قراءة لمجموعة جمال نوري القصصية الموسومة.. البئر
عدد مرات المشاهدة :1874 - 18/ 5/ 2008
هيثم بهنام بردى
صدرت للقاص جمال نوري قبل أعوام مجموعة قصصية جديدة بعنوان (البئر) وسنحاول قراءة كل قصة معتمدين على ذاكرة تحاول الدخول أو الغوص في غياهب هذه النصوص.
1. قصة الرائحة: تتحدث هذه القصة عن حمل سفاح من قبل رجل يتاجر (بالعتيق) فتاة صغيرة يغرر بها فتحمل ثم تحبس من قبل الرجل العجوز وزوجته (الأُب والأُم) في غرفة بانتظار الأبناء الثلاثة،وخوفاً من إنتشار الرائحة يستل العجوز خنجراً معلقاً على الحائط ثم يرقى السلم تحت وطأة التعب والعمر ثم.... تزول الرائحة الى الأبد،... تعتمد هذه القصة بنية سردية بلغة شفافة موحية مقتصدة تستشف أغوار النفس الإنسانية الآيلة الى الفناء ولكن التخلي عن القيم الموروثة يمهد القاص لنصه بتوطئة ذات حبكة مقنعة تجعل المتلقي يتابع بترقب حدثاً قد يبني في ذاكرته المدربة أبعاده ونتائجه..
2. قصة البئر: هذه قصة رشيقة صاغتها ذاكرة حريفة تتقن الصنعة جيداً فهي تندرج ضمن مفهوم (حكاية داخل حكاية) ففي البئر راوٍ يروي حكاية عن راوٍ آخر، ولكنه بحكم تقدم العمر ينسى تكملة بقية الحكاية فيذهب الى زمن أقدم منه ليسمع بقية الحكاية ليشرحها لزمن آخر جديد، وعندما يبدأ (الماضي/ الجدة) بتكملة الحكاية ينام (الحاضر/ الراوي) بينما يستمر الماضي بتكملة الحكاية رغم (الشخير المتعالي) الصادر من الحاضر الآيل للأنطفاء عبر زمن آخر أو بعد آخر لـ (المستقبل/ الأحفاد).. في هذه اللوحة القصصية التي نسجت بإبداع يتقاطع الزمن ويبقى المكان ثابتاً ابتنته جهتان، جهة الماضي القصي، (الحكاية وتفاصيلها القريبة من حكايات العجائز عن الأساطير الموروثة التي تتلاقى باستحياء مع بعض حكايات ألف ليلة وليلة)، وجهة الحاضر اللجوج الذي يريد كل شيء في لمحة واحدة، أي الى الزمن الذي يريد أو يبغي الوصول الى النتيجة على حساب السببية، تبقى اللغة في هذه القصة الجميلة سردية تعتمد الأساليب المعروفة في سرد كهذا من القص الذي كتبت فيه قصص عربية كثيرة وتمكنت من كتابة قصص جميلة قد تجد (البئر) مكاناً لائقاً بينها.
3. قصة نافذة بسعة الحلم: يبدو تأثر القاص في هذه القصة بتركيب المشهد القصصي وفق وحدات سيمنية مندغمة تكمل الواحدة التي تليها عبر أحداث متخيلة في ذاكرة القاص ويتخذ في هذه القصة الثيمة الرئيسية في تلاحق الأحداث (الكرسيان متعاكسان لا وجود لأكواب الشاي قصاصات مبعثرة في كل أنحاء الشرفة) ليكون المطاف على وفق ما شيده القاص (اتسعت مساحة الرؤية وامتدت أمام ناظري شرفات عديدة مؤثثة بكراس ومناضد وأصص زهور يانعة)..
4. قصة فنجان قهوة: امرأة ورجل وأحلام والأحلام (شيء جميل أن نحلم ولكن الأسوأ أن ندمن الحلم) هذا النص عبارة عن هذيانات رجل وامرأة في مكان معزول من العالم وهو استكناه متبادل لدخيلة كليهما، فالمرأة تحاول أن تكشف أغوار الرجل الموصدة، والرجل الصامت الحائر الذي يحاول تجاوز علامة الاستفهام الماثلة أمامه عبر (حصانين نافقين تحت أقدام الخيول الهزيلة المتطلعة تحت أقدام السراب) في هذه القصة يستخدم جمال لغة برقية سريعة عبر حوار داخلي/ خارجي بين شخصيتين غائمتين قد تكون أحداهما قرينة الأُخرى.. ومما يُزيد جو القصة غرابة وجمالاً تلك المزاوجة المدهشة بين وحشة وغموض جوف المكتب/ الفنجان وبين ذلك السراب الذي يستوطن عمق اللوحة في الجدار أو ربما عمق الروح المعلقة في حنايا الشخصية القصصية وهذه صيغة أو مزاوجة جميلة نجح فيها جمال نوري من كتابة قصة متقنة.
5. قصة طفولة أُخرى: هذه القصة هي إستذكارات يائسة لبعث وهج أو بصيص صغير من نار وسط رماد العمر ولكن (هل أستيقظ الطفل النائم في أعماقك) يقتنص القاص وحدات حياتية هاربة من أعطاف السنين عبر زمن محدد بين قوسين تتمحور تفاصيل رحلة مدرسية عبر إنثيالات الذكريات التي تحاول عبثاً ارتداء نبض الحياة عبر ممارسات طفولية عفوية ولكن هل عاش الأبطال (يوماً مختلفاً حقاً؟)..
6. نص مسلة العلب: هذا النص الذي كتبه جمال تحت وطأة جو الغرفة أو العلبة، وحشي في جماله وصدقه وهو نزيف ذائقة تحاول أن تصرخ وتقول: كل شيء في الحياة مذ (وجد الإنسان نفسه فجأة أمام الطبيعة بكل عذريتها أدرك أنه ينبغي أن يبحث عن مكان يختبئ فيه) ترتحل ذاكرة القاص عبر تضاريس المكان ليحاول الإجابة عن اللغز الذي بناه نصه أو اعتمدته أخيلته النازفة لهذا الهذيان الدافق الجميل المعبأ فيتناول مختلف الشرائح في كل زمان ومكان والتي صارت أسيرة الغرف أو العلب الصغيرة التي تتحكم بطبيعة وحقيقة التصرف البشري فـ (في الشارع أو في الأُفق علب ملونة تتحرك بلا هوادة وعلى جانبي الطريق غرف تغلي تمور بسورة غضب فاجعة تنوء بأثقالها وقاطنيها الذين أدمنوا النوم والغناء والبكاء والجوع وكتابة الشعر) إن هذا النص جماله في شفافيته وتلقائيته وصدقه في غربلة تضاعيف الذاكرة وهو من النصوص الجميلة التي كتبها هذا القاص المبدع..
7. قصة أحلام الظل: هذه القصة تعتمد على مفارقة يعمقها القاص في الشخصيتين في تدرج هارموني عبر صوتين (هو/ هي) ضمن حيز زمني قصير وحيز مكاني محدد لتتمازج النهاية عبر هواجس متناقضة (الترقب/ الفشل/ الخيبة/ اللا جدوى) وتلك الرائحة البديلة عن السراب والمتحققة بشذى الرائحة الفواحة المنتشرة على امتداد الطوابق الستة أو عبر وحدات النص.. إنها قصة عن الفراغ والفشل وعن أحلام لا تعيش إلاّ في الظل..
8. قصة صور: في هذه الصور يتقمص جمال نوري شخصية مصور يلتقط لحظات تغتسل في أديم موحش تحدده أزمان متعددة ويقصها ويبعثرها ثم يلصقها على طريقة (الكولاج) مثلما يفعل الفنانون التشكيليون أو على شكل لقطات مندغمة ومبتورة البؤر لكي يؤثث في النهاية مشهداً قصصياً- سينمياً تتهشم فيه مكونات الوحدات الثلاث ليقدم في هذا النص حدثاً فنطازياً يتشكل على وفق فتحة الفرجة تماماً مثلما يحصل في (صندوق الدنيا)..
9. قصتا المسدس والتصويب: هاتان القصتان من نمط أو مصطلح القصة القصيرة جداً والتي تتطلب نوعاً من الصياغة القصصية الصعبة التي تعتمد السرد المكثف والشخصية المكتملة واللقطة الوامضة والحبكة المشدودة وقد توفرت نسبياً في هذين النصين وهما محاولتان موفقتان تضافان الى تجربة القاص الدؤوب في مجال كتابة القصة القصيرة جداً..
إنَّ (البئر) هي إضافة نوعية لتجربة القاص جمال نوري عبر عقدين أو أكثر من الكتابة القصصية عبر مجموعته (الجدران/ مجموعة مشتركة) و (ظلال نائية) أملين أن نقرأ له المزيد المميز في المستقبل.
قيم هذا المقال
مواضيع أخرى لهيثم بهنام بردى
مكتبة أدب فن


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك