تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنــقـد»  سعداوي يحلم ويلعب روائياً

سعداوي يحلم ويلعب روائياً

عدد مرات المشاهدة :130 - August 13, 2008

باسم الأنصار

سعداوي يحلم ويلعب روائياً

لم يعد خافياً على أحد ، حجم المأساة المتناسلة التي عصفت بالمجتمع العراقي في العقود الثلاثة الأخيرة . هذه المأساة التي تجلّت بأشكال عدة : الحروب ، الديكتاتورية ، الحصار ، المنافي ، السقوط المدوّي للديكتاتورية المقبورة ، احلال قوات التحالف بدلاً عنها ، والمجازر الدموية التي حصدت عشرات الالاف من الأبرياء منذ عام 2003 وحتى الان .
وكان لابد لمثل هكذا مأساة ، ان تترك ظلالها على الانسان الواقع تحت ظلها بصورة او بأخرى . بل وتترك شظاياها تمزقه الى شخصيات عديدة ، والى شخصية تحلم وتتخيل واقعاً بديلاً للواقع التراجيدي الذي يعيشه ، محاولة منها للعيش فيه حتى ولو على سبيل اللعب . إنه اقتراح الضحية ، افتراضها ، حلمها ، لعبها ، مخيلتها . هذا الاقتراح الذي يعد خلاصاً لها ومنفذاً وهمياً تخفف من خلاله مأساوية الواقع . هل قلنا ، انه منفذ وهمي ؟ أجل ، ولكن من قال ان الوهم احياناً ، ليس فعالاً لدى الكثير من البشر ، وخصوصاً في ازمنة المآسي ؟ نحن نرى ، ان الواقع المتخيل والاسطوري والحلمي ، كثيراً مايصبح ، يداً خفية تحرك الذي يؤمن به والواقع اليومي معاً . ومع انه من الطبيعي ان تكون نتائج الانتماء الى هذا الواقع ، غير سارة للمؤمن به احياناً كثيرة ، إلا ان العقل الذي يبتكره نراه عقلاً إبتكارياً ، إبداعياً من حيث القدرة على الابتكار ولانقصد من حيث القدرة على ايجاد الحلول السليمة للإشكاليات التي تواجهه في الحياة المعاشة .
***
( احمد سعداوي ) ، في روايته الصادرة مؤخراً عن دار المدى ( انه يحلم ، أو يلعب ، او يموت ) ، استطاع ان يسير ، يهرول ، يركض ، ويتأمل ارض الواقع العراقي عبر ثلاثة عقود من زواياه المتعددة والمختلفة . بل إنه حمل كاميرته / مخيلته بهدوء واحتراس عاليين ، وسافر بها الى المنفى الذي لم يره في حياته اطلاقاً ، واستطاع بحق أن يلم به ويتشربه كما لو كان قاطناً فيه لسنوات عدة ، من خلال وصفه الدقيق الى حد كبير له .  هذا الإلمام بواقع البلاد والمنفى ، لم يكن ، لأرشفته في روايته كما يبدو للوهلة الاولى ( مع ان للراوية جانباً ارشيفياً ) ، بل لكي يضعه في مختبره الروائي ، تحت رحمة انواره ، وتحت جنون مطرقته التي هشّم بها هذا الواقع ، وحوّله الى كيانات متفككة ومتشظية ، سرعان ماجمعها مجدداً في مخيلته واحلامه وصنع منها واقعاً مجاوراً ومحايثاً للواقع الاصلي ، لا ليكون بديلاً عنه فقط ، وانما لأن شغفه باللعب ، وجهه الى هذا الفعل المشاكس والجرئ .
***
تتحدّث الرواية بأختصار عن شاب يدعى ( نديم ) ، وهو شاهد محايد الانفعال ، على واقع تناسب تراجيديته ، التراجيديات التأريخية الخالدة . وهو ضحية كبيرة لهذه التراجيديا التي اعطبت حياته وهزمت اماله البسيطة . فهو شاهد على حرب الثماني سنوات مع ايران ، على الانكسار الكبير في حرب تحرير الكويت ، على الانتفاضة الشعبية عام 1991 ، على الحصار المفترس ، على سقوط الديكتاتورية ، وعلى الاحداث الدامية التي جاءت بعد السقوط . هذا من جهة ، ومن جهة اخرى ، هو مهزوم ومنكسر بإمتياز ( حرمانه من حنان الاب ، رحيل اخوه الى المنفى ، الذي كان يأمل منه ان يرسل عليه ذات يوم للعيش في المنفى معه ، هرباً من جحيم واقعه ، إلا ان هذا المخلّص المفترض اختفى عنه ، عوقه المؤقت وموت والدته بالوقت ذاته بفعل تهدّم منزلهم ، بعد سقوط قذيفة امريكية على منزل جارهم ، وغيرها من المآسي والالام الشخصية ) . 
وكل هذه الاشكاليات ، دفعت ( نديم ) الى لعبة ابتكار حكايات اخرى عبر احلام اليقظة للشخصيات التي يعيش معها تارة ، وتارة اخرى كانت لعبته تتجسد عبر احلام نومه ، التي ساهمت مساهمة كبيرة في دفع الرواية الى اتجاهات صادمة ومدهشة للمتلقي . وتستمر هذه اللعبة الى نهاية الرواية ، التي يجتمع فيها الميتون والمتخيلون ( وهم بكل الاحوال ميتون بالنهاية ) معاً في مكان بعيد اطلق عليه سعداوي مصطلح ( الهنانك ) . اي المكان الذي يقع بعيداً عن الواقع / الهنا .
***
كُتبت الرواية ، بلغة سلسة وتلقائية ، وبسردٍ إمتاز بالانسيابية والتدفق العاليين ، بحيث اننا نكتشف ان ( سعداوي ) طرد الوصف بمفهومه التقليدي من جسد الرواية بقصدية ، كون الوصف كثيراً مايثقل التدفق والانسيابية في السرد . لذا جاء الوصف شفافاً ، كونه جاء في الغالب محمولاً على اكتاف السرد .
وامتازت الرواية ايضاً ، بالإختزال والتكثيف في سرد الكثير من مشاهدها ، وبالأخص تلك المشاهد المألوفة لدى الواقع العراقي ، وذلك لكثرة تكرارها خلال العقود الثلاثة الاخيرة ، التي تمثل زمن الرواية . بل ان المشاهد المختزلة جاءت معبرة جداً ، وصارت عاملاً مساعداً لنجاح الرواية ، وذلك لأن ( سعداوي ) اختار اكثر اشكال هذه الاحداث تعبيراً عن المأساة ، مثلاً ( مشهد لطم النساء على الجثث التي تُجلَبْ ملفوفة بالعلم العراقي الى أسرها المنكوبة من جبهات القتال ، مشهد اعدام الهاربين من الحرب مع ايران علناً في الساحات العامة ، مشهد اعتقال الهاربين من الحرب والمشكوك بعمالتهم للجهات المعادية ، مشهد تعذيب المعتقلين الذي لم يكمله ، بسبب عدم تعاطفه فنياً مع ذكر تفاصيله ، لأن الروايات العربية تمتلئ بها بشكل ساذج احياناً ، مشهد دفع طلاب المدارس الى تمجيد النظام صباح كل يوم ، مشهد الانتفاضة بعد تحرير الكويت ، مشهد الكلاب السائبة التي كانت تنهش بجثث الجند العراقيين الذين لاقوا حتفهم بعد الانسحاب من الكويت ... الخ ) .
***
نرى أن هناك أرضاً بعيدةً في الابداع ، من المستحيل الهيمنة عليها تماماً ، اي ان كل فعل للهيمنة عليها ، هو ضرب من المستحيل ، وهذه الأرض ، هي أرض الخيال المحض ، أرض الإبتكار الخالص . ولكن لا ضير من ان يسعى المبدع للإقتراب منها ، لإستنفاد حدود الممكن من قدراته ، ولأجل سحب افاق ابداعه الى ابعد المديات الممكنة . اي انه من الوارد جداً للمبدع ، الإقتراب من هذه الأرض ، والسير في اجزاء منها .
نحن ، وفي لحظة قراءتنا لهذه الرواية ، رأينا ( احمد سعداوي ) يجرب امكانات كثيرة للاقتراب من النقطة الابعد في هذه الأرض المستحيلة . مثلاً ، في احدى المرات رأيناه يخلق اكثر من صوت لعدة شخصيات ( حميد في المنفى ، كبير المنضدين ، عبود ، مصطفى الفيلي مثلاً ) . بل ان احدى اكبر اشكال لعبته تمثلت في ، تجسيده لصوت ( حميد ) الداخلي المناقض له في منفاه ، الى شخصية نراها مستقلة عنه بالتفكير وبالسلوك وبالتخييل ايضاً ، والتي اصبحت فيما بعد تسمى ب ( هاميت ) . بينما الشكل الاخر من اللعب في الرواية ، برز امامنا ، حينما لجأ ( سعداوي ) الى كثرة الاقتراحات للحدث .
اي ان الكثير من الاحداث التي حصلت في الرواية ، كنا نرى ( سعداوي ) يرويها لنا بعدة اشكال ، وكأنه كمن يود ان يطرد سلطة الروي الاحادي للاحداث ، او كمن يريد ان ينقل الحدث من وجهات نظر مختلفة . اي ان ( سعداوي ) كان لديه فيض خلاق في روي الاحداث ، وكأنه يطلب من المتلقي ان يشاركه بطرح طريقته في روي الحدث الذي يراه ، مادام ان هذا الحدث يحتمل طرق روي كثيرة . بل انه جعل ( نديم ) يسرق منه دور الراوي كثيراً ، حينما راح نديم يخلق الاصوات الافتراضية للعديد من شخصيات الرواية !
في هذا الشكل من اللعبة ، نستطيع ان نلاحظ الزحف اللعين ، الهادئ ، المتزن ل ( سعداوي ) للاقتراب من الأرض البعيدة المستحيلة . بلا شك ان ( سعداوي ) في هذه الرواية ، كان لاعباً ماهراً ، مجنوناً ، وجريئاً بكل تأكيد ، لأنه باختصار جازف بالأسس المألوفة للروي ، وبادر بجرأة للإمساك بطرق الروي الجديدة ، التي كانت بشكل عام ، عبارة عن خلطة عجيبة من عدة طرق واساليب .
ومن جهة اخرى ، رأيناه يجرح ديكتاتورية الواقع الواقعي بشكل واضح ، وذلك من خلال تضييق المساحة الممنوحة اليه في جسد الرواية ، ومن خلال دفع الطاقة الحلمية بدلاً عنه . أي ان الحلم هنا كان يروي وكأنه الواقع . اي اننا رأينا ( سعداوي ) يمارس الانزياج مرتين : المرة الاولى ، حينما انسحب من دور المؤرشف او المؤرخ ، وارتدى دور الراوي في سرد حكايته . والمرة الثانية ، حينما اهمل دور الراوي التقليدي ، وارتدى دور الراوي المغاير ، المختلف ، الخارج عن السياقات التقليدية في السرد الروائي .
( سعداوي ) ، مارس لعبته بتكنيك يشبه تكنيك محرك الدمى الذي يمسك اكثر من خيط بكفيه من اجل تحريك دُماه العديدة في وقت واحد . فهو أمسك خيط الواقع ، وخيط الحلم ، وخيط المخيلة في آن واحد . اي انه ( ستيوارت ) الرواية . هذا ال ( ستيوارت ) ، هو سائق الشاحنة التي تقود السيرك في رحلاته العديدة في الرواية . وهذا ال ( ستيوارت ) ، هو الذي ( حسب الافتراض الذي افترضه المشرف على السيرك ) قادر على قيادة شاحنتين في الوقت ذاته . و ( سعداوي ) كان يقود مشاهد عدة في وقت واحد .
وهو ايضا امتلك تكنيك المخرج السينمائي ، الذي يلقي فصول ومشاهد فيلمه بشكل مبعثر ، ولكن على ارضية واحدة وصلبة ، تفسح المجال للمتلقي للوقوف عليها بثقة تجعله قادراً على جمع المشاهد المتشظية بنفسه .
ان رواية ( احمد سعداوي ) ، تعد محاولة لإيقاظ ذهن المتلقي لحظة القراءة . ومحاولة لإشعال شمعة الملاحظة والتركيز في رأس المتلقي لحظة القراءة . وهنا كما نرى ، تكمن احدى اسرار اللعبة المهمة في هذه الرواية .


المؤلف: باسم الأنصار 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن