الاغتراب في شعر عباس مزهر السلامي
عامر عبد زيد
الاغتراب بوصفه مقولة فلسفية تعني تحول الإنسان من شخصية ابسط الى شخصية أغنى ، بمعنى ان العقل المطلق قد خلق الطبيعة والإنسان فطرح جزءا من نفسه وصار هو نفسه هذا الجزء، من خلال سيطرة العقل المتناهي الذي هو الإنسان – على الطبيعة- وليس ا لتاريخ إلا محاولة الانسان الدائبة لمعرفة الطبيعة والسيطرة عليها. ثم ان الإنسان في سعيه للسيطرة على الطبيعة انتج سلعا ومؤسسات واغترب عنها، وكأنه لم يكن مصدرها. وكل هذه الالوان من الغربة ليست الاّ اوجهًا متباينةً لابتعاد الانسان عن جوهره وطبيعته . الانسان المغترب ليس في الحقيقة انسانا لانه لايعرف نفسه ولم يع تاريخه وامكانياته (1)
اما الاغتراب بوصفه مقولة ادبيه شعرية معاصرة فهو موضوع قائم بنفسه بل هو من اهم موضوعاتها كما في ( حفار القبور) و(المومس العمياء) للسياب و(العازر) 1962 لخليل حاوي و(الصقر) لاودنيس و(الذي ياتي ولا ياتي ) للبياتي وغيرها.(2)
في حين كان موضوع الاغتراب في تراثنا العربي كان يقتصر على بعض الابيات في تلك القصائد عبر تضمينها مواقف اغترابية كالوقوف على الاطلال وهذه عبارة عن لمحات تحويها القصيدة تظهر في ابيات قليلة باستثناء بعض مقتطفات المعري في اللزوميات؛ ويمكن ان نرصد موضوعة الاغتراب هنا من خلال:
*ارتفاع نغمة الحزن في شعورنا نتيجة احباطات الانسان العربي.
*زيادة الوعي بفعل الاحتكاك بالاغياروالاطلاع على الفروقات بين مجتمعنا والمجتمعات الاخرى .(3)
فالاغتراب هو مغايرة الانسان لذاته بوصفها محل اهتمامه الاول . هذا الاغتراب الفلسفي والادبي كان وليد واقع الانسان الغربي في موقفه من الحداثة الرامية الى السيطرة على الطبيعة واخضاعها لرغبات الفرد وبالتالي ادخال الالة والعقل الاداتي في محور تمدن الفرد وتعامله مع الطبيعة مما ولد موقفا مغتربا ولعل هذا ولد الحركة الرومانسية التى طرحت تصور العودة الى الطبيعة ولعل هذاايضا قاد فيما بعد الى تغيرات كبيرة في الحركة الطبيعية في الفن والادب والمسرح فجاء الموقف الشعري وليد هذا الفضاء الذي نلمسه في قصائد اليوت وموقفه من المدينة فقد طرح تصورا أثًّر الى حد كبير في القصيدة العربية في نقد المدينة .
الا ان القصيدة العراقية في الثمانينيات والتسعينيات التي ولدت في فضاء موضوعة الحرب والعنف المصاحب لها كان الفرد يتلاشى امام قوة الدولة التي هشمت الفرد داخل مخيالها الدعائي مما ولد لديه اغتراب عن ادبيات الحرب والدمار ثم الاحتلال وكلها اشكاليات تركت اثرا عميقا في غربة الفرد داخل ذاته وداخل وطنه وحتى انها لتطارده في غربته حيث كان يعيش منفيا في الداخل والخارج .
هذا الاغتراب نجده عميقا في قصائد عباس مزهر السلامي اذ هناك اغتراب متجذر في علاقته بالمكان والاخرين خصوصا المراة التي ظهرت هنا في بعدين بعد سلبي مكروه تركت اثاره وهواماته اثرا مدويا في داخله مما انعكس في تمثلات الشاعر وصوره التي انعكست على منتجه وبقى اثرها يتسلل في نصوصه في داخل المكان او خارجه
كم حاولت
ان اكون غرابا
كي انقر راسك
راس الافعى
فعدت
ليبكيني شدوي/ ص93 /مجموعة / رماد الالق
وايضا نلمس ذلك التفاعل بين الوطن والمنفى بين الحب والحرب والضياع حيث نلمس تلك الصور التي تظهر فيها المراة في مخياله الشعري منعكسة في قصائده
فكنت طوال الوقت في ذاكرتي
تحلقين بي هناك خلف عالم كئيب
فيزهر الحلمْ . ص22 /نفسه
وهذا مانلمسه في ذلك البعد اللاشعوري الذي هو انعكاس لكل مايعيشه ومايحلم به الشاعر في صور حياته اليومية وهي تجربة تختزن داخلها نمطية الادراك والتفكير وعبر هذه الاستجابة يحدث نوع من الانزياح الجسدي فيرتحل من الجسد / الوجود الى الجسد المفهوم الامر الذي يكشف عن وجود (جسد شعري) ففي قصيدة حملت عنوان (اغتراب ) في ديوانه الاول ( دموع على بوابة الحلم) يقول :
قاسية كمواطن الغياب
فيها انا
مكبل بالشوق والحنين
وصورة تجتاحني
لذلك الاياب
ثم انه يقول في مقطع اخر يظهر فيه شوقه من منفاه :
فانني بدونك
كريشة تسبح في الهواء...
اريدك.
هذا الوطن الذي ينبع من الذاكرة في صور محبوبة حيث الطفولة التي تبزغ من الماضي عبر محاولة الشاعر ان يرجع ذكرياته في صور شعرية يثير الحنين الى الوطن والمكان الذي اصبح بعيدا يتمناه يشتهيه في قصيدته (وكان لي وطن ) فهذا العنوان يبين البعد النفسي الذي تتلاشى فيه صورة ذلك الوطن المحبوب وتتحول الى ماض بعيد مشبع بالجراح والدمار بفعل عبث الاخرين في صورته الجميلة في مخيلة الشاعر الذي يقول باسى:
قد كان لي
بيت واصدقاء
وصبية كنا معا
نمرح في الفناء
وكان لي وطن !!
فهذه الصور التي تنثال من مخيلة الشاعر تبين ضياع الوطن والذاكرة والانتماء له بعدما حوله الى مكان ماض يتذكره فقط عندما يؤرخ لذاكرته المتمناة المشتهاة لان الشاعر ايضا يعيش اغتراب مع الماضي لما فيه من منغصات حاول هنا ان يقصيها مركزا على المرغوب به فقط وهذا مايظهر في تلك الفجوات التي يتركها اللاثر دون تعليق! الا انه ينتقل الى الوطن وكيف ضاع فيقول:
اضعته في زحمة
اغترابي
وصبيتي
اجهل مامصيرهم
ويجهلون مابي
هذا الوطن الذي فقده نلمس فيه ذلك البعد الوجودي للشاعر فهو يتلمس فيه تلك العلاقات الانسانية التي تضفي على المكان جمالية ما عبر مانسج فيها من علاقات كان الانتماء له وللاطفال والعائلة التي داسها الغول ولم يخلف سوى الموت والضياع الذي بات يؤرق الشاعر مخلفا وجعا وضياعا نتلمسه في هذه الصور التي يحاول من خلالها استعادة هذه العائلة التي اضاعها هناك في الوطن ثم انه يحاول ان ينتقل ليرمم ذاكرته في فجوة اخرى التي تمثل علاقة اخرى مع المكان التي هي علاقة الاصدقاء فيقول:
والاصدقاء بعثروا
فمنهم التائه في مكانه
يبحث عن خبز وعن امانْ
وفيهم الباحث عن مكان !!
تجرفه الاحزان
هذه هي حال الوطن الذي مثله الشعر في لفظة اصدقاء وهي لفظة تدل على علاقة حب مع المكان وهي تجاوز البعد الفردي لتشمل البعد الوجودي في علاقة الشاعر مع الكل الاجتماعي الممزق في تلك السنين العجاف التي دفعته الى الاغتراب في المنافي يستعيد الماضي ويرمم فيه صورا مشروخة لاتبدو بعيدة لانها غائصة في اعماق الشاعر ويعيشها معاناة وجودية . هذا مانجده في النصوص التي امتلأت بالنداءات الغامضة
الموجهة صوب القراءة لتستعيد حياتها التي فارقتها بالفراغ من الكتابة والقراءة هي التي تحولها من وجودها بالقوة كممكنات الى وجود بالفعل تستطيع أن تمسك به وهذا مايمكن الامساك به عبر (الهيمنةالدرامية) التي تكمن في أكثر من جانب لمسناه في قصائده في ذلك الاغتراب عن الوطن وترميم الذاكرة، ونلمسها في موضوعات لها علاقة بالأغتراب.
الفلق/ التفرد : حيث يقدم لنا النص/ القصيدة تلك الصور التي تثير في القاريء التأثير الأنفعالي المصحوب بتلك اللذة الأنفعالية التي تجعل المتلقي يعيد تلك الحالات المعيوشة والتي يحولها النص الشعري الى صور قاسية تنغرس في وعي المتلقي فينشّد لها عبر الصور والاخيلة والايقاع والايحاء وهذا مانجده في قصيدتي (رماد الالق) و (انكفاء الظل )من ديوانه الثاني رماد الالق الصادر عن مركز عبادي للدراسات والنشر ، صنعاء/ 2005 .
هذا الاقصاء المتعمد لانسانية الانسان داخل هذه الالة الجهنمية التي تشظي الاماني والاحلام بالخلاص خارج المكان الغارق بالاحزان الا انه سرعان مايكتشف ذلك القلق المزمن داخله وليد خوفه ووحدته يقول:
لماذا كل هذا القلق ؟
وتلك الجراح التي كنت عنها تلوذ انزوت
والاماني التي خبأتها في مقلتيك سنينا
ذوت
وهذا المنلوج الداخلي يغدو دليل تواري واختفاء ذلك الحلم الذي لم تستطع المقلتين اخفائه بعد ان خوت كل الحصون مخلفتاً أضغاث أحلام. فيقول: فما عاد في الروح ركنٌ
لم يطأه الأسى
يتوارى في ظل كل هذا الدمار الذي يحيط بالذات؛ بعد ما أحاط من قبل بالجميع الذي عاش تلك المصاعب الجمة . وهذا بالذات يجعله يطرح سؤال أكبر يسأل فيه عن( من نحن)؟هذا السؤال يأتي في ظل هذا الموت الذي تحول الى وجبة يومية تقطف الأرواح وتزدري الحياة.
لنا مستقبل مجهول
وايام بكف الغيب
ويقول:
نهار ياأخي كالليل
نحن الصورة المثلى
لهذا القهر.
ثم يطرح سؤال لمن يطالب ان يكون صابراً"كايوب"فقول:
سنون العمر قد ازفت
ولم نجتر غير الصبر
نلاحظ هنا ذلك البعد الانطلوجي الذي يجمع بين الواقع والحلم والرمز في صوره أغترابية حزينة تحاول التناص مع المعري عبر استخدام صورة متقاربة .هذا اذا كان حال المكان .
اما خارج المكان /الغربة:هي الحال التي يعنيها فكريا ونفسيا التي يتم تكثيفها لتغدو"اغتراب"
حين أكون
ويكون الكل قريباً مني
-ليس لي سواي –()من مجموعة ،رماد الالق،ص8.
هذه غربة نفسية تعصف بالشاعر وهو يتلمسها في ذاته انه مغترب عما هم حول.
في الضفة الأخرى –
ليس هنا غير كفي
تومئ لي....
بالرحيل....
انه خارج المكان هناك في الضفة الاخرى خارج الوطن ايضا لايجد شريك سوى ذاته تومي له الكف جزء يشير الى الكل "الانا"
وهنا اغتراب مكاني يغادر الأهل الا انه يعود الى ادراك ان حلمه بأن يجد شئ في الخارج ايضاً سراباً
-انا-
ليس لي سواي هنا
وخطى اتعبتها المنافي
وهناك
او هنا
ليس لي غير ظل لايعرفني
هو ظلي
يتبعني
انه شعور بالغربة دفين داخل الذات يغمر الداخل والخارج تجمعهما حالة واحدة هي الغربة الفكرية التي يتجهمها الوعي الذي يجعل هذا النابت كما يصفه الفيلسوف (ابن باجه) انه مغاير للغير لااحد يشبهه ثم انه يغور الى ذاكرته من اجل ان يتخلص مما علق به من ذكريات وصور اشخاص يتذكرهم يعود الى اختلاف تلك الازمنه الغابرة الا انه يمسك بلحظة الغربة ذاتها التي تجمع هذه المرة الغرباء / داخل المكان وخارجه فيصفهم.
فالغرباء
ليسوا كلهم من يخد شون البرق
ليسوا كلهم من يسرجون خيول الاساطير
ويهربون
ليسوا كلهم من يوشمون صدورهم
على جدران القلب
كثيرا منهم
يتركون ذكراهم كوشم على الماء ويرحلون
هذه الصور الجميلة لحالة الغرباء الفكرية والانطلوجية سواء داخل ذاكرة الشاعر او داخل ذاكرة الاخرين فانهم يتحولون الى وشم على الماء الذي يشير الى التواري والنسيان لدى الاخرين


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك