تصفح الأرشيف
الأولى السابق كانون الثاني/يناير, 2009 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنــقـد»  (الفراشة)... قصيدة الرثاء المعاصرة

(الفراشة)... قصيدة الرثاء المعاصرة

عدد مرات المشاهدة :322 - September 08, 2008

د. سعيد الجريري

(الفراشة)... قصيدة الرثاء المعاصرة

 

  

كما في ( أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها / وعاد مستشهداً / فبكت دمعتين ووردة / ولم تنزوي في ثياب الحداد)، التي علّمنا فيها محمود درويش كيف نرى الموت ، تشكَّل وعي التجارب الشعرية الجديدة وتخلق في مستويات نصية مغايرة تؤسس لشعرية عربية جديدة ، تنتقل بالذائقة والتلقي من ذاكرة التوقع إلى أفق انتظارات مخيبة.
و كدرويش آخرون معاصرون حفروا أنهار القول الشعري بمخيال التجربة الجديدة ، فأنشأوا مدائن الشعر المفارقِ صورةَ التقديس المبالغ فيه للتجارب السابقة. ومن أولئك الشاعر محمد علي شمس الدين الذي قرأ وداع أمه قراءة مشعرنة ، فكتب في ديوان المراثي المعاصرة قصيدة تعد أنموذجاً في علو كعب الرؤيا والتشكيل.أعني قصيدته ( الفراشة) التي تماهى فيها روح أمه بفراشة بيضاء في غرفته بعد أن أهال آخر حفنة فوق التراب من التراب.
 ( فراشة) شمس الدين تُخرج الشاعر من رؤية حزنه العادي المألوف إلى رؤيا ذات فضاء صوفي يتجاوز به المعنى الحرفي للموت ، بتمثلات وتقنيات شعرية تقيم ألفةً ما ، مع الموت ، وتردم هوة العلاقة الفاجعة معه كما في ديوانٍ آخرَ كبيرٍ مألوف.
وتجارب الشعراء المعاصرين مع الموت تشف عن معاناة إبداعية تعيد تشكيل اللحظة. فنازك الملائكة مثلاً كتبت ثلاث مراث لأمها: أغنية للحزن- مقدم الحزن - الزهراء السواء. وفي تقديمها كتبت: (( قد يكون الشعر بالنسبة للإنسان السعيد ترفاً ذهنياً محضاً، غير أنه بالنسبة للمحزون وسيلة حياة. وقد كانت القصائد الثلاث التالية محاولة للتعزي لجأت إليها على إثر وفاة أمي في ظروف محزنة عانيت منها معاناة خاصة. ولم أجد لألمي منفذاً آخر غير أن أحبه وأغني له)).
ثمة حب للألم وغناء له، وصورة أخرى للحزن، ولعل فراشة شمس الدين تعبر عن تفاصيل أخرى خاصة ، في حميمية العلاقة بين الابن وأمه واسترجاع صورتها غير النمطية وتناصّ تسميتها المتماهية في صورة روحانية تضفي على النص بهاءً ، يفضي إلى طمأنينةِ إشراق:

رأيتُ ثمة وجه أمّي
 ويقال إن الله سمّاها على اسم الرحمة الأولى
 فآمنةُ التي مثل الحمامة لم يشُبْها السوءُ
 مازالت الأسماء رحمتها
 وتسحب في مدار الشمس رايتها العظيمة
 فالسلام على التي ولدت محمد
( وهو نور النور)
 واغتسلت ضحًى بالماء
 فانبعثت على الأشياء صورتها البهية...

      وليس لرؤية الفراشة مدى سوى الحلم، فأمه هي الحلم الذي يقهر الزمن الفيزيائي، إذ تتمثل له:

 ورأيت رؤيا: في الليل
 في الحلك العظيم
وبعدما ألقيتُ آخرَ حفنةٍ
فوق التراب من الترابِ
 ولم يعد في القبر غير جمالها العاري
رأيت فراشةً في الضوء تخفقُ
 فاتّبعتُ جناحها بين القبور
وعدتُ نحو البيتِ
 كي أجد السرير
سريرها الملكي
 مرتجفاً
 وتغمره الدموع
 وأنّ فراشةً
حطّت هناك على السرير
كنقطةٍ بيضاء في الحلك العظيم
 سألت نفسي:
هل رأيتَ؟ 
وهل سمعتَ؟
وهل تعود لكي تراني؟
وسألت نفسي:
 أين تذهب روحها البيضاءُ؟
كيف ومن سيؤويها إذا ما أقفلَ الحفّار حفرتَها
 و(( رنَّ المعولُ الحجريُّ )) في هذا الفراغ
الجوهريّ من الزمان؟
ومددتُ كفّي...
نقطة الضوء الفراشة لم تخَفْ
 وأخاف، لكنْ..
ليس بَرداً ما يصيب أصابعي،
وأخاف ، لكنْ ،
ليس حُمّى...
فجمالُها المُضني على الأسلاكِ ،
 شرّدَني ،
وقد أبصرتُ رؤيا:
 في الليلِ ،
 في الحلَك العظيمِ ،
 وعند تشابك الأحياء بالموتى ،
 وولولة السماءِ ،
 رأيتُ أمّي.

      تبدو فراشة شمس الدين مستحضَرة لدى قراءة التفاتته النقدية إلى ( سيدة التفاحات الأربع ) للشاعر يوسف الصائغ الذي كتب زوجته الراحلة قصائدَ تجاوزت فيزياء الزمن والجسد ، فهي حلم متجدد في زمانه، ورفيقة لا تريم في تفاصيل يومية. ولعل صورة الصائغ وسيدة التفاحات مستدعيةٌ نزار قباني وقصيدة بلقيس التي أفردها ديواناً خاصاً، فـ( الشعر يسأل عن قصيدته التي لم تكتمل كلماتها ..ولا أحد يجيب على السؤال)، وتنداح دائرة الاستدعاء بصورة أخرى للشاعر ياسين رفاعية إذ يصدر ( ديوان الحب والمراثي) مشتركاً يضم قصائد زوجته الشاعرة أمل جرّاح وقصائده في رثائها، فينضاف بعدٌ آخرُ إلى رؤيا الشاعر متغزلاً -  بأثرٍ رجعيّ -  بزوجةٍ لا يعترف بفقدها ، كرؤية شمس الدين فراشته البيضاء التي تعود لكي تراه.




أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

محمد بوعلاوي في September 09, 2008
محمد بوعلاوي الرثــاء
محمد بوعلاوي باحث : جامعة تلمسان – الجزائر –
لا يفجع الروح ويفطر الفؤاد مثل الفقد ، إنّه أكثر الأحزان والآلام إيغالاً في النفس والبدن، وأكثر مرارات الفراق هو الموت نهاية النهايات وغاية الغايات،هذا الفقد النهائي الذي يستعصي فهمه ، لأنه مرض الأمراض الذي لا شفاء منه أبدا ولا علاج له مطلقا.
والمــــوت آخــــــــــــر عـلـــــــــــــة يـــــعتــلـها الـــــبـدن الـــــــــعلـــــــــيل
ولقد مضى على الإنسان حين من الدهر كان فيه مفكرا وباحثا عما أسماه « جنة الخلد التي لا تفنى» ، ولهذا - ربّما- كانت الفلسفة ذاتها في تعريفاتها كما رآها " أفلاطون " هي « تأمل الموت ».
فالرثاء هو التفجع على الميت ، وإبداء الحزن على فقده ، وتصوير الخسارة التي نجمت عن فراقه « وتحمل الأشعار التي تتضمنه فيضاً من العاطفة، ودعوة إلى التأمل في حقيقة الحياة ، وإن تجاوز ذلك أحياناً إلى النواح والصراخ »( ).
ولقد نبّهت الشجون المرتبطة بالموت سيلا من المشاعر الجياشة صبّها الشعراء في قوالب شعرية مثيرة؛ فإذا كان الشعر موسيقى حزينة، فليس كالموت ماهو أقرب إلى هذا النغم الحزين .
ولقد كانت قصيدة الرثاء إطاراً فنياً جمع فيه الشاعر مختلف المثل العليا لمن رثاهم ، ممّا جعل المرثية تقترب من المدحة ، لولا صياغتها بألفاظ تدل على أنها رثاء « ليس بين المرثية والمدْحة فصل إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنها لهالك مثل (كان) و(تولى) و(قضى نحبه) وما أشبه ذلك ، وهذا لا يزيد المعنى ولا ينقص منه ، لأنّ تأبين الميّت إنما هو بمثـل ما كان يمدح به في حياته»( ).
وممن أشار إلى هذه القضية أيضاً " ابن رشيق المسيلي" ، حيث أورد باباً كاملاً للرثاء ، وممّا قال فيه: « ليس بين الرثاء والمدح فرق، إلا أن يُخلط بالرثاء شيء يدل على أنّ المقصود به ميّت، مثل (كان) أو(عَدِمنا به كيت و كيت) وما بشكل هذا، ليُعلم أنه ميّت»(3 ).
فهل يوجد رثاء جزائري قديم ؟ وما هي المواضيع التي طرقها ؟ وما خصائصه وسماته الفنية؟ وهل كان النص الشعري الجزائري بحجم المأساة ؟.
الرثـاء لغة:
يرى" ابن فارس" أنّ المعتل « رثى» « أصلي في الثلاثي، ويدلّ على رقة وإشفاق، يقال: رثيت لفلان أي رققت»(4). رثى فلان، يرثيه، ورثيا ومرثيا، إذا بكاه بعد موته. وقال " ابن سيده": « فإنْ مدحه بعد موته قيل رثاه، يرثيه، ورثيت الميّت رثيا ورثاءً، ومرثاة ومرثية، رثيته: مدحته بعد الموت» (5 ). ورثى له إذا رقَّ وتوجع من وقوع مكروه « وقيل بل الصواب مرثاة لك لأنه رثاء للحي»(6). كما قالوا: عن المهموز ( رثأ ) « أنه أصلي في دلالته على معنى الاختلاط »( ) نقول: رثأت اللبن، أي: خلطته بالحليب. فرثأ أي: خثر، وعن المضعف « رثّ » قالوا:« أنّ اجتماع الراء والثاء أصلي ويدل على معنى الإخلاق والسقوط ، فنقول: ثوب رث وحبل رث، أي: خلق وبالي»(7). كما استعمل الشعراء كلمة « رثى» في رثاء الأحياء من الناس ، فهذا حجّة " بن المضرب" يقول:
و لمّا رأيت النفس أن لا يقــــــرها
رثيت لهم لمــا رأيت سوامـــــهــم هدايا لهم في كلّ قِعْبٍ مشَــــــــــــعَّبٍ
عطـــاء الموالــى من أقبــل و مصعب
ويتضح ممّا سبق أنّ المعنى اللغوي للمعتل « رثى» ارتبط برثاء الأحياء أكثر منه برثاء الأموات، لأنه يعبّرعن النكبات التي تصيبهم في حياتهم فتؤدي بهم إلى الضعف.
الرثاء اصطلاحاً:
الرثاء باصطلاح أهل اللغة هو« بكاء الميّت ، وتعداد حسناته بالشعرأوالنثر، نقول: رثى الرّجل ميتاً، يرثيه رثيا، أي: يبكيه ويمدحه ، والاسم المرثية»(8). ويعدّ بعض النقاد الرثاء من أسمى أغراض الشعر وغالباً ما يصعبُ على المبدعين، لأنّه يُعمل رغبة لا رهبة وتزلفاً، وقيل للأصمعي : « ما بال المراثي أجود أشعاركم؟» قال: « لأننا نقولها و أكبادنا تحترق » وكانت " بنو أمية" لا تقبل الراوية ما لم يكن راوية للمراثي، قيل: ولم ذلك؟ قيل:« لأنها تدل على مكارم الأخلاق»(9).
فالقصيدة الرثائية هي كلام شعري يشخّص الخصال الحميدة للميت « كما يبيّن في نبذة مختصرة صفاته، وملامح شخصيته البارزة...[ و] تعني أيضاً القطعة الغنائية الشعرية في حالة الموت»(10).
أنماط الرثاء:
الرثاء ألوان ثلاثة هي « الندب والتأبين والعزاء »(11).
أ) النـدب:
هو بكاء الأهل والأقارب « حين يعصف بهم الموت، فيئن الشاعر ويتفجع... فيبكي بالدموع الغزار، وينظم الأشعار يبث فيها لوعة قلبه وحرقته»(12). ولقد عرّفه " ابن منظور" بقوله: « ندب الميّت بعد موته من غير أن يقيد ببكاء وهو من الندب للجراح ، لأنه احتراق و لذع » (13).
وقد عرف العرب المآتم منذ القديم، حيث يجتمع النساء للصياح والعويل على الميّت، ولما جاء الإسلام أباحه الرسول صلى الله عليه وسام محرّمًا ما كان يقترن به من خمش للوجوه وحلق للرؤوس، و يروي الرواة أنه لمّا بكت نساء المدينة على قتلى غزوة أحد من ذويهن قال الرسول صلى الله عليه وسام : « لكن "حمزة بن عبد المطلب" لا باكية له» ، فأصبح سنة في نساء المدينة أن لا يقمن مأتماً على مرالعصورإلا بدأن بالبكاء على"حمزة" عم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكانت النساء النادبات في الجاهلية يؤلفن الأشعار التي يندبن بها موتاهم « و" الغريض" مغني مكة في العصر الأموي هو من أهم من احترفوا صناعة الندب في عصره »(14).
ومن أقدم صور النّدب والنواح في شعرنا العربي هي صورة ندب الأهل والأقارب والنواح عليهم ، وأشهر من بكت واستبكت " الخنساء " في رثاء أخويها " معاوية" و" صخر".
كما ندب الشعراء أنفسهم، ويقال أنّ أول من بكى نفسه "يزيد بن خذاق" ، بقوله:
هل للفتى من بَنَاتِ الدَّهْر من واقِى
قد رَجلونى وما بالشَّعْر من شَعَثٍ
ورَفَعُونى وقالوا أَيُّما رَجـــــــلٍ
أَم هل له من حِمَام المَوْتِ مِن رَاقِى
وأَلْبَسُوِنى ثِيَاباً غَيْرَ أَخْــــــــــــلاَقِ
وأَدْرَجُونى كأَنى طي مِخْــــــــرَاقِ

وبكى الشعراء الدول التي سقطت بقصائد تفيض عاطفة وأسى ، وأول دولة بكاها الباكون، دولة " بني أمية " التي سقطت سنة 132 هـ ، وأهم من بكاها " أبو العبّاس الأعمى" الشاعر المكي، وفيهم يقول:
ليت شعري أفــــاح رائحة المســـــ

كِ و ما إن أخال بالخيف أنسي

حيــــن غابــــت بنــــــو أميّــة عنه


و البهاليل من بني عبد شمس

خطباء على المنابــــر فرســــــــــا



ن عليــــها و قالـةٍ غيــر خـــــــرس


وقد وجد الشعراء في الندب راحة وسلوة ، قال " أبو بكر بن عيّاش": « نزلت بي مصيبة أوجعتني، فذكرت قول " ذي الرمّة ":
لعلّ انحدار الدمــع يعقب راحـــــة
من الوجد أو يشفي شجيّ البلابـــل

فخلوت فبكيت فسلوت »(15) ، وقال " الفرزدق" في هذا المعنى:
ألم تر أنّ يـــوم جوِّ سُرَيْقــــةٍ

بكيـــــــــــتُ فنادتنـي هنيدة ماليا

فقلت لها إنّ البكـــاء لراحـــــة

به يشتفـــي من ظـنّ ألا تـــلاقيـا(16)

ب) التأبـين:
أحد أنماط الرثاء الثلاثة، وهو مدح الشخص بعد موته بذكر مآثره « أبّن الرجل تأبيناً، أي: مدحه بعد موته وبكاه »(17). فلقد كان من عادة العرب في الجاهلية « أن يقفوا على قبر الميّت، فيذكروا مناقبه»(18) ، وكأنهم بذلك يصوّرون تصويراً دقيقا مدى الخسارة والمصيبة في الفقيد، حيث يصوغ الشاعرأبياتاً يذكر فيها محاسنه ومناقبه، وكأنّه يريد أن يحفرها في الأذهان حفراً، حتى تخلد على مرّ الزمان، وحتى تبقى صورة الميّت ماثلة أمامهم على الدوام ، يقول "السموأل" ( -560 م) مشيرا إلى ذلك :
يا ليت شعري حيـن أنْدَبُ هَالِكًا

مـــــاذا تؤبنــــي بــــــه أنواحــــي





وقد أبّن الشعراء الأشراف والأجواد والقوّاد، وكان مقياس الشرف في الجاهلية الكرم والشجاعة والسيادة ... ومن أقدم المراثي التي نذكرها في هذا الجانب مرثية " أوس بن حجر" في " فضالة بن كلدة الأسدي" ، يقول فيها:
أيتها النفس اجملـــي جزعـــــاً


إنّ الذي تحذرين قد وقــعا

إنّ الذي جمَّعَ السماحة و النَّجْــ


دة و الحزم والقوى جُمَعَا

أوْدى و هل تنفع الإشاحـــة من


أمرٍ لمــنْ قد يُحاول البِدعَا

الألمعـي الذي يظـــن لك الـــ

ظـنَّ كـأن قــد رأى و قــد سمعــا

عدّد الشاعر مناقب الفقيد من سماحة ونجدة وحزم ... فالمفقود هو هذه القيم وليس الشخص بعينه .
وكان للعلماء والأدباء مكانهم في التأبين والرثاء ، لأنّ تأثيرهم كان فكريا ثقافياً ودينياً روحيا، فقد أبن بعض الشعراء الشاميين " الأوزاعي" فقيه الشام، وإمام أهله لعصر" بني أميّة " بقوله:
جاد الحَيَا بالشام كلّ عشيّـــــة

قبراً تضمن لحــــــــــــــــده الأوزاعي

قبرٌ تضمن فيه طودُ شريعــــة



سقيـــــــا لــــــــه من عالــــــم نفــــاعٍ

عرضت له الدنيا فأعرض مقلعا

عنها بزهــد أيـــــما إقــــــــــــلاع(19)

ذكرالشاعر محاسن " الأوزاعي" فهو طود شريعة عالم زاهد... وهذه بعض من صفات العلماء الربانيين على مر الزمان.
ووقف أعرابي على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: « قلتَ فَقبِلنا، وأمرتَ فَحَفِظنا، وبَلغْتَ عن ربِّكَ فسمعنا وَلَو أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جَاؤوكَ فاستغفروا الله واستغفرَ لَهُم الرسُول لَوَجَدُوا الله تَوابًا رحيمًا [النساء: الآية 64] وقد ظلمنا أنفسنا وجئناك فاستغفر لنا فما بقيت عين إلا سالت»(20). وقد يؤبن الرجل الصالح بالذي كان يمدح به حيا كقول " الببغاء " (ـ 1008 ) م:
خلف المدائح بعدك التأبين
عن أي حادثة يعزى الدين

جـ) العـزاء:
النمط الثالث من الرثاء هو " العزاء" وأصله الصبر، ثمّ اقتصراستعماله في الصبر على كارثة الموت، « وهو مرتبة عقلية فوق مرتبة التأبين »(21) ، فإذا تجاوز الراثي حد اللوعة والبكاء ووصل إلى التأمل في حقيقة الموت والحياة، فإن رثاءه هو العزاء وقد أشارت إلى ذلك "الخنساء" ، حين قالت:
و لولا كثرة البـــاكين حولي
على إخوانــــــــــهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي و لـكن

أعــزِّي النفسَ عنــــه بالتــأســـيِ

قال "المبّرد": « تعزيتك الرجل، سليتك إياه، والعزاء هو السلو وحسن الصبر على المصائب»(22) ، وكان العرب في جاهليتهم « يتحاضون على الصبر ويعرفون فضله ، ويعيّرون بالجزع أهله ، إيثاراً للحزم وتزينا بالحلم، وطلباً للمروءة... حتى كان الرجل منهم يفقد حميماً له فلا يعرف ذلك فيه »(23) ، يقول "المهلهل بن ربيعة"( -531م):

بمصيبـــــــةٍ لا تُسْتــــَقَالُ جَليلـةٍ
غَلـــَبَتْ عــزاء القـــومِ و الـنِسْــــوَانِ


===============================================
)- مصطفى عبد الشافي الشوري: شعر الرثاء في العصر الجاهلي، دراسة فنية ، الشركة المصرية للنشر، ط 1، سنة 1995، ص 1.
2 )- قدامة بن جعفر: نقد الشعر، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي، منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، 1398 هـ / 1978 م، ط 1، ص98.
3 )- ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر و آدابه و نقده، تحقيق: محي الدين عبد الحميد، منشورات دار الجيل ، بيروت- 1401هـ -1981م.ج 2، ط 5، ص 147.
4 )- ابن فارس: مقاييس اللّغة، تحقيق: عبد السلام هارون، دار إحياء العلوم العربية، القاهرة، 1369 هـ، ج 2، ص 384.
5 )- ابن منظور: لسان العرب، (مادة: رثى)، دار صادر للطباعة و النشر، بيروت، 1968، ج 14، ص 309.
6 )- الزمخشري: الفائق في غريب الحديث، طبعه و صححه: علي البيجاوي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1945، ج 1، ص 458 .
7 )- ابن منظور: لسان العرب، ج 14، ص 309.
8)- الجواهري: الصحاح، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار الكتاب العربي، مصر، 1907، ج 1، ص 2351.
9 )- الخليل بن أحمد الفراهيدي: العين، ج 2، ص 309.
10 )- الجاحظ: البيان و التبيين، تحقيق و شرح: عبد السلام هارون، مؤسسة الخانجي، القاهرة، ط 4، 1975، ج 2، ص 320.
11 )- بشرى محمد علي عبد الخطيب: الرثاء في الشعر الجاهلي و صدر الإسلام، جامعة بغداد، 1981، ص 305.
12 )- شوقي ضيف: الرثاء، دار المعارف بمصر، ط 4، 1955.
13 )- المرجع نفسه ، ص 5.
14 )- ابن منظور: لسان العرب، (مادة ندب)، ج 1، ص 754.
15 )- شوقي ضيف: الرثاء، ص 12.

16)- المرجع السابق، ج 3، ص 235.
17)- المرجع نفسه، ج 3، ص 235.
18 )- ابن منظور، لسان العرب، (مادة رثى).
19 )- شوقي ضيف، الرثاء، ص 54.
20)- ابن عبد ربه الأندلسي: العقد الفريد، دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، 1983 ، ص 237.
21 )- شوقي ضيف: الرثاء، ص 6.
22 )- المبرّد: التعازي و المراثي ، ص 8. الموسوعة الشعرية.
23 )- المرجع نفسه ، ص 4.
أضف تعليقك تعليق
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن