الرواية العربية الفانطاستيكية
جميل حمداوي
جميل حمداوي
تمهيــــــــد:
إذا كانت الرواية الواقعية والطبيعية تحاكيان الواقع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من خلال التشخيص الفني والتخييل البلاغي، فإن الرواية الفانطاستيكية/ العجائبية roman fantastique/fantastic novel تتجاوز الواقع والمنطق إلى اللاواقع واللاعقل عبر خاصيتي التعجيب والتغريب. وصارت هاتان الخاصيتان من تجليات التحديث في الرواية الغربية والعربية و من مظاهر الإبداع الفني الروائي والقصصي، بعد أن انتقل العالم من العقل إلى اللاعقل مع مجموعة من الفلسفات التي بدأت تشكك في اللوغوس اليوناني والمنطق الغربي، وتعوضهما بمنازع الذات والروح والتصوف والإشراق الديني والتحرر من الاستلاب الرقمي والتقني الرأسمالي والاشتراكي على حد سواء. إذاً، ماهي الرواية الفانطاستيكية لغة واصطلاحا؟ وماهي تصوراتها النظرية والتاريخية؟ وماهي مقوماتها الدلالية والفنية والوظيفية؟ وكيف يتم مقاربة النص الروائي العجائبي وتأويله ؟ وماهي أهم النماذج الروائية الفانطاستيكية في الغرب والعالم العربي؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نكشف عنها القناع في تحليلنا المتواضع هذا.
1- الدلالة اللغوية والاصطلاحية:
لم نجد في المعاجم العربية مايقابل مصطلح fantastique/fantastic المعروف في النقد الغربي، لذلك آثرنا استعمال مصطلح العجائبي لقربه منه نظرا لاشتراكهما في الدلالات كالروعة والعظمة والعجب والاندهاش والخيال الوهمي والخارق غير الواقعي. ونحن أيضا نميز بينه وبين المصطلحين القريبين منه وهما: حكاية الخوارقcontes merveilleux والحكاية الغريبة conte étrange لما لهما من خصوصيات دلالية وبنيوية وتداولية.
هذا، ويستند الأدب الفانطاستيكي/ العجائبي إلى تداخل الواقع والخيال، وتجاوز السببية وتوظيف الامتساخ والتحويل والتشويه ولعبة المرئي واللامرئي، دون أن ننسى حيرة القارئ بين عالمين متناقضين: عالم الحقيقة الحسية وعالم التصور والوهم والتخييل. فهذه الحيرة هي التي توقع المتقبل بين حالتي التوقع المنطقي والاستغراب غير الطبيعي أمام حادث خارق للعادة لايخضع لأعراف العقل والطبيعة وقوانينهما.
و من خلال هذا ، ينقسم الأدب الفانطاستيكي العجائبي إلى لحظتين تخيليتين:
أ- التعجيب( حالة إيجابية):
ويتم حينما نكون أمام حدث يترك أثرا إيجابيا على نفسية المتلقي؛ لأن المتعجب منه مستحسن يثير الاندهاش، والإعجاب لروعته وخروجه عن المألوف الذي لا يثير فضوله، كتحول البطل إلى سوبرمان لإنقاذ شاحنة تكاد تسقط في النهر.
ب- الغريب:(حالة سلبية):
ويتم التغريب حينما نكون أمام حدث يترك أثرا سلبيا على نفسية المتلقي؛ لأن الحدث مستهجن إما لغرابته وإما لشذوذه وإما لما يبثه من هلع وخوف ورعب إلى درجة القلق مثل: تحول الشخصية العدائية إلى شيطان أمرد أو قرد ممسوخ.
وبناء على ماسبق، فلقد فضلنا استخدام مصطلح العجائبي ترجمة لمفهوم "الفانطاستيك" الغربي، علما بقصور هذا المصطلح العربي بالمقارنة بنظيره الأجنبي. فالعجيب يختلف إلى حد ما عن الغريب. فالعجائبي هو" حالة التردد التي يشعر بها القارئ تجاه الأحداث والأفعال، فحالما يحسم أمره ويهتدي إلى الحل الذي يرى أن الأمر لايعدو أن يكون وهم الحواس ونتيجة الخيال وأن قوانين العالم لم تتغير، يدخل حينئذ مجال الغريب الذي يخضع دائما إلى تفسير عقلي ومنطقي".
2- مقاربات وتصورات نظرية حول الإبداع الفانطاستيكي:
يمكن الحديث عن العديد من المقاربات والتصورات النظرية حول الإبداع الفانطاستيكي/ العجائبي في الحقل الثقافي الغربي ، ويمكن حصر هذه المقاربات فيما يلي:
أ- المقاربة التاريخية كالأنطولوجيات الكبرى الخاصة بالفانطاستيك؛
ب- المقاربة الدلالية أو الموضوعاتية التي تهتم برصد التيمات المتواترة؛
ت- المقاربة البنيوية التي تركز على إنشائية الأدب العجائبي وتحاول رصد بنياته الهيكلية.
ث- المقاربة السيكولوجية التي تسعى بدورها إلى فهم وتفسير غرابة الأدب العجائبي.
ج- المقاربة السيميوطيقية التي تنبني على رصد شكل المضمون من خلال البنيتين: السطحية والعميقة بحثا عن دلالات القصة بواسطة تفكيك منطق لعبة الاختلاف والتعارض.
وعليه، ففي النقد الأنگلوسكسوني، يتخذ العجائبي بعدا تاريخيا وأنطروبولوجيا، ويدرج ضمن تراث الأساطير والفلكلور لمختلف الثقافات. ويتم التركيز فيه على الثوابت والمتغيرات على مستوى التخيل الكوني. ويذهب في هذا المنحى( ج. دوران G/ Durant) الذي أثبت في كتابه ( بنيات الخيال الأنطروبولوجية) أن المعنى المجازي أسبق من المعنى الحقيقي، وأن النشاط الإنساني الإبداعي مشبع بالعجائبي والاستعاري الذي بدونه لايمكن أن يكون نشاطا إبداعيا.
وقد تعددت تصورات الباحثين حول الفانطاستيك أو التخييل العجائبي. فروجي كايوا CAILLOIS مثلا يرى أن العجائبي هو تخييل غير طبيعي لما هو طبيعي ومألوف. يقول كايوا في كتابه "في قلب العجائبي"" إنما العجائبي كله قطيعة أو تصدع للنظام المعترف به، واقتحام من اللامقبول لصميم الشعرية اليومية التي لاتتبدل" .
أما تصور إريڤ بيرسيير IREVE BERSIERE في كتابه "المحكي العجائبي: شعرية الوهم"، فالعجائبي في نظره " شكل مزدوج يولد من تناقض فعلي مادام الفانطاستيك ليس نوعا عقليا، ولكنه خاصية سردية".
ويقول لويس فاكس(VAX) في " الفن والأدب العجائبيان" : "يحب القص العجائبي ...أن يقدم لنا بشرا مثلنا، فيما يقطنون العالم الذي نوجد فيه، إذا بهم فجأة يوضعون في حضرة المستغلق عن التفسير".
أما تزتيڤان تودوروف Todorovفيعرف العجائبي بأنه يقوم "أساسا على تردد للقارئ- قارىء يتوحد بالشخصية الرئيسية- أمام طبيعة حدث غريب".
ونستنتج من هذا التعريف، أن للأدب العجائبي مقومات أساسية منها:
أ- التردد والحيرة والشك على مستوى التأثر والتقبل والاستجابة؛
ب- الصراع بين القوانين الطبيعية( الواقع- العقل- المنطق- المألوف-...) وغير الطبيعية( الخيال- الوهم- اللامنطق- الغريب والعجيب ...)؛
ت- وجود حدث خارق للعادة يثير الاندهاش والاستغراب؛
ث- الانزياح عن عالم المواضعات والأعراف والقوانين الطبيعية والعقلية والمنطقية.
ولقد حاول تزتيفان تودوروف TODOROV قراءة الأدب العجائبي من وجهة بنيوية وموضوعاتية في كتابه" مدخل إلى الأدب العجائبي" الصادر سنة 1970م، وتوصل إلى أنه أدب خارق للعادة ويثير الغرابة شكلا ودلالة انطلاقا من تردد القارىء أمام عوالم الحكاية المدهشة. " ومن النتائج التي توصل إليها تودوروف أن الأدب الفانطاستيكي لم يعمر أكثر من قرنين لينسحب مع مطلع هذا القرن( يقصد القرن العشرين) مفسحا المجال أمام أدب جديد لايمايز بين الواقع واللاواقع، ولا يتقيد بالثنائية الميتافيزيقية التي طبعت الأدب طوال القرن التاسع عشر. من ثم، فإن النصوص التي تبدو لنا فانطاستيكية مثل: نصوص كافكا هي في نظر الدارس مغايرة للجنس الفانطاستيكي كما حدده ولا تترك نفس التأثير لدى القارىء (الشعور بالتردد فيما يرجع لتصنيف النص وموضعته ضمن العجيب أو الغريب...)، إن نصوصا مثل نصوص كافكا غيرت الاتجاه فأصبح الفانتاستيكي هو القاعدة وليس الاستثناء كما كان عليه الأمر من قبل".
وتعد محاولة تودوروف بمثابة تجنيس بنيوي للأدب العجائبي بعد أن كان متخيلا سائبا اعتمادا على المشروع البنيوي المركز على البنية والدلالة والوظيفة أو مظاهر النثر الأدبي الثلاثة: لفظي وتركيبي ودلالي أو موضوعاتي.
وهكذا تأتي محاولة تودوروف لتخرج نصوصا كثيرة من منطقة التناول التعميمي إلى مستوى الصياغة الإشكالية المدققة المتطلعة إلى ضبط علمي للتحديدات والمصطلحات. وبالفعل، لايكفي القول بأن نصوصا ذات طابع فانطاستيكي قد وجدت منذ القديم في جميع الآداب؛ لأن ما يدرج ضمن العجيب والغريب والخوارق يختلف عن النصوص التي تبلورت منذ القرن الثامن عشر على يد كتاب يوظفون عناصر هذا النوع من الحكي للتعبير عن رؤية مغايرة تقدم تحولا في العلائق مع الطبيعة وما فوق الطبيعة، مع الذات الخفية ومع الآخرين، مع الواقع واللاواقع، ومثل هذا التحول على مستوى بنيات المجتمع، هو الذي يبرر التحول من متخيل "سائب" إلى جنس تخييلي يسنده وعي ولغة متميزة وتيمات تستكشف المجهول وتوسع من دائرة الأدب".
وقد سبق الشكلانيون الروس تودوروف في دراسة الخارق العجائبي، ولاسيما فلاديمير ﯧروب V.PROPP في كتابه عن "الحكايات الروسية العجيبة"، وكلود ليفي شتراوس C.Lévi –Strauss في دراسته عن" بنية الشكل: أفكار حول أعمال فلاديمير بروب" باعتباره مؤسسا للتيار البنيوي الفرنسي في مجال الأدب والأنتروبولوجيا، وكذلك لوف كرافت LoveGravt مؤسس الأدب العجائبي في الثقافة الانگلوسوكسونية إلى جانب ﯧينزولت Penzoldt. وثمة دراسات أخرى ترصد التخييل العجائبي سواء في الأدب الإنجليزي أم في الأدب الفرنسي مثل: دراسة سكاربو روش Scarbo Rouch ،" الفوق طبيعي في التخييل الانجليزي المعاصر"، ودراسة شنايدرSchneider:"الأدب العجائبي في فرنسا".
3- مقومات الأدب الفانطاستيكي وخصائصه:
يعمد الخطاب الفانطاستيكي /العجائبي إلى استعمال مفردات وعبارات دالة على التحول والمسخ تزيينا وتقبيحا وتوظيف خاصيات التعجيب والتغريب تصريحا وتلميحا. وينسج هذا الخطاب خيوطه الجمالية حول تيمة الامتساخ والخرق الخيالي والمنطفي والطبيعي. ويستمد هذا الأدب ألفاظه من معجم العجيب تارة، ومن معجم الغرابة تارة أخرى، ناهيك عن انزياحه عن قاموس الطبيعة والألفة والأفعال اليومية العادية. ويعتمد لغة تتخطى الواقع إلى المتخيل؛ لتكتب سردا مترددا بين عوالم الحقيقة والمجاز يندهش أمامها العقل والمنطق، ويقفان أمامها مشدوهين حائرين. وهذه الخاصية هي التي تجعل الأدب العجائبي يتفرد كلياعن باقي الأجناس الأدبية الأخرى، ويصبح جنسا وسيطا بين جنسين أدبيين في نظر تودوروف هما الغريب والعجيب . فإذا كان المفهوم الأول مرتبطا بالماضي، فإن الثاني مقترن بالمستقبل" إن العجيب- يقول تودوروف- يطابق ظاهرة مجهولة، لم تر بعد أبدا وآتية: أي إنه يطابق مستقبلا، ومقابل ذلك في الغريب، حيث يرجع بمالا يقبل التفسير على وقائع معروفة، إلى تجربة موجودة قبلا، ومن ثمة على الماضي. أما العجائبي بالذات فالتردد الذي يطبعه لايمكنه أن ينهض بداهة إلا في الحاضر".
ويحضر العجائبي في الرواية كليا وتسمى الرواية لذلك رواية عجائبية ؛لأن التعجيب سمة غالبة في النثر تشكيلا ودلالة ووظيفة، أو يحضر جزئيا في شكل ملامح وسجلات أسلوبية لم تصل بعد إلى درجة القيمة المهيمنة أو المميزة في النص الإبداعي الروائي، وهنا نكون بصدد الحديث عن المستنسخات النصية أو الخطاب التناصي من خلال استدعاء الصورة العجائبية لإثراء النص وإغنائه دلاليا.
وعلى هذا، فالعجائبي" يتحدد بالنسبة إلى مفاهيم أخرى هي: الواقع والمتخيل والوهم، وهو ليس سوى ذلك السر أو الشيء الغريب الخفي الذي يقتحم الحياة الواقعية ويثير في نفس المتلقي الرعب أو الشك أو التردد". وهذا جدول يبين التعارض بين الإبداع الواقعي والإبداع العجائبي:
مميزات الإبـــداع الروائي
- العجائبي - الواقعي
- الخيال
- الوهم والخارق
- قوانين فوق الطبيعة
- التخييل
- المحتمل
- التردد والشك
- زمن متعال
- أفعال عجيبة وغريبة
- غير المرئي
- التصور/الافتراض - الواقع
- الحقيقة
- قوانين طبيعية
- الواقعية
- الممكن
- التكيف
- زمن واقعي محدد
- أفعال يومية عادية مألوفة
- المرئي
- العقل/ المنطلق
إن الخطابات الروائية العجائبية نصوص تخييلية تتراوح بين العجيب والغريب، وبين الوهم والواقع، وبين المنطق واللامعقول،وبين الانسجام وللانسجام، وتعتمد أحداثا غريبة ومدهشة تحدث التردد الذي" يطال الشخصية الرئيسة [ في القصة أو الرواية] أو أي شخصية أخرى من شخصياتها. كما يشمل القارىء الذي يقف حائرا أمام غموض الأحداث وغرابتها ويحاول أن يجد لها تفسيرا طبيعيا أو غير طبيعي، وهذا التفسير هو الذي ينهي ظاهرة الغرابة ويخرج النص من الفانتاستيك ". وهكذا نلاحظ في النصوص العجائبية" أن الذي يشعر بالدهشة ويعتريه التردد هو البطل في أغلب الأحيان،. وإن كانت نصوص أخرى تذكر أن التردد يعم شخصيات أخرى". وقد تقوم الشخصية الرئيسية في هذه النصوص بوظيفة مزدوجة: فهي تمثل بطل الحكاية وراويا في آن واحد.
ويتم التعبير عن العجائبي بعدة وسائط فنية وجمالية كالمفارقة والمعارضة والمحاكاة الساخرة والتشخيص والتشويه والتصوير الكاريكاتوري والمسخ والتحول والتهويل والمبالغة والمقايضة والاعتداء والقتل. أي إن الظاهرة الفانطاستيكية تدور حول ظاهرتين أساسيتين هما : التحول والتشويه المسخي.
ويتبين من خلال هذه الوسائط أن من أهم الميكانيزمات التي يعتمد عليها الخطاب العجائبي السخرية أو الباروديا أو المحاكاة الساخرة،ولايمكن فصل العجائبي- بالتالي- فنيا وإيديولوجيا عن فن السخرية الذي يدل على " الانقسام الذي يشعر به البطل وهو يواجه تحديات الواقع، فلا يجد مندوحة من مقاومته غير السخرية التي تصبح في هذه الحالة سلاحا يحصن البطل ضد عنف العالم وغرابته، إنها بمعنى ما وسيلة للتغلب على واقع التجربة وعلى تجاوزه".
وعندما يتداخل الفنان: أدب الغرابة وأدب السخرية فينبغي أن يوظف هذا التداخل بطريقة فنية لخدمة مضمون النص الفكري ولإضفاء صفة الواقعية عليه، وهي تتضافر مع الفانتاستيك والحوار العامي لنقد الواقع وتأسيس عالم فني مواز تسهم في بنائه عناصر متنوعة:سرد- حكي وشخصيات وحدث وضمائر وفضاء زماني ومكاني، لكنها لاتخلو في كثير من الحالات من عنصر ذاتي يعكس ذات الفرد المبدع وبعض خصائصه الشخصية".
وقد يرتكز الخطاب العجائبي على التناص باعتباره خطابا إحاليا شعوريا أو لاشعوريا ، وقد يعضد بالمفارقة والتهجين والأسلبة،والهدف من توظيف التناص الامتساخي هو قراءة الواقع ومحاولة فهمه وتفسيره وتعريته من جميع جوانبه قصد بنائه من جديد. إن التناص هو استغلال لنصوص سابقة أو حديثة بطريقة متداخلة قائمة على التفاعل الامتصاصي والحواري. وهو يطرح "عدة قضايا فنية وفكرية، يتضمن بعضها جوانب سلبية مثل تهجين مفهوم الجنس الأدبي، ولكن مساهمته في إغناء وتطوير الأدب أكبر وأعمق".
ويروم الخطاب العجائبي التقبيح والتنفير تارة وذلك عندما تتحول الشخصية مثلا إلى قرد أو شيطان أو ثعلب ماكر أو ثعبان...، والتزيين والتحبيب تارة أخرى وذلك عندما تتحول الشخصية المحببة مثلا إلى غزال أو تتحول المظلة الوهمية إلى مظلة حقيقية لإنقاذ البطل المحاصر في برج القلعة كما في رواية" سماسرة السراب" لبنسالم حميش. ولابد من الإحالة على مجموعة من العناصر أثناء االحديث عن بنية التحول العجائبي كالمحول والمحول إليه وأفعال التحويل وصوره البلاغية وسياق التحويل ووظائفه.
وتستحضر ظاهرة التحول كائنات طبيعية تتحول أو تمتسخ إلى كائنات فوق طبيعية حيوانية أو جنية أو شيئية أو العكس صحيح أيضا. فقد تتحول الكائنات العجائبية إلى كائنات بشرية واقعية، مما قد يبلبل ذهن القارىء ويعرضه للحيرة والتردد والشك. ففي النصوص العجائبية مثلا يتحول الرجل- حسب تودوروف- إلى قرد " والقرد إلى رجل ويتحول الجني إلى عجوز منذ البدء. أما في أثناء مشهد العراك، فتتلاحق التحولات أولا، يصير الجني أسدا، فتفرقه الأميرة بحسام إلى شقين. على أن رأس الأسد يصبح عقربا ضخما.
فتتحول الأميرة إلى ثعبان يدخل في عراك جلف مع العقرب، الذي لم يحالفه التغلب فينقلب إلى صورة نسر يطير، لكن الثعبان يتقمص شكل نسر أقوى ويتبعه."
وفي رأينا ثمة مجموعة من الإمكانيات والتحويلات العجائبية الكائنة والممكنة والمحتملة المستخلصة من القصة والرواية والفنون الإبداعية الجميلة الأخرى عبر استحضار المكونات التالية في تحديد الاحتمالات:1- الجن2- الإنسان3- الحيوان4- الأشياء.
ويتم خلط هذه المكونات مع بعضها البعض لاستخلاص مجموعة من التحولات المحتملة:
عدد الاحتمالات أنواع التحولات المحتملة الأمثلة المحتملة
1 كائنات بشرية تتحول إلى كائنات جنية تحول المرأة إلى جنية
2 كائنات بشرية تتحول إلى كائنات حيوانية تحول الإنسان إلى قرد ممسوخ
3 كائنات بشرية تتحول إلى أشياء وجمادات تحول الإنسان إلى صخرة أو حجارة
4 كائنات بشرية تتحول إلى كائنات بشرية أخرى تحول البطل إلى سوبرمان مثلا
5 كائنات جنية تتحول إلى كائنات بشرية تحول الجني إلى عجوز
6 كائنات جنية تتحول إلى كائنات حيوانية تحول الجني إلى ثعبان
7 كائنات جنية تتحول إلى كائنات جنية أخرى تحول الجني إلى عفريت
8 كائنات جنية تتحول إلى أشياء وجمادات تحول الجني إلى ريح أو صخر
9 أشياء وجمادات تتحول إلى كائنات بشرية تحول الصخرة إلى إنسان
10 أشياء وجمادات تتحول إلى كائنات جنية تحول الريح إلى عفريت أو جن
11 أشياء وجمادات تتحول إلى أشياء وجمادات أخرى تحول الشجرة إلى بساط الريح
12 اشياء وجمادات تتحول إلى كائنات حيوانية تحول الجن إلى ثعبان
ويلاحظ أن التحول في الوظائف يقترن بتحول في الفواعل أو الكائنات فوق الطبيعية مثل " الجني والأميرة الساحرة، وقدرتهما على التحكم بالقدر البشري، فكل منهما يستطيع أن يحول ويتحول، أن يطير أو أن يحلق بالكائنات أو الأشياء في الفضاء، الخ، فنحن هاهنا- يقول تودوروف- بإزاء أحد ثوابت الأدب العجائبي: وجود الكائنات فوق الطبيعية الأقوى من الجنس البشري. ومع ذلك، فملاحظة هذه النقطة لاتكفي، لكن ينبغي التساؤل عن دلالتها كذلك. بديهي أن يقال: إن هذه الكائنات ترمز إلى حلم بالقوة، غير أن هناك أكثر من ذلك".
ويصيب التحول مقولات الموضوع والفضاء والسببية والزمن ليخلق لعبة الحلم والواقع والروح والمادة. كما ينبني التحول على تشويه الفواعل والكائنات ومسخ أفعالها لبلورة عالم كابوسي مصنوع بإسمنت الغرابة ورمال التعجيب وأجواء التخريف وضباب الخوف ورعب المناظر والمشاهد غير المتخيلة" ويحتل الفانطاستيك وسطا بين الشك واليقين، وقتا يلعب فيه التردد دورا أساسيا سببه غرابة الأحداث في النص الإبداعي، لذلك اعتبرت هذه العناصر الغريبة شرطا لازما في الفانتاستيك لايمكن أن يوجد ويتحقق بدونها".
ومن شروطه كذلك انتقال الشخصيات بين عالمين: عالم فيزيائي بفضاءاته المكانية الحسية والجغرافية، وعالم عجائبي خيالي بفضاءاته غير المحددة بمقاييس الهندسة والعقل الممنطق للمكان، أي إنه فضاء مجازي يتخطى الطبيعة إلى أجواء ميتافيزيقية لايمكن تصورها أو تحيينها بقواعد المرئي والإدراك البصري.
4- وظائف الإبداع الفانطاستيكي:
ومن وظائف العجائبي أنه أداة فنية لنقل الواقع المرئي بطريقة لامعقولة ومشوهة تأكيدا على الواقع المرعب والغريب ونثريته الفظة ومرارته التراجيدية وغرابته كماهو مألوف وإنساني. ومن ثم، فهذا الواقع المأساوي لايستحق أن يعاش بهذه البشاعة اللا أخلاقية وحتى التصرفات الصادرة من الإنسان بطريقة غير شرعية وغير مقبولة إنسانيا. ولا ننسى أن للعجائبي وظائف أخرى كالوظيفة الاجتماعية التي تتمثل في التمرد عن قوانين الواقع وغرابة شرائعه والتنديد بلاعقلانية الموضوع المادي وعدم منطقيته، والوظيفة النفسية التي تبرز في التعبير الموضوعي في التعبير عن الرغبات خاصة الجنسية ووصفها بطريقة مباشرة تحت قناع التعجيب أو الترغيب. وقد أثرى الأدب العجائبي التحليل النفسي بكثير من التصورات حول الأنا في علاقتها مع الموضوع مرورا بدراسة الشعور واللاشعور. يقول فرويد ساخرا" كان العصر الوسيط مع كثير من المنطق، وبصورة صحيحة تقريبا سيكولوجيا، قد نسب إلى تأثير العفاريت جميع هذه التجليات المرضانية، ولن أندهش أنا بدوري، عندما أدرك أن التحليل النفسي الذي يهتم بكشف هذه القوى السرية، لم يكن هو نفسه، من هنا مخيفا بغرابة في نظر كثير من الناس."
ويحدد تودوروف للعجائببي ثلاث وظائف أساسية هي:
" وظيفة تداولية إذ إن فوق الطبيعي بثير ويرعب ، أو على الأقل يعلق القارئ بقلق ، ووظيفة دلالية حيث يشكل فوق الطبيعي تجليه الخاص، إنها إشارة تعيين آلي. وأخيرا، وظيفة تركيبية إذ يدخل كما قلنا في المحكي." كما يخدم العجائبي" السرد وينمي التماطل ويحدث التوتر. لذلك فهو يساعد- بفضل العناصر الغريبة -على تنظيم الحبكة وتطويرها، علاوة على وظيفة الخوف أو الدهشة، أو ببساطة الفضول أو غير ذلك من المشاعر التي قد لاتثيرها في ذات القارىء أجناس أدبية أخرى. كما أنه يقوم بوظيفة تكرارية وخيالية لأنه يساهم في تصوير عالم غريب ليس له في الحقيقة وجود واقعي خارج اللغة. وعن طريق العجائب، يصبح التصوير والمصور من طبيعة واحدة و ليس من طبيعة مختلفة. وتسخر النصوص الغريبة لأغراض فنية ترتبط بالمضمون الفكري من جهة، وتؤكد علاقة القصص الوثيقة بواقعها من جهة ثانية. وما يجعل منها نصوصا واقعية، على الرغم من توسلها بأدوات فنية تبدو غير واقعية."
لكن من الأسباب التي تدفع المبدعين إلى استخدام الخطاب العجائبي في نصوصهم التأليفية، كما يلاحظ يتر ﯧنزولدPETER PENZOLD " أن الخارق عند الكثير من الكتاب يشكل وسيلة لوصف الأشياء التي لايمكن له أن يتناولها بشكل واقعي؛ لأن الخارق يسمح بتجاوز الحدود المغلقة واختراق المحرم أو الطابو الاجتماعي والرقابة الذاتية، فيصبح العجائبي وسيلة لخوض الصراع ضد الرقابة بمختلف أشكالها سوا أكانت ذاتية أم اجتماعية. ولكن هذا لايعني مطلقا كما ذكرنا سابقا، تحويل الكتابة إلى وسيلة إفراغية، ولكن الأم


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك