تصفح الأرشيف
الأولى السابق آب/أغسطس, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنــقـد»  الفلاسفة يثــنون على بعضهم .. ايضا

الفلاسفة يثــنون على بعضهم .. ايضا

عدد مرات المشاهدة :125 - July 05, 2008

سعد القصاب

الفلاسفة يثــنون على بعضهم .. ايضا
غادمير وهيدغر

ينشر غادمير ، الفيلسوف الالماني في العا م -1960- مؤلفه العتيد " الحقيقة والمنهج " ، وهو العام الذي شرع في كتابة نصه الاول عن استاذه الفيلسوف هيدغر " 1889-1976" . بعدما كلفه الاخير كتابة مقدمة لمؤلفه " اصل العمل الفني " ،ليستمر بعد ذلك مشروع المقالات والمحاضرات والاحاديث من قبله عن ذلك الفيلسوف مدة (25) عاما.  مقدمته ، جاءت بعد أربعة عقود كان خلالها يطور التأثير الفكري الذي تلقاه من " هيدغر" منذ لقائه الاول معه -1922- حينما كان طالبا لديه في جامعة فرايبورغ ، ولكن باستقلالية لافتة عن افكار معلمه وبمسافة قطعها بعيدا عنه . معلم الهب خياله في سني تلمذته بمحاضرات عن ارسطو الهمته حوافزجديدة في التفكير، يقول : "ان تعرفي بهايدغر قد حطم ثقتي بنفسي " .
تلك المقالات مجتمعة والتي كتب بعضها في مناسبات متفرقة سوف تشكل كتابه " طرق هيدغر " #. مثل  شهادة انسانية ومعرفية عن فكر فيلسوف حمل له عرفانا بالجميل . كما يمكن اعتباره  وثيقة تاريخية وفكرية لم تخل من لحظات حنين وحميمية شهدها الكاتب وعاش ابعادها ، لتحاور الفكري والفلسفي لدى "هيدغر" الانسان . وهي ايضا خطابات تسعى الى اللحاق بالفيلسوف في حضوره اليومي وعمله الاكاديمي وحياته وصلتها بفكره . ما جعلها ترسم الاتجاه التاريخي والاجتماعي والمعرفي الذي كان فيه معلمه يقود الفكر الفلسفي في النصف الاول من القرن المنصرم ويؤثر في جيل من الدارسين العائدين من الحرب العالمية الاولى .
كتابة عن طبيعة وجود جاهد من اجله فيلسوف بفكر مستقل ولا مألوفية تجاوزبها طرق تفكير تقليدية كانت قائمة . آمن غادمير"1900-2002" بكل ماهو فريد ولكنه لم يتجاهل في الوقت ذاته ماهو تاريخي واجتماعي في تلك الفرادة . بذلك قرأ " هيدغر " بحس تخيلي وتبصر جعله يستدعي مكانته في تاريخ الفلسفة بأسباب صرامته المفاهيمية وطبيعة التساؤلات التي طرحها والمتعلقة بالوجود الانساني . اسباب جعلت نصوص الفيلسوف تحيا بعد رحيله ، كونها كشفت ان الظرف التاريخي الذي نحياه بحاجة الى التفكير فيه بوصفه ازمة وجودية عميقة وطويلة .
" هيدغر " ووريثه الشرعي " غادمير " ، كانا معا قد اهتما بفلسفة التاويل او فن الفهم . الاول حينما اراد ان يعرف من خلال هذا الفن كيف نفهم الوجود ؟ والثاني باهتمامه به في طروحاته و تفحصه للنصوص الكلاسيكية والتقاليد الثقافية ، ومن اجل البحث عن وجود مختلف وحقائق مطمورة فيهما ، والتي ربما من شانها ان تؤثر في الحيـاة المعاصرة . وهما اللذان اشتركا معا في محاورثلاثة : علاقة الفن بالحقيقة ، حدود اللغة وتمثلاتها ، واشكالية التاريخ والتراث .
في مقالاته الخمسة عشرة التي ضمها الكتاب ، لايتعرض "غادمير" فقط الى السبل التي تطور فيها فكر الفيلسوف بل ايضا تطورعلاقته معه ، وبحثه عن ذلك السر الخفي والمصون الذي خلفه استاذه في نفسه. لقد آمنا معا بان دور الفلسفة هي في اثناء تفكيرها وتأملها الدائم خارج الحدود .
" الوجود " ذلك اللفظ الذي اعتبر من اقدم الاسئلة في الحقل الفلسفي ،كان قد استعاد سيادته في الوعي الثقافي الاوربي منذ عشرينيات القرن المنصرم باسباب كارثة الحرب العالمية الاولى. والتي عاشتها المانيا ذاتها بقسوة بالغة ، جراء انهيارها الاكثر مأساوية في تلك الكارثة . لقد كانت هنالك هاوية غمرت الحياة الروحية وقتئذ قال عنها غادمير " بدأت انا نفسي احدق فيها " .
في ذلك الزمن الذي عبّرت فيها هذه الازمة الانسانية عن نفسها فلسفيا وثقافيا ، كان " هيدغر " يكافح ومنذ وقت مبكر ، من اجل تبنّي مشروع عن الوجود يتخذ طبيعة مفهومية جديدة .
بهذا الجانب كان تأثير "هيدغر" على قرائه ومستمعي محاضراته . بوصفه الناطق الاصيل عن فكر فلسفي جديد يدعو الى فهم عميق لطبيعة الحرية الانسانية . والقائم على المساءلة الحقيقية للمجتمع وفكرة تقدمه واستحضار الروح الانسانية فيه. فكر كان احد اغراضه هو كيف للكائن الانساني الضعيف المعرض للنهاية باستطاعته ان يدرك ذاته ليس بكونها فقدانا بل سمة تميزه؟ .
ان النقد الثقافي الذي حمله فكر " هيدغر " يشبه ان يكون سؤالا تم القاؤه باسباب تبرمه من التماثل ، التسطيح ، عدم الاصالة ،وماهو غير جوهري وكل ماهو مدعم بثقة مفرطة بالتقنية التي توجهت نحو ان تعلق حريتنا ووجودنا ، حتى في اللغة التي تحولت بدورها الى ان تكون وسيطة لها . ان عصرنا ومنذ منتصف القرن المنصرم ، بات يحفه التنظيم العقلاني في الاقتصاد كما في السياسة وكما في علاقتنا مع المجموعات الانسانية الاخرى . فلم تعد طموحات الاجيال اللاحقة تتجه بتوقعاتها نحو اللامحدود بل باتجاه وظيفة معقلنة لعالم تزين فيه العلم بالمطلق واصبحت التقنيات كتطبيقات عملية عنه قد اختزلت كل شيء. وصار يراد ان يسوّغ كل وجود على ضوء ذلك ، وحتى عبر ممارسته السلطة على شكل التعبيرات الروحية . بذلك قد نأت عن هذا العصر التأملات العميقة وما هو عاطفي غامض كان يأسرالاخرين ذات يوم . لقد باتت الحقيقة في ظله عرضة لخطر التراجع الى الظلمة .
يصف " غادمير " استاذه "هايدغر" بانه سيد الفن غير المألوف في التفكير . فمعه لم يعد الفكر تعيين لعلاقات ، في ان يضع قدرا من التأمل في علاقة معينة ما وينتقل منها الى اخرى . مع "هيدغر" بات التفكير هو عملية اظهار او حمل شيء ما على اظهار نفسه . فهنالك اذا اتجاه يقود التفكير في فضاء اكثر فاعلية ، بأثر الانشغال بثبات في ذات الموضوع ، ذلك ما مثّل معيارا فكريا جديدا . ولمثل هذه الاسباب بقي فكر هيدغر حاضرا في الحقل الفلسفي في القرن العشرين على الرغم من التقلبات التي لحقت بعديد اتجاهاته الحاسمة في زمنها.
وبوصفه فيلسوفا باحثا كانت تناولات " هيدغر " الفكرية محملة بتساؤلات خاصة يرغب خلالها من اكتشاف نفسه في كل فكر . كان يبحث دائما عما يحاوره ، عن شريك حقيقي . ووجد ذلك لدى الاغريق هؤلاء الذين عرفوا ان كل معرفة لاتخلو من الكذب والخطأ وان وظيفة كل فكر هي تحقيق الصواب فيها . كما وجدها في المهمة الحقيقية لعلم اللاهوت ،في كونه ايجاد طريقة لخطاب قادر على دعوة المرء الى الايمان والبقاء فيه . وكذلك في العمل الفني بوصفه الشيء الوحيد القادر على الحضور وكشف وجوده الخاص . فالفن هومايمكن وصفه بانه تفعيل للحقيقة .
غادميرالذي اطلق عليه دريدا بــ " الشاهد المطلق " ، في كتابه " طرق هيدغر " قد شهد بان حريتنا تبدأ حينما نطرح السؤال ثانية حتى ولو كان الامر بذريعة الثناء على فيلسوف .
  
 
 # صدر عن دار الكتاب الجديد المتحدة ، ترجمة د. حسن ناظم وعلي حاكم صالح ، 2007


المؤلف: سعد القصاب 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن