هل ثمة من حياة روحية في فرنسا
حسين عجة
جان كلود ملينر
ترجمة: حسين عجة
إلى محمد صبيح حسن
كتب هذا النص في تشرين ثاني (نوفمبر) من عام 2001، إستجابة لما صار يعرف فيما بعد بـ "إليسداسيون"، وهي نشرة دورية تحت إشراف "جاك الآن ميلر". وقد ظهر في العدد الثاني من تلك الدورية التي تم توزيعها في نهاية شهر نيسان (أبريل) من عام 2002. كنا حينذاك نعيش في ما بعد إنتخابات الدور الثاني؛ ولقد منح ذلك الظرف لهذا النص معناً أكثر وضوحاً. "حقائق زمنية"، أو مفعول إرتجاعي، ما بين الحكمة القديمة والمعرفة العصرية، على كل واحد التقرير بنفسه. تم إختيار العنوان من قبل الدورية تلك. لكنني أعيد نشره مثلما هو عليه طواعية. فما عدى تصحيح طفيف، يحتفظ النص بنسخته الأولى. (ج.ك.م)
أن تكون هناك حياة روحية في فرنسا, سيما في باريس، ذلك ما يبدو دائماً وكأنه معطى طبيعي. كعروض الأزياء والمطبخ. الطبيعة التي نقصدها هنا نتاج للتاريخ؛ لكن، وعلى أية حال, ما نريد إسماعه أنه لا حاجة تدفع المرء على القلق من هذه الناحية؛ إذ لا شيء يمكنه أن يتغلب على تقاليد متجذرة بعمق. فلا الإخطاء السياسية، ولا إبتذال الأفراد والمؤسسات المضعضعة، عليه إقلاقنا.
من ناحيتي، قد تكون قناعتي على العكس من ذلك تماماً. فأنا لا أعرف في الحقيقة ما الذي تعنيه الحياة الروحية، لكن إذا ما قبلت بإستخدامها الدارج لكي أفهم التعبير، فسأقول طواعية ليس هناك من حياة روحية في فرنسا إلا إستثنائياً، وبأن الإستثناءات هي دائماً حصيلة لإرادة، تعززها مجموعة من الظروف.
بتعبير آخر، لا تتمتع المعرفة ولا البحث، من وجهة نظري، بموقع طبيعي في المجتمع الفرنسي. بل ويمكنني القول أيضاً بأننا نستطيع ملاحظة ذلك بوضوح في هذه اللحظة بالذات. الدليل الساطع على ما أقول : الأعتقاد الذي لا يكل عن التأكيد بأنه ليس بألإمكان الإعتراف بمعرفة عملية إلا إذا ألحقت بكاملها في خدمة إجتماعية معينة. أما فيما يتعلق بالآداب، فليس هناك سوى خدمتين : الخدمة الإجتماعية التي نطلق عليها إسم التربية، أو الخدمة الأخرى التي نسميها الثقافة. أي جعل الأطفال عقلاء كالبالغين، وترك البالغين في طفولتهم لكي يتمتعوا بالثرثرة. وإذا لم يتحقق أحد هذين الشرطين، فالفرد الذي يكرس نفسه للبحث يغامر، وتحت أي شكل كان – إنسكلوبيدي، حكائي، إخراج، الخ..- بتلقي اللوم الصامت اللامبالي، ومن ثم السخرية. فعليه يتوقف أمر حماية نفسه. البعض إختار العزلة، والبعض الآخر إكتفى بتشكيل حلاقات أصدقاء، وغيرهم بإقامة مؤسسات؛ إذ يجب على المرء أما الصمت في حياته الخاصة والعامة، أو أنه يصمت في العامة، ويتكلم، في حياته الخاصة، بمفردات مغطاة، ملتبسة، وبأسلوب عصي على الفهم, أي بوضوح خادع، فنحن نعرف، عند الضرورة، بأن كل واحد يقوم بما يقدر عليه.
يكتشف المراقب هنا إرثاً بعيداً ومتواصلاً لحركة مناهضة-الإصلاح، إستخدمته البلدان المتحدرة عن الإصلاح، منذ زمن طويل، وبشكل ملحوظ في المانيا، بطريقة مغايرة تماماً. تفضيل الثانويات على الجامعات، علم الآداب على الفلولوجيا، البلاغة على قواعد اللغة، الزخرفة على الدقة والسداد، خدمة الأساتذة بالوقت المحدد على الخدمة الإنفرادية المخالفة، ذلك ما كان عليه إلاختيار الواعي للجزوتيين (أعضاء الجمعية اليسيوعية). كما كان لذلك التقليد
نسخته الراقية ونسختة المنحطة. النسخة المنحطة غالباً ما تغلبت على النسخة الأخرى في مجرى تاريخ فرنسا. فالروح الجميلة، الفطنة، إناقة السلوك والكلام، وغيرها من الكلمات المعسلة غالباً ما غطت على قذارات الجهل والحماقة.
سيلاحظ المراقب كذلك بأن خيط التقاليد الملتبسة تلك لم يتواصل. فقد كانت هناك إنقطاعات، مراحل تلقى فيها المجتمع الفرنسي، ولكن بشحة دائماً لقول الحقيقة، الممارسة الحرة لفكر لا يتعارض فيه الوضوح مع فكرة التكوين المهني، بل يكملان بعضهما، لكن في كل مرة حدث بها ذلك، كان لا بد من وجود سبب تاريخ، يفسر ذلك الإستثناء.
لا حاجة بنا للذهاب بعيداً. لنبقى في الجمهورية الثالثة. فهي قريبة زمنياً منا، لكي نتمكن من ملاحظة بأن حساب التغيرات الباكوني (نسبة إلى فرنسيس باكون) ما زال واضحاً في ممارساتها.
لنذكر ببعض المعطيات : فالجمهورية الثالثة، بتناولها لإرث يعود للدولة النابليونية، لكن بتحويلها له لما هو نقيضه، كانت قد فبركت ما بقينا نسميه حتى 68 إسم الجامعة، مع لام التعريف المفرد. أي مؤسسة شاذة، مقطونة دائماً بالإشباح القديمة لمناهضة-الإصلاح وجزويتية الخضوع. بيد أنها تستطيع كذلك دائماً القيام بمفاجئتنا، وذلك بكفها عن الهجوم المنظم ضد حرية العلماء. أما في أيامنا، فلم يعد حتى إسمها مفهوماً. فهو بدلاً من أن يعين، كما تقوم به الجامعات اليوم، مكاناً لإستقبال الطلاب لوحدهم، كان ذلك الإسم يشير، في آن معاً، على تركيب أكثر سعة وأكثر ضيقاً. إذ لم تكن تعتمد عليه دروس الكليات لوحدها، بل الثانويات أيضاً. وهذا ما زالت آثاره واضحة في صفوف لتمهيديات المذمومة تماماً. كذلك ما زال "ري دي ولم" (حيث كلية الدراسات العليا) يقدم نمودجاً مختصراً له، إذ من المفترض به القيام وبنفس الإساليب (الترجمات والمواضيع) بتخريج أساتذة الثانويات والكليات، رجال الدولة والأفراد المعزولين. كما لم يستعمل أي بلد أوروبي غير فرنسا أسم جامعة، بالمفرد وألف لام التعريف. ولم تلعب المؤسسة، المسماة هكذا، في أي مكان آخر، بدور يمكن مقارنته بالدور الذي تقوم به في فرنسا : فعن طريق تحريف المعرفة والبحث يجري بناء الآليات السياسية؛ ومن ثم إقامة ملجأ عام للمعرفة والدراسة.
لكن لماذا تمَ تقديم ذلك الملجأ وبالتالي السير ضد المجتمع بكامله؟ ببساطة لأن الظروف كانت تتطلبه. فالأمر الملح يمكن تلخيصه على النحو الآتي : إقامة نظام جمهوري في بلد لم يكن يرغب بذلك. لقد حدد الحزب البلشفي في عام 1920 شكل الدولة التي أقامها بـ : "دولة عمالية ذو أغلبية فلاحية". ولن يكون من المبالغة إذا ما عرفنا الجمهورية الثالثة بما يلي : "دولة جمهورية في بلد ذو غالبية ضد-جمهورية". ففي الواقع، لا يستطيع المرء قياس إلى أي حد كان فيه ذلك النظام، في مرحلته التدشينية، أي من 1875-1914 قد بدى مستبعداً. فنحن نعرف ما الذي جعله ممكناً : تقسيم الوجهاء، ما بين شرعانين، إورلينيين وبونوبارتين. وهي أسباب سلبية تماماً، كان من الضروري وبأي ثمن إستبدالها, تدريجياً، بأسباب إيجابية، وذلك بمنح هؤلاء وولئك أعذاراً يكونوا بموجبها جميعهم جمهوريين. تلك الستراتيجية كانت واضحة من حيث المبدأ: ما دامت المقدمات ضد-جمهورية، كان لا بد للخيار الجمهوري من الظهور وكأنه إستنتاجاً منطقياً، ربما كان طويلاً ومتعرجاً.
يمكن تصريف تلك الضرورة العامة وفقاً لضرورتين ماديتين أكثر تخصصاً : قبل أي شيء آخر، مسألة الخبراء.
كان على هذا النظام الذي ولد من الهزيمة، المرفوض من الطبقات المالكة، المحتقر من قبل العلماء والفنانون، والمشهر به من قبل الكنيسة، أن يفبرك لنفسه كيفما أتفق مجموعة كافية بالعد والعديد من الخبراء الذين اتاحوا له الحكم وفقاً لبرنامج طموح. غير أن إقامة الحريات العامة في بلد ذو تقاليد كاثوليكية رومانية وقانون بونابارتي، ومن ثم ضمان الحد الأدنى من الأستقلال الصناعي، وسط خليط من الفلاحين، وأصحاب الدخل وموثقو العقود، لم يتحقق أبداً. فالنظام الجديد لم يستطع الإعتماد على الجمهوريين المنحدريين من 1848، إذ يكفي قراءة الأخوة "غونكور" للتحقق من تفاهة اولئك الناس، المطبوخين بالضغائن والإخفاقات. ولم يكن بمستطاعه الإعتماد على النظام القديم، المعجون تماماً بالجزويتية. كان يجب عليه، إذن، الإبتعاد عن نموذج مناهضة-الإصلاح، لكي يستعير ثانية من المانيا البروتستانتية واليهودية البعض من أشكالها : إستقلالية وحرية المعارف والبحوث، إختيار الدقة والسداد على حساب عطر البلاغة، خص المفهوم بالعمومية، وليس بما هو مبتذل.
فمن يفهم اليوم بأن إبدال الموضوع اللاتيني بالخطاب اللاتيني كان خياراً موجهاً ضد التقاليد الجزويتية؟ وبأن إولانية المقالة تشهد تفوقاً للإستدلال الصائب على التعبير المزخرف؟ وكذلك على التكرار الجامد للوثيقة المحفوظة في الذاكرة؟ والرجوع الحصري لـ "سيسرون"، ضمن قواعد "ريمان"، قد جلب رهاناً مصدره الإنسانيين الفلورنتين : سحب اللاتينية من تراتيل المزامير في الكنيسة؟ أن سخرية الأزمنة المتعاقبة تجعل من تلك الممارسات التي كانت في حينها أسلحة للتجديد، ممارسات بالية اليوم.
فالأمر لا يتعلق بتكوين خبراء مستقلين عن الطبقات القديمة فقط. فثمة من مرمى سياسي آخر قد تم الشروع به؛ وهو مثقل بالعواقب. إذ لم يكن المالكون يقدمون لذلك النظام سوى دعماً هشاً، ومن ثم كان على الجمهورية تشكيل برجوازية جديدة. ("طبقة إجتماعية جديدة"، كما يقول "غامبيتا"). برجوازية أجيرة وليست مالكة، ترتبط بالدولة وليس بالملكية الفردية. لكن لكي يتحقق ذلك، لم يكن من الضروري، ولا يكفي حتى وجود إرث معين؛ بالمقابل، لا بد من وجود معرفة شخصية، موثقة بلقب خاص، وقد يتحتم عليها، في بعض الحالات، الحصول على موافقة من الضريبة العامة. وبهذا، تكون الجمهورية الثالثة قد إمتصت ثلاث مشاكل في آن معاً : من ناحية، تمكنت من الحصول على خبراء ضروريين لكي تحكم؛ من ناحية ثانية، خلقت نواة للطبقات الوسطى المستقبلية؛ وفي النهاية، أبتدعت نموذجاً تحت- برجوازي، لم يكن معروفاً من قبل في البلدان الكاثوليكية، وكان وجوده، في مجرى القرن التاسع عشر، وراء تفوق البلدان البروتستانتية : طبقة من العلماء غير العزاب. فالإستاذ، سيما من خريجي دار المعلمين العليا، هو الرديف العلماني واللاادري الطوعي للقس الإلماني أو القسيس البروتستاني. فهو مثلهما، عالم؛ ومثلهما، لأنه يتمتع بجزء من الثقافات القديمة (ما عدا الإنجيل)؛ ومثلهما يبني عائلة، ومثلهما أيضاً يستطيع أن يكتشف، من بين أبنائه، من يواصل مسيرته. فلا شيء أقل، ولكن لا شيء أكثر من ذلك مطلوباً لقيام طبقة إجتماعية خاصة. وبهذا، تمكنت فرنسا، في النهاية، الإقتراب من النموذج الذي كانت تعترف به المجتمعات المتمدنة : انكلترا، و بصورة أكثر سريةً روسيا أيضاً، المحسودة والمشنع بها في ذات الوقت.
بطبيعة الحال، كان لا بد من دفع الثمن: إبعاد الكاثوليكين، عزل النساء، اللواتي كان القس يمسك بهن بقوة، وكذلك الفصل ما بين الوجهاء، الذي بقي قسم كبير منهم خصماً لدوداً للقسم الآخر، وبصورة خاصة عدو للنظام. وبإختصار، نظام سياسي لإقلية، لم يكن يعكس المجتمع في أي شيء.
جراء ذلك تلقى القوميون ضربةً مؤلمة. فنطام سياسي أقلاني وطبقة حاكمة منقسمة على نفسها، لا يمكنهما جدياً تغذية طموحات الهيمنة الخارجية؛ فكما كان "موراس" قد تنبأ بالأمر، ستكون فرنسا من الآن فصاعداً قوة متوسطة، بمقدورها إستعمار قبائل متخلفة (أي غير بيضاء, ولا مسيحية)، لكنها عاجزة من التأثير القوي على الأمم البيضاء، والمسيحية. ومع ذلك، فالإسوء، حسب أفضل العقول، لا يكمن في تلك النقطة. أنه يتلخص بتلك الحكاية التي ساقها سارتر في كتابه "تأملات حول المسألة اليهودية" : كان أحد زملائه في الإعدادية قد شكى له قائلاً : "لقد نجح يهودي بشهادة الإستاذية، فيما رسبت أنا، وسوف لن تجعلني أصدق بأن هذا الشخص، الذي قدم والده من "كراكوفي" أو "لمبرج"، يفهم أفضل مني بشعر "رونسار" أو قصيدة ريفية لفرجيل". وفي الواقع، هناك تضحية ثقيلة بتسليم أطفال فرنسيين أصليين بأيادي أبناء ولدوا عن آباء يهود حدادين، أو عمال بناء إيطاليين. فمادامت الجمهورية تعتبر نفسها لاطبيعية، أقلية، ومتميزة تماماً عن المجتمع، كانت تحكم على تلك التضحية بأنها نافعةً، بل وحتى ضرورية، لكننا ندرك بأن ذلك الإرغام قد بدى ثقيلاً، وتم التخلص منه، بأول فرصة سانحة. في الحقيقة، كان ذلك الإلتزام حلقة النظام الضعيفة. لذا سرعان ما تم نسفه، ما أن تغيرت الظروف. فالإنعطفات المرهفة الموروثة عن القرن التاسع عشر ظهرت سطحية، إن لم تكن مؤذيةً.
لم يكن يعرف أفراد البحث – علماء، فنانون، كتاب - عن هذه التركيبات الشيء الكثير. حتى وأن كان "رينان" في عام 1878 قد حذرهم, بصرخته : "يعيش كاليبان". لنفهم : يرتبط أفراد البحث بالجمهورية بالقدر الذي تحضهم به برعايتها أكثر مما يحضهم به الإرستقراطين، الملوكيات والكنائس. وذلك ما حصل بالواقع، فأفراد البحث لم يجدوا أنفسهم بوضع سيء. فهم يتمتعون، على الأقل، وفي صدر جهاز الدولة، بمكان يخولهم التنفس بحرية. لزمن محدد (قرن تقريباً)، فقد تحرروا من إختيار مخيف : على المرء أن يلد غنياً، وإلا فعليه أن يقبل بذلك الشكل من العبودية الوحشية والتي هي رعاية الآداب عن قرب – سوى كان ذلك القرب سياسياً أو جغرافياً-. أو، في النهاية، التصميم على الموت جوعاً.
من ناحية ثانية، كانت جمهورية الآداب قد أدركت ذلك بصورة غامضة. وبالتالي, فقد نظمت نفسها. سيكون من المفيد تحليل بنية مجلة "ن ر ف" (المجلة الفرنسية الجديدة) بإعتبارها إعادة تماثلية لإصلاح الجامعة. فمن وجهة النظر المثالية، فرض ما هو جدي، دقيق وسديد.. فبياض أغلفة تلك المجلة يشكل النقيض المباشر للسواد الجامعي. أما من وجهة نظر البنى، فقد تم إحلال حكم أعضاء المجلس (على غرار محلفي الطروحة) محل قرار ذلك الهواي، سواء كان منوراً أو لا، أي الناشر. حتى وأن كان ثمن ذلك هو رفض نشر بروست، من أجل الحفاظ على الجدية، تماماً مثلما كانت الجامعة تعرف كيف، عند الضرورة، الإحتفاظ لنفسها بالمواهب النادرة. يمكننا العثور على وضع مقارب لتلك المماثلة في طبعة ما بعد عام 45 ؛ في بياض المجلة الفرنسية الجديدة، أو في البياضات التي تبعته، التي صدرت عن "إيرياج" أو "المقاومة".
لقد تم إذن، شيئاً فشيئاً، خلق نظام واحات في الصحراء الفرنسية، واحات ممزقة بعض الشيء، لكنها تسمح على الأقل لأفراد البحث الإفلات من البؤس والعبودية. ولذلك، كان هناك كتاب وفنانون، ولكن أيضاً، وهذا ما لا يستهان به، أناس من أجل قراءتهم والإعجاب بهم.
يلاحظ المرء بأنه لم يبق من تلك الواحات أي شيء تقريباً في اللحظة التي أكتب بها، اللهم إلا مساحات فارغة أو سجناء أبديين غير معلن عنهم. لنقل ذلك بصراحة أكبر : لا يوجد في فرنسا حتى ولا ظل للحياة الروحية. والتفسير المباشر لهذا بسيط : الجهاز الذي تم إبداعه في نهاية القرن التاسع عشر لم يصمد أمام فوضى القرن العشرين ولم يستبدل.
الواقعة الأولى : بعد كارثة "فيشي"، أصبح الشكل الجمهوري للحكم تطبيعياً. فسواء كان الفرنسيون يتعرفون على أنفسهم في نظام كهذا أو لا، يقرون بأنه ليس هناك من بديل واقعي عنه. فهذا الإعتقاد من الثبات والرسوخ العميقين إلى حد لا يرى فيه المرء ضير في الحديث عن أوروبا فيدرالية، فيما تشكل الملوكيات فيها ألإغلبية. في السابق كان يتحتم على كل واحد إختيار نفسه جمهورياً، إنطلاقاً من مقدمات مباشرة ضد-جمهورية، أي تلك التي كان يحتفظ بها من أصوله المحلية (الأجداد الفلاحون الشهيرون، العزيزون على المخيلة الفرنسية)، وتلك التي يحتفظ بها من نشاطاته الثقافية (القس، الإطلاقي والجاهل طواعية)؛ وأيضاً تلك التي يحتفظ بها من الثقافة نفسها (التاج والمنبر). لقد أختفى كل ذلك اليوم. فالجمهورية لم تعد بحاجة أن يقبلها أحد بحكم إستنتاجه المنطقي، لأنها غدت معطاً منطقياً غير قابل للنقاش، وأفقاً لا يمكن تجاوزه. في الماضي، كان على المرء التفكير قبل أن يكون جمهورياً، أما اليوم، فنحن جمهوريون بلا تفكير. أكثر من ذلك حتى، من الأفضل للمرء أن لا يفكر حتى يكون جمهورياً حقاً؛ وذلك ما يعبر عنه بالقول أن قلب المرء في اليسار ورأسه في الكيس.
الواقعة الثانية : كان الوجهاء منقسمين على أنفسهم بحكم التاريخ. فبعد القطع الهائل لعام 1940، كان قطع الحرب الجزائرية قد منع قيام إتحادهم الكامل. بعد ذلك، جاء خوف 1968 الضخم. ومن ثم غدت المصالحة ملحة. وذلك ما كان يهدف إليه برنامج "جيسكار ديستان". تريد فرنسا أن يحكمها المركز. لنفهم : أنها ترغب في أن تحكم بصيغة لا تجعل الوجهاء ينقسمون على بعضهم.
كان البرنامج الديستاني، المتعثر بسبب من غبائه ولاثقافة المبشرين به قد وضعَ، وذلك ما نعرفه، موضع التطبيق ولكن مع تعقيدات تفوق التصور من قبل الميترانية (نسبة لرئيس الجمهورية السابق ميتران). كان فرنسوا ميتران يعرف، عبر تاريخه الشخصي، بأنه كان بمقدوره، بل من واجبه أن يضع حداً لذلك القطع الموروث عن عام 40 (يمكن لليسار الفرنسي ويجب عليه أيضاً التصالح مع "بوسكيه")؛ كذلك كان ميتران يعرف بأنه يستطيع ويجب عليه وضع حداً للقطع الذي أحدثته الحرب الجزائرية (بمقدور اليسار الفرنسي وهو مطالب أيضاً بالتصالح مع جنرالات الإنقلاب). من فوق هوة تلك المصالحات، لم يبق شيئاً من الجمهورية الثالثة صالحاً للأستعمال؛ فكل ما كان موجوداً عليه الإختفاء.
ذلك لأن واقعة ثالثة قد حصلت : لقد تغيرت نظرية المؤسساتية كذلك. أما في الوقت الحاضر، فالإقرار يتركز على المسلمة السياسية الآتية : كل جهاز حكومي يمكنه ويجب عليه عكس المجتمع. وإلا، فأنه لاشرعاني أولاً (منذورإذن ويجب عليه الإختفاء)، ثانياً، سلطوياً (ما دام المجتمع لا يتعرف على نفسه فيه)، وثالثاً، ضعيف أقتصادياً (منذور إذن بحكم الواقع على الإختفاء).
يبدو أن أسم علاقة الإنعكاس ذاك قد تحقق بكامله؛ الديمقراطية. من الواضح أن أجهزة الحكم قد تم فهمها كلاسيكياً بإعتبارها أنظمة و، في الأزمنة الحديثة، كأنظمة مثبتة في شكل الدولة؛ فالديمقراطية هي في الواقع شكل الدولة الذي يبدو أكثر إستعداداً بطبيعته لتلقي أية علاقة مرآوية (من المرآة)؛ ألم يقم على الهوية الواحدة والتعبير المشترك ما بين الحكام والمحكومين؟ يبدو أن إرسطو، عبر قراءة "كارل شميت" له، يسمح بإستنتاج كهذا.
لكن يكفي للمرء، بطبيعة الحال، بضعة ثواني حتى يصبح فريسة للشك بذلك. فأين يرى المرء ذلك المجتمع –اللاكلي- وجهاز الحكم –الناتج الكلي- مكرسين للتعبير المشترك؟ وأين يرى بأن الهوية الواحدة بين الحاكمين والمحكومين، والتي هي شكل حكومة من بين حكومات أخرى، ملزمة بالضرورة على تحويل نفسها كهوية ما بين كتلة الحاكمين-المحكومين (الكلية) والجماهير الإجتماعية (اللاكلية)؟ لكننا لا نمتلك الوقت الكافي هنا لنتناول من جديد وبعمق سؤلاً مهماً كهذا. لنبقى عند بديهيات الرأي العام.
لم تكن الجمهورية تعكس المجتمع. فقد وجه لها العديد من التقريع؛ من اليمين، في الماضي، ومن اليسار، اليوم. أما في الوقت الحاضر، فأنها تعكسه ويمكن ملاحظة النتيجة : إحتفاء كل حياة روحية.
تفرض البرهنة نفسها علينا : حيثما يسيطر المجتمع الفرنسي، ينطفىء كل فكر، تصمت كل لغة، وتنسد كل أذن. وحتى لا بحصل أمراً كهذا،لا بد من تحويل المجتمع. لكنه لم يتحول، وسيكون تحوله أقل فأقل، إذا ما فهم المرء ما .European way of Life . يعنيه الظهور الأوروبي :
أما فيما يتعلق بالجامعة، فالسيرورة قد بدأت منذ عام 1969، لتبلغ ذروتها في عام 1981. من بين أفراد البحث والمعرفة، الأفضل منهم يضرب أخماس بإسداس. فهم لم يدركوا بأن ذلك كان بثمابة الإشارة الأكثر وضوحاً لمشروع واسع للغاية يستهدفهم، الجيد والسيء بينهم، الصغير والكبير. فالحكم باللامنفعة يشمل كل ما لا يكتفي بعكس المجتمعي لوحده، أي في المقام الأول المعارف. "لتخدمونا" يقول الوجهاء في اللحظة الأولى، وعلينا الإقرار بأن طلبهم قد لقى إجابة سريعة بالقبول أكثر منها بالرفض. وأكثر تلك الإجابات المتسارعة تقنعت طواعية بالتصريحات المعارضة؛ فهذا الشكل الغريب من التملق قد ولد، بصورة خاصة، في عام 1981 : أن ينسب المرء لنفسه قول كلا للمعلم التقدمي، ويقول له ذلك بصوت عال تجعل المعلم يمنع نفسه عن قوله، لكنه يود لو قاله واحد آخر غيره، فتلك الطريقة تضمن له شرعييته التقدمية.
بعد لحظة طلب الخدمة الأولى، تأتي لحظة ثانية : "لتكفوا عن إستملاكنا عبر العديد من براهين المعرفة المتطرفة أو الذكاء المزعج"، يضيف الوجهاء. إذ لا يكفي تقديم الخدمة، بل ينبغي على المرء أن يكون وضيعاً. وبالفعل، كان هناك العديد من الخطباء من جعل نفسه منظراً لذلك الإذلال، من "الكلج دي فورنس" إلى "الجنرال". لهذا، فإن مثقف اليوم هو رعديد أمام الأقوياء، قاسي حيال الضعفاء، طموح من دون هدف، جاهل تحت بهرج الإدعاء، غير دقيق في أسلوبه المنفط، ولا سديد بأسلوبه التفصيلي. كليب صغير يرافق القافلة.
أما الأكثر نجاسةً من هذه الحيوانات الصغيرة فهو، من دون شك، الإستاذ الجامعي، بالطريقة التي أصبح عليها. لذلك، قأنا لا أقدم، بإستنادي على تجربة طويلة، لذلك الذي قد يجرآ بعد على


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك