الرئيسية »  الـنــقـد»  إنقذوا زهير أحمد القيسي

إنقذوا زهير أحمد القيسي

عدد مرات المشاهدة :1891 - 23/ 4/ 2008

مازن لطيف

إنقذوا زهير أحمد القيسي

 
 
للتاريخ مآسيه. وأكثرها إثارة ما لا يثير في العقل والضمير حرص التأمل في مآثره وعبره. وهي الفكرة التي يمكن أن يتوصل إليها المرء في مجرى تأمله حياة أبو حيان التوحيدي وذكراه العميقة في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية.
غير أنها تصبح اشد إثارة عندما نتأمل حياة زهيراحمد القيسي على خلفية الماضي والحاضر والمستقبل. ولعل مفارقة هذه الظاهرة تقوم في تغييبه وهو بين أظهرنا وهي المفارقة التي تشير أولا وقبل كل شيء الى طبيعة الانحطاط المعنوي للثقافة والمجتمع والدولة تجاه ثرواتها الكبرى!
وهي حالة يمكن فهم أسبابها ومقدماتها في المرحلة السابقة التي كان الفكر والإنسان والتراث مجرد خادم وضيع للسلطة. وهي المهمة التي لم يكن بإمكان رجل الفكر والثقافة والتاريخ الفعلي ألا يسير بالضد منها. وهو المنحى الذي أسس لشخصية زهيراحمد  القيسي وغمره في الوقت نفسه على ضفاف دجلة، في انتظار صدفة الزمن "الجديد". لكننا نقف من جديد أمام الحقيقة المرة القائلة: بان إعادة الاعتبار لمبدعي الثقافة الفعليين والكبار يفترض أولا وقبل تمتع النخب السياسية ورجالها بفكرة الدولة والأمة. بمعنى إدراك قيمة المبدعين بوصفهم الثروة الكبرى للسلطة والدولة والأمة والتاريخ. إن شخصية زهيراحمد القيسي وأثرها ومآثرها وواقعها المزري الحالي هو دليل على غياب فكرة الدولة ورجل الدولة ومؤسسات الثقافة الفعلية في العراق. بمعنى إننا نقف أمام استرجاع وعودة لأشد وأتعس أشكال "الاهتمام بالثقافة" التي لا ترى في المبدعين غير أدوات المصالح الحزبية الضيقة. وهي أدوات هشة! عادة ما تتحول الى حطب الصراع اللاعقلاني وعطب المحارق الداكنة فالجميع يعرف الباحث التراثي الكبير زهير احمد القيسي! ورغم تاريخه الحي وحياته بيننا إلا انه يغيب في أجواء بغداد المدوية ليظهر في ملامحه المتعبة لاستلام راتبه (تقاعده) الهزيل، ليكشف هزال فكرة الدولة والثقافة وموت الإبداع وليس غريبا أن يستغرب الكثيرون عندما يعلمون بأنه ما زال على قيد الحياة ويعاني من اشد ظروف الحياة مرارة!! بينما تنعم "مؤسسات الثقافة" و"وزارتها" بمآثر القيسي وأمثاله! بمعنى أنها تعيش وتعتاش على مآسيهم! وهي حالة اقرب ما تكون الى الخطيئة منها الى خطأ لقد قضى زهير احمد القيسي أكثر من ستين عاماً من حياته الثقافية المعقدة في إثراء وتطوير اللغة العربية. كما أنجز وطبع ثمانية وعشرين كتابا في مختلف ميادين المعرفة. وقد يكون من بين أكثرها أهمية وإثارة كتاب (تاريخ الشطرنج الكبير)، الذي يمكن تصنيفه على انه احد روائع الكتب التاريخية الثقافية والفكرية.
لقد أراد القيسي أن يعلّم البشر كيفية تمرين النفس والذهن على الفوز دون قتل ودماء، لكنه يموت بطيئا بين ركام الجهل والتجاهل وعدم المبالاة به وهي الحالة التي تستعيد في أكثر من جانب شخصية أبي حيان التوحيدي. فقد حرق التوحيدي اغلب مؤلفاته احتجاجا على عدم إنصاف الدولة والمجتمع لما قام به وسعى إليه. إما القيسي، فانه اقل إفراطا في تحسس موقعه في ضمير الثقافة والدولة، بسبب سموه الروحي والمعرفي. فهو ما زال مستمرا في الكتابة والقراءة رغم شيخوخته وحالته الصحية السيئة. إذ يجد فيه متنفسه الوحيد. وعندما تسأله لمن يقرأ الآن فانه يجيبك: في السنوات الخمس الأخيرة كل من كتابات الراحل هادي العلوي والبروفيسور ميثم الجنابي ذلك يعني انه يحس بنبض الحياة وإشكالاتها الفكرية الأعقد انه شيخ المستقبل أيضا وهي الصفة التي تضع أمام الدولة ومؤسساتها الثقافية مهمة إعادة الاعتبار إليه، بوصفه احد أعمدة تراثها الثقافي. وان تضع مهمة الاهتمام بمخطوطاته التي تبلغ الخمسين ضمن كنوزها الثقافية. وحينذاك فقط يمكننا أن نتخلص مما سيقوله التاريخ اللاحق عنا عندما يتأمل ما قمنا وما كان بإمكاننا القيام به تجاه القيسي.
إن إعادة الاعتبار للقيسي والاهتمام به هي مهمة حكومية واجتماعية ووطنية وتاريخية وثقافية.



شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

المهندس عامر العبيدي في 28/ 3/ 2011
المهندس عامر العبيدي السلام عليكم
مقال جميل عن أناس هم اعمدة الفكر والثقافة في المجتمع العراقي
لله درك يا استاذ زهير احمد القيسي
والله لن ينهض المجتمع الا بهؤلاء المبدعين
وانشاء الله يوضع الاستاذ زهير في المكان الذي يستحقه
واستغل هذه الفرصة واطلب منكم ان تكتبوا عن شاعرة العراق المبدعه نازك الملائكه التي توفاها الاجل في مصر بعيد عن ارض العراق وهذا رجاء مني لكم ويرجى اعلامي واكون شاكرا وممنونا ومدينا
المهندس عامر العبيدي
أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
1.00
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل