الأرض
ماءا ً أجاجا ً
وحينما يباغتني المساء
أقتفي آثار خطاي
أبحث عن خطوة هاربة
تقودني الى بر جحيمي
فأغض الطرف
عن حيات تلهث
في ظل هجيري ))
هنا ، النص يتنبأ ، يبوح ولا يصرح ، لكننا نتلمس ما مسكوت عنه نعرف أن ثمة شيء قادم لا محال ، سيطرأ علينا ، محملا بتحولات يصعب علينا الآن مسكها أو مسك دلالاتها ، أو نرصد ملامحها على الأقل لكوننا داخلين مع الشاعر الى ( كوة قبر ) ( القبر مطلي بالقار ) (الشاعر يتكفن بعباءة أمه ) لذا يتجلى لنا من خلال هذه المستويات البنائية التي تظل تومض بشيء ما ! سوى أن الشاعر في المقطع الرابع سيشرب من بلل الأرض ماءا وان كان أجاجا ً ، المستوى الثاني أننا ننتهي الى ( الموت ) عند هذه النقطة ، فالمقطع الرابع ( وهو نفسه ) يؤكد خصب الأرض بعد موت الإنسان كما عشناه في المقطع الاستهلالي الأول ( أدخل كوة قبري ) إنها الولادة التي تنشأ بفعل ( الماء / الأرض ) ثم ( الخصب / النماء ) ، الذي يعيد نظاما ً كونيا ً قائما ً في دورتي الزمان والطبيعة ، ( وحينما يباغتني المساء ) المساء هو سريان للوقت ، الزمان الذي لا يتوقف وهو أيضا ً نهاية لقانون الموت ، ( ذلك الموت المتعارف عليه في انطفاء وتلاشي الحركة وخمودها تماما ً) والذي نراه على شكل ( أقتفي آثار خطاي ) وكأن الشاعر يحيا بنصه ويولد من هذه العناصر الرئيسية : أرض ماء خصب
انبعاث جديد ، إنها ولادة غير عادية ، تذكرنا بولادة الرموز الدينية الأسطورية التي تنهض من الموت أو من وراء الموت ، لتبحث عن شرط وجودها ، كما في المقطع الثامن والتاسع والعاشر ( أبحث / تقودني / أغض الطرف ) أنه واهب الحياة الذي أطلقته الأرض من رحمها ليبعث إنسانا ً حيا ً :
وفي عمق الليل
أنتفض كالملدوغ
لأدون على وجه الأرض
بقايا آلامي
أقف إجلالا ً
لسيد الحكمة
أطلب رحمته
التي غمرت وجه الأرض
ما يهمنا في سياق هذا النص هو المقطع الخامس ( أقف إجلالا ً ) ففي الطقوس الدينية كانت تقدم لجلجامش الأدعية والصلوات والقرابين للوقاية من الروح الشريرة ، وهي صفات أو بعبارة أخرى ( تنازلات ) منطقية ومعقولة ، فجلجامش بوصفه إلها ً ، سيد الحكمة على الدوام ، وطقسها الملحمي ، الذي يقوم وينهض عليه النص ، لأنه الأقوى ، القادر ، المتفرد برفعته ، العائش في الزمن الملحمي ، وأخيرا ً هو المخلص الذي تطلب رحمته = شفاعته .
هكذا سيستمر نص الشاعر يكيل القداسات تلو القداسات ، وتذبح له الأضاحي ، وتقام له الصلوات ، بحيث يتحول جلجامش من المطلق الى ( المعبود ) والشاعر = الإنسان ، عنصر من عناصر (العابد ) عبر علاقة الإتحاد الى حد الذوبان في سياق الصوفية الواضحة التي تقوم على التهادن ـ إن جاز القول ـ وليس الصراع ، بدليل كلما توغلنا في إكمال النص سنرى تباعا ً تحولا ً يشبه القداس الإبتهالي ، وهذه إيجابية مقصودة يمنحها النص لنا ، إلا أنها سرعان ما تتحول ونحن نستمر في القراءة الى إيجاب مظلل وملتبس يكيله النص لجلجامش ـ كما سنرى لاحقا ً أو هو خداع يدل على السلبية والتناقض لأن جلجامش بوصفه أيضا ً الحامل لنبوءة الخراب والدمار قبل والآن في الحاضر ؛ لنتابع النص في المقاطع الخامس والسادس والسابع والثامن :
فهو الموئل
حين تضيق الدنيا
أريد أن أكيل إليه المديح
فهو الذي ملأ الأرجاء عدلا ً
هو الذي عفرنا
بتراب الجنة
هو الذي هامت في البراري
أحلامه الصدئة
بوسعنا أن نشطر هذا النص الى شطرين متساويين في العدد من الأول الى الرابع ومن الخامس الى الثامن . في المقطع الأول الى الرابع يكيل النص صفات تكتسب بعدا ً مثيولوجيا ًَ ، صفات تبوح بالرضا التام المطلق بلا قيد أو شرط ( فهو الموئل / أكيل له المديح / ملأ الأرجاء عدلا ً ) علما ً أن جلجامش وبحسب المدونة التي قراناها لا يتمتع بالعدل فهو في أقل تقدير كان يفض بكارة العروس ويجرد الجبال من الأرز (!) إذن هو ليس عادلا ً ، بل ناتج من عدة تراكيب معقدة متداخلة لا يربطها أي رابط منطقي ، لذا فأن موئل / أكيل له المديح / ملأ الأرجاء عدلا ً / وهي سياقات تندرج ضمن الرضا التام ، القبول ، الخنوع الذي أشرنا له سابقا ً ، سرعان ما تتبعها سياقات أخرى تقف في الضد معها ولا تتماشى مع البعد التعبدي الصوفي في وحدة إيقاعية أنظر الشطر الثاني أو التقسيم الثاني من المقطع الخامس الى الثامن ( هو الذي عفرنا / بتراب الجنة / أحلامه الصدئة ) ومثل هذه السياقات الجدلية القائمة على التضاد والتقسيم تتضافر لتقدم ما يطمح له النص من وحدة الموضوع الذي بلغ شرطه في تحقيق غايته نحو الوصول الى ذروته من أن يقدم لنا بطلا ً إشكاليا ً مثيرا ً للجدل ، ثم يتابع النص ( تكسير ) طوق صورة هذا الكائن = جلجامش ، عبر حشد من الأوصاف والتفاصيل التي تعتمد على الإضاءة الداخلية القائمة على الكشف الدرامي فيما يتعلق بالإنسان ( البار المؤمن ) الذي وعى بره وإيمانه بأنه قائم على الخديعة فحسب ، لنقرأ مزيدا ً من النعوت :
هو الذي احتمى
بمتاريس القيامة
هو الذي رثى كل شيء
هو الذي شرب الدماء
من مطحنة الحروب
هو الذي شيد الخراب
على أبواب جنائنه
هو الذي ملأ بطوننا
بثمار الجنة
أطعمنا عسلا ً
وسقانا جعة
من حانة سيدوري
يتكرر اسم الإشارة ( هو) خمس مرات ، في استمرارية تزدحم وتستدعي ذاكرتنا أن شيئا ً يتربص بنا يقوم على الخديعة على الرعب ، على الفزع ، العنف ، الحرب ، الدم ، الخراب . والنص يشعرنا أن جريمة تحاك ضدنا في الماضي والحاضر الآن ، أود أن أشير أن الآلهة سيدوري كانت تسقي الماء ، والماء هو ماء البحر المسموم أصلا ً والذي يقدم هلاكا ً لشاربه ، لا يكتفي الشاعر أن يتوقف عند هذه التخوم المفزعة والقاسية بل هو يستمر ليضيف نوعا ً آخر من الفجيعة التي تخفت حدتها شعريا ً لكنها على العموم تلتحق بالمسار السابق أعلاه ، لنقرأ :
هو الذي وزعنا في الطرقات
لنبحث عن كسرة خبز
من بقايا أرغفة ( جلجامش )
فنمضغها بفم أدرد
هو الذي غفت
على خرير نهريه الأيائل
هو الذي بكت
على سدرته العصافير
هو الذي ماتت
على أزهاره الفراشات
هو الذي تنزهت
في وجهه الدموع
هو . . هو . . هو . . هو
. . . . . . . . . . . . . . .
كذلك هنا يتكرر اسم الإشارة ( هو ) خمسة مرات ، ويبدو النص هنا بطيئا ً مستمرا ً في المد والاحتمالات والشاعر يتنقل من صورة الى أخرى في تعميم سجايا سيد الخراب ، تارة يحكم القبضة على ذهن المتلقي (يهيأ ذهنه ) على إيجابيات سيد الخراب وتارة أخرى على نقيضها في السلب ، ثم ليحفز ذهنه ـ المتلقي ـ ويطالبه أن يكون مشاركا ً في وضع السجايا متعمدا في أن يكثر من اسم الإشارة ( هو ) أربع مرات وكأنه يطالبه بإكمال ما يراه مناسبا في التنقيط الأسفل ( . . . . . ) لأن ما خفي من سيد الخراب كان الأعظم بلا شك ، الأعظم الذي يظل يطرح مزيدا ً من العنف والخراب والفقدان والخسارة والمحن التي لا تنتهي أبدا ً ، لكن النص وفجأة ينتهي بموقف سلبي مدفوعا ً باستسلام مفرط يقلب المعادلة تماما ً ، نظرا ً للعلاقة القائمة بين جلجامش = سيد الخراب ، والإنسان = المطمئن لسيد الخراب الغافي تحت رحمته ومودته ، الذي لا تحصى نعمه ، موزع الحكمة والعدل والحب ، القسوة والألم والحيف ، لنتابع كيف بدت المعادلة مقلوبة رأسا ً على عقب :
سأظل أمدحه
ما دمت أتسلى بمسبحة الآلام
لأنه سيد الحكمة
وأنا ابنه . . البار المتألم
هذه النهاية التي جاءت كضربة مباغتة ( لا تصدم المتلقي العارف ) على حيثيات النص ، نهاية تحيلنا الى صلب مسألة اقترحناها سابقا ً تخص الإنسان ( البار المؤمن ) الواعي لبره وإيمانه ، إنه الخشوع التام والمطلق ، المستمر لهذا السيد الذي تعتمل في ثنايا صلبه الحكمة / الرحمة / الذي ملأ الأرجاء عدلا ً / الذي أحتمي به / ملأ بطوننا بثمار الجنة / أطعمنا عسلا ً / سقانا جعة / وكذلك أيضا ً ونحن بصدد هذا السيد الذي عفرنا بالتراب / شرب الدماء / شيد متاريس القيامة / شيد الخراب / الذي وزعنا في الطرقات لنبحث عن كسرة خبز .
لقد قدم الشاعر محمد كاظم جواد نصا ً حيا ً متدفقا ً قابلا ً لعدة تأويلات وقراءات ، مستندا ً على أسطورة تألقت في نفاذها على مجموعة من الصراعات في مرحلة متأخرة من الزمن وكما قلنا سابقا ً نقول مرة أخرى لقد حول الشاعر نصه الى ابتهال قداسي ساهم في إضاءة واقعنا الراهن الصعب .







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك