| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | 2 | 3 | ||||
| 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 |
| 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 |
| 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 |
| 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 |
التجربة ومعانيها عبر ثقافات مختلفة
سعد القصاب
بات عالم اليوم ، عالما قائما على اللا تمركز. تتدفق فيه عديد القضايا والاحداث والمعارف وتختلف وقد يتجاهل بعضها البعض. عالم لا يدّخر المفاجآت والمواجهات في ظل هيمنة الشبكات التواصلية والاشهارية والميديا . وهي جميعها ساعدت على ذيوع وانتشار نوع معين من الافكار بما يتواءم مع صناعة اهتمامات حضارية جديدة . وبدواعي هذه الانشغالات المعاصرة ، تبدوالدعوة لقراءة العديد من المفاهيم الاساسية ومن وجهات نظر ثقافية مختلفة ، مهمة ملحة . محاولة لانتزاع استعمالات غير صائبة لحقت بها ،ما يجعلها قابلة على الافصاح عن نفسها ودلالتها بوضوح وبعد تحررها من اصناف الغموض والتعميمات . في كتاب "التجربة-من اجل حوار بين الثقافات" الصادر ضمن سلسلة مفاهيم عالمية عن " المركز الثقافي العربي " . يتفق الباحثون المشاركون في اعداد هذا المؤلف ، وهم من بلدان مختلفة (لبنان ، فرنسا، امريكا ، جنوب افريقيا ، الهند ، الصين) - على ان مفهوم "التجربة " اصبح اليوم موضوع عناية لافتة في الخطاب الثقافي المعاصر . على الرغم من احتفاظه بكثافة متخيلة من التمثلات التي تشير في ذات الوقت الى دلالات متباينة . فـ "التجربة " في العديد من تعريفاتها ظاهرة تحيلنا الى اكتساب معرفة عن طريق الملاحظة لممارسة معينة تؤثر فينا ، ما يجعلنا نتلمس لها توجها بل منهجا ومسلكا في البحث والتنقيب . وقد تعني كذلك حدثا معاشا قابلا على الاثبات . وهي تتيح ايضا ظهور انفعالات ومشاعر ومعان والى اثبات واقعة وفهم يؤدي الى حصول معرفة .
في مقالة " تنوع مفهوم التجربة في العالم العربي " يعرّف الباحث اللبناني " نادر البزري " استاذ قسم التاريخ وفلسفة العلم في جامعة كامبرج ، مفهوم" التجربة " من خلال الفكر العربي الكلاسيكي . والذي يعده مفهوم كثير الغموض لما يثيره هذا اللفظ من التباس . ان اسم " تجربة " مشتق من فعل " جرّب " الذي يعني الممارسة والاختيار والخبرة ويدعو الى مشاركة فعالة للقيام بحالة التجريب . والمجرب من يمتلك تجربة كان قد أكتسبها جراء مجابهة مباشرة مع الظواهر والاحداث .
لقد تعينت اولى استعمالات هذا المفهوم في الجانب الديني ، ومن خلال الوحي الالهي الذي ارتبط برؤية متعالية ، وبعد ان تم التعرف على أياته عن طريق السمع والبصر اللذان يسمحان بأدراك الظواهر،كونها احساسات تكمل بأفعال القلب والعقل .
الا ان مفهوما كهذا عاش بعد ذلك مفارقة أخرى ، بين حضوره في المعرفة العقلية للفلاسفة والمعرفة الروحية للمتصوفة. في التجربة الفلسفية كما طورها " ابن رشد " التي تحيل الى مفهوم الادراك في علاقته مع الاحساس و" ابن سينا " في كتابه "النفس " في تفحصه للفارق بين ادراك العقل وادراك الوهم . وكذلك لدى " ابن الهيثم " في مؤلفه " علم المناضر " بتفحص المعرفة لمعايير الملاحظة التي يمكن ان ترتقي بقوة الضبط والانتباه والتمرين على الدقة .
بينما كانت " التجربة " لدى الصوفيين ، والتي لايمكن التعبير عنها باللغة بل يمكن التنبه اليها من خلال شاعرية الرمز والايماءة . قد عاشت حالة احتجاب وتكلف وتلغيزعبرقطعة بيان . انها رؤية تأملية كما بينها " ابن عربي" ، معنية بتجربة المشاهدة وكشوفاتها . وجرّاء هذا التعاطي ظل هذا المفهوم في الفكر العربي الكلاسيكي ، يحيا خلافه بين المعنيين بالبحث العقلي ومعارفه الاستدلالية ، والمعنين بالرؤيا والكشف ومعارفها الروحية والباطنية ومقاماتها . انها الفرق بين التعيين لدى العقليين والايماءة لدى اصحاب المشاهدة .
في مقالته " التخيلات المتوهمة للتجربة " يذكر جان بيير كليرو استاذ الفلسفة في جامعة باريس العاشرة. ان الكتب والمؤلفات الاوربية التي تبحث "التجربة " وتناولها على نحو نقدي وعلمي قليلة جدا ، ربما لكون " التجربة " في ذاتها ، هي غالبا فريدة وتنمو ببطأ من خلال الاحداث . لكنه في الجانب الاخر يقر بالتباس مفهومها وغموضه ، كونها من تلك الالفاظ التي تحمل في ذاتها املا في الاتفتاح والتفكير ولكنها تمثل في ذات الوقت عقبة .
ان صعوبة تصنيفها تكمن في اننا نعطيها صفة ذاتية ، كما ان طرق توجيهها وتفسيرها تبقى مختلفة . انها في الحياة غيرها في المختبر العلمي ، كما توجد حتى انواع من "التجربة " في العلم الواحد .فـهي مزيج من ضروب النشاط الذي يتخذ مظاهر متنوعة يراد التعرف لها وتعينها .
تقترن " التجربة " في عديد من اللغات الاوربية بمعنى التجريب . كما لدى التجريبين الانكليز الذين اعلنوا ان جميع افكارنا مشتقة عن التجربة التي هي الاحساس ، فلا توجد فكرة الا ان يكون اصلها من احساس ما . فيما كانوا المثاليين الالمان وعلى رأسهم " كانت " في كتابه " نقد العقل الخالص " ، نبّه الى انه من السهل ان نتظاهرعن طريق الوهم بالحصول على شيء يعادل التجربة ، لذا علينا الاحتراز في حالة الحصول عليها في ركن صغير من العالم ومنحها قيمة كلية . لقد بين ان " التجربة " هي جمع وهمي لمتوالية من الصور الحسية مرتبطة حسب قانون يحاول الذهن جاهدا لان يتبناها عن طريق الاستقراء .
في الجانب الاخر كان الامتياز الممنوح للحدس ، وتميزه الدوغمائي الذي يتخذ كبداهة بين احساس داخلي واحساس خارجي ، كما لواننا يمكن ان نمتلك " تجربة " علاقة بالذات تختلف عنها مع علاقتنا بالاشياء الخارجية .
من هنا وعلى الرغم من كوننا نعي التنوع الكبير للتجارب الا اننا نفتقد لخطاب موحد يقيسها في الفكر ، فربما قد تكون التجارب المختلفة هي ليست سوى اجزاء من تجربة واحدة . ان " التجربة " تتحول الى بناء نظري حينما لا تلجأ سوى الى ادوات مفاهيمية ، فهي تعطي للواقع القليل او الكثير من قوتها المهيمنة ولكنها لاتعطي على نحو وحيد . فهي متغيرة تجاه الوجود والحياة وتسعى كي تعمل داخل مشروع الحقيقة .
ان "التجربة" ليست واقعا حقيقيا قدر كونها توسطا متخيلا ، قد تكون نافعة او غير ذلك او ذات اثر او ليست ذلك . انها ترجع دائما الى التقديرات الخاصة بها . فلا بد لها من ان تكون خليطا قيميا .
يعترف مارتن جي استاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا وباركلي ان مفهوم " التجربة " في امريكا بخلاف ماهو حاصل في اوربا قد حضي باحترام كبير . بل لم يقم اي مفهوم مثله بدور حاسم في حكاية اصول امة ولا في تحليل سماتها الثقافية ، فهناك بحق عبادة حقيقة لها . ان كل ماهو امريكي يبقى يتضح من خلال تواصل الاعتقاد فيها من خلال العمل ، لااثناء التاكيد عليها في النظرية وحدها . فأمريكا الاستعمارية بلد اعتبر نفسه فاتحاً جريئاً اكثر منه مقلدا منهمكا في اخفاقات الماضي . ولكن " التجربة " لديهم تبقى اقل عند النظر اليها من معنى التجريب . فالاولى تدل على تراكم الحكمة الموروثة ، ونظرة مجردة تمتلك رؤية ضعيفة عن العالم الواقعي الحقيقي . فالامريكيون يشعرون بعدم الثقة في كل فكر ذو نزعة متعالية ، من هناتقوم العديد من الحقائق بالنسبة اليهم على اسس تجريبية أكثر من اي شيء اخر . فهم تراودهم دائما فكرة سلامتهم من الخطيئة الاصلية التي لطخت اوربا ، ذلك ما يدعم الاعتقاد القائل بان الوصول الى امريكا يطبع بداية حياة جديدة خالية من ثقل الاخطاء الماضية . لقد عاش المستوطين الاوائل في نوع دائم من التجريب المجتمعي والسياسي ، وعبر تكريسهم لذات منظمة تفرض اناها الفردي على الطبيعة وتوجهها بما يؤدي الى الاستيلاء على المحيط الطبيعي ، ما يترتب عليه من قدرة على الدفاع المستميت عن الملكية الفردية وحالة التفرد . اعتقاد حصل عليه تحول واضح في الربع الاخير من القرن التاسع عشر ،تمثل بالمذهب " البرغماتي " ومحاولته تجاوز الفكر الغربي القائم على التقابل الدائم بين الذات والموضوع . وعبر التشكيك بالمباديء المطلقة وتناهي حدود "التجربة" المحتملة في عالم غير مطلق . فالمفهوم البرغماتي عنها لايميز فيها بين الفعل والفاعل بين المنبه ورد الفعل بين الشعور ومحتواه . كلمة مزدوجة المعنى وصيرورة لاتقصد غاية معينة . ان البرغماتيين اعادوا بذلك التاكيد على العلاقة بين التجربة والتجريب .
الا ان الفكر الامريكي في القرن الحاديوالعشرين بات حذرا ، خاصة مع التقدم السريع لتكنلوجيا محاكاة الواقع . والذي صار فيه الفرق بين التجربة الحقيقية والتجربة الممكنة معتما وغامضا .
ولكن مثل هكذه اسئلة لاتبدو ملحة في ثقافة امة اخرى . في موضوعة "مغزى التجربة وعبره"
يوضح "ج. ك . كرانت "مدير قسم السوسيولوجيا في معهد التبادل الاقتصادي والاجتماعي بالهند ، ان الامة الهندية تعاين التجربة بوصفها عبرة يجب التعلم منها ، فهي خاصية للجود الانساني بامتياز . ذلك ماهو حاضر بايمان في بيئتهم . فالمذاهب والتيارات الفلسفية كما الكتب المقدسة تدعو الى فهم "التجربة "بالمعنى الاوسع لها ، كي توصي بافكار عميقة عن النفس والمادة والعالم . بذلك كانت ومنذ القدم بالنسبة اليهم تؤول تأويلا روحيا . ولكنها تبقى ممارسة غير خالصة وهي ايضا غير مطلقة ومتغيرة مع الزمن ، بل مكتسبة تبعا للثقافة ، فلا توجد "تجربة" منعزلة الا ان ما يبفى منها هوما مارسناه نحن والاخرين الذين سجلوا ولاحضوا ونقلوها الينا شفاهة اوتدوينا . انها هنا بناء ثقافي ومفهوم يحمل من خبرات الماضي واحكامه . ويكتسب ايضا عن طريق المحيط ، بكل مايحيط بنا ويدور حولنا حتى اليومي منه . فـ"التجربة "يجب ان تفترض واقعها العملي .من هنا يتخذ لديهم صوابية الامثلة الشعبية يقينية الكتب المقدسة .
فيما يتخذ هذا المفهوم في افريقيا دلالته المحددة من خلال فكرها الثقافي ، كما يبين ذلك اشيل مبامبي استاذ في احدى جامعات جوهانسبورج وعبر مقالته " الذات والتجربة " ، وهو فكر محكوم برؤيتين، احدهما ، النزعة الافريقية المتطرفة والاخرى مذهب التعصب للسكان الاصليين. خطابان لا يخليان من وقائع وصدمات انفعالية يتمثل صداها بـ" تجارة العبيد ، الاستعمار، التمييز العنصري " . ومساءلة دائمة بشان الهوية والاصالة التي تتحسر على عالم بائد . يرافقها دعوات لافكارتراجع صورة افريقيا الاسطورية . ان مثل هذه الخطابات تقسّم المعرفة النقدية في الخطاب الافريقي الى فكرة اخلاقية معنية بالخير والشر ، كما الاهتمام بتقديس المعاناة والتضحية بالذات وبأنماط من الوهم يقرّ بأن كل شيء قد تم في افريقيا . انها تجربة تحيا تشاؤمها الخاص وتراجيديتها الفريدة . يقر الكاتب ان التجربة الافريقية هي حدث جغرافي قبل كل شيء ، يحتمل دلالات الروايات المتخيلة والاسطورية ، والتي تحولت الى عبارات وممارسات مؤسساتية وتمثلت كابعاد رمزية وثقافية للقارة ، تسعى الى تمييز الفارق بينها وباقي العالم .
لقد هيمن على هذا المكان ثلاثة ظواهر ،" الاسلام " باعتباره احد المظاهر الاكثر قدما للهوية الافريقية بوضيفته في صناعة وانتاج ذات يقينية لتمثل شكلا من اشكال السيادة . و" المسيحية " التي نظرت الى افريقيا بكونها مكانا لكائنات انسانية وثنية ، تحيا في جهل عميق وعزلة عما هو الهي . مقترحا لها طريقة لادراك الحق عبر اقامة علاقة جديدة بين هذا العالم وعالم الوعد بالخلاص ، والبحث عن فرد تتجسد عالميته في انسانيته . فيما مثلت الظاهرة الثالثة التجربة الاستعمارية ، وصياغتها لآلية تنظيم المجتمع ضمن ثنائية السوق والدولة . السوق الذي ارتبط بخيال السكان الاصليين في صورته السيئة والمتمثلة بالاتجار بالانسان ، ليتحول الى الة تنتج البضائع وتثير شهوة الاستهلاك . والدولة بوصفها جهاز يهذب العادات والاعراف في محاولة للدخول الى الحضارة .
ولكن خطاب التجربة الافريقية ، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر ، بات يحتج ضد مشروعية واشكالية هذه القضايا معا. وعبر خطابات متعلقة بأفريقيتها الداعية الى ان تجعل من الافريقي موضوعا للتأمل . بوصفه متأصلا في مكان له ثقافته وتاريخه وطريقته في الحياة، وباتجاه هدف يأسس مايسمى بـ" انسانيات افريقية " . على الرغم من انها تجربة لاتخلو من عدم اليقين ، خاصة ان تجربة الحياة في افريقيا تتخذ اسلوبا لايحتمل " الحروب ، المرض ، الفقر ، الابادة الجماعية " . لكنها تبقى جميعا سمات تمنح التجربة الافريقية اصالتها .
يتساءل يي شو كسيان استاذ الاداب الصينية في الاكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية ببكين ، في قراءته المعنونة " التجربة كحدث" ، عن وجود صورة للتجربة هي منبهة للادراك الحسي السريع الزوال عند الفرد ، ومع ذلك تمس حقائق ابدية وتعم جميع الكائنات الانسانية ؟ . لقد اوجدت التاوية في الصين مثل هكذا اجابة منذ الاف السنين ، حينما فهمت التجربة كحدث ، ليس اقل ولا اكثر منذ ذلك ، ينطبع في الزمن وجريانه الذي لايعذر احدا وينقش فيه . ولكنه لايتكرر ولا يمكن ارجاعه ، كما انه يفقد خصوصيته وتفرده في كل تمثل . من هنا وضع كل حدث/ تجربة موضع تساؤل يثير اشكالية قائمة بين السبب والمسبب بين الكلمات والاشياء . لقد فهم الصنيون التجربة بانها تراكم من الاحداث اللامحدودة التي لاتتكرر في الحياة . فالتجربة لايمكن لها ان تكون الا حدثاً فريداً .







del.icio.us
Digg
الفن التشكيلي المعاصر في عُمان


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك