تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـنــقـد»  ثقافة أغفلت عنها جمالية المرئي

ثقافة أغفلت عنها جمالية المرئي

عدد مرات المشاهدة :1072 - January 03, 2008

سعد القصاب

ثقافة أغفلت عنها  جمالية المرئي

  
 
هناك توصية توطّنت بقوة في منظومتنا الذهنية والفكرية، تقر أن اللغة بمنجزها النصي والخطابي، هي الأفق الذي كشف عن مستوى تطورنا المعرفي وتقدمنا الحضاري. كما أن المغامرة العقلية والروحية العربية، لم تقم أو تتحقق إلا من خلال تلك اللغة. من البلاغة حتى التصوف، ومن المنطق حتى فقه الكلام. إنها  بمفردها من نسجت السر الفاعل الذي لازم ألذات العربية منذ الإسلام، وأسست لملامح هويته الثقافية. وبأثر رعاية مارسها الإعرابي الفصيح، بنظرته وطبعه وسليقته. حتى بات الاعتبار أن عالم الصحراء وثقافة البداوة - كما يقول البعض - حكمت حتى وقتنا الحاضر إطار الذهنية العربية  وإدراكها اللغوي والبصري معا.
مسلمة ثقافية كهذه، يمكن معاينتها بيسر، عند إطلاعنا على أي منجز أرخ للتحولات التي رافقت وعينا ونتاجنا الفكري والإبداعي منذ أكثر من قرن من الزمن. فما هو قولي، لغوي، ما زال ابهى مقدمات ثقافتنا ونتائجها معا.
أظن أن دوام نظرة قصدية كهذه، تجعل من وحدة الثقافة، تعيش لحظة ملتبسة. بدءا، من بعدها التاريخي، حينما افترضت أن العرب قبل ذلك كانوا يعيشون في مكان تجريدي بامتياز، وذلك جراء إزاحة جدلية المكان ذاته، بثرائه الحسي والبصري والمديني عن فحوى الخطاب الثقافي. وكأنه لم يؤسس لعلاقة ماثلة في ذاكرتنا. وحاضرا عند تأطير انطلاقتنا النهضوية، دون التوقف لاعتبار أن الفنون المشهدية والمكانية، من العمارة حتى الرسم، تتمتع بضرورة إدراجها في مديات ثقافة ما زالت تكتفي بقوليتها، ومحتكمة  لحالات فصل وعزلة في مكوناتها، بذريعة عدم وجود تبادل يذكر وتأثير فاعل بين ابتكارات خطابها اللغوي، وتجسدات إنجازها الجمالي والبصري.
لدى قراءة أية مرحلة ثقافية، تأريخية،  في الغرب، لا يجرؤ مؤرخ الثقافة  أو  مفكرها، استبعاد أو إهمال التحولات الفنية والأساليب الجمالية التي طبعت المخيلة الحسية لذلك الزمن. من هنا وعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت قراءتنا لحداثتهم، هي المعرفة أيضا بالتبدلات التي لحقت بالفكر والأدب والفن والعمارة معا.
وحدنا من نجرؤ على ذلك ..!، باستبعاد منجزنا البصري والحسي عن واقع وفاعلية تاريخنا الثقافي. والنظر إليه باعتباره أداة تعبير أخرى تحيا فضاءها الخاص، حتى أصبح أي خطاب يدل على التو اشج مع الذائقة البصرية، لحظة ثقافية استثنائية وفريدة.
  فالخطاب والقول هو الشاهد غالبا، فيما الحسي والمرئي هو الغائب الدائم.
إذ قلما كانت الفنون المشهدية زادا حقيقيا تتغذى منه مخيلتنا وكتاباتنا. فكيف بنا إذن أن نصدق تأثيرها فينا..!. من هنا نجد عدم الكفاية اللازمة لافتراض تصورات جديدة نبتكرها في الفن أو العمارة.
مازالت هنالك رؤية استشراقية، يتداعى صداها عند محاولات فهم معنى العلاقة مع تراثنا الفني. تدعي، أولا، شحة المفاهيم والاصطلاحات التي تخص العملية الفنية وإجراءاتها في ثقافتنا العربية. لذا جاء غياب الملاحظة والوعي بالمجال البصري، محصلا لهذه الندرة. كما أن الفكر العربي الكلاسيكي خاصة، لم يول التعريفات والمفاهيم التي تتعلق بادراك الجمال والجميل عناية تذكر. عدا قلة الخطابات التي تتعلق بالفن الإسلامي لغياب الكثير من مصادرها. وأخيرا، في كوننا لا نتمتع بأي فن خاص بنا، وان ماضينا الفني وحتى حاضرنا، قام على أساس تأثره بفنون حضارات سابقة عليه، وبالتالي هو ليس سوى استعارة عن أساليب وأنماط فنون أجنبية.
قراءة تمت عبر مرآة استشراقية ،وأوجدت إشكالية قائمة في صلب المشاريع الفكرية والثقافية الحديثة، وذلك بتبنيها لتوصية تاريخية، يمارسها المفكر والمثقف العربي على السواء، تقوم - وغالبا دون انتباهة - بإزاحة وتعليق منجزنا البصري عن تلك المشاريع، والتعامل بقدر واضح من النسيان تجاه هذا المنجز، والبحث عن متن وهامش فرادته. وذلك عند محاولة تكريس موضوعة تخاطبنا بغلبة الخطاب والقول عما عداه .نسيان تمادى في نكران حقيقة، أن موروثنا البصري الكبير الذي طالما حاز على الامتياز والجدارة، هو من شارك أيضا في إيداع صفة حضارية متكاملة لثقافتنا، وكان جزءا فاعلا من منظومتها الأساسية.
إن التأليف الجمالي العربي كان متفردا وأصيلا بحق في فنون العمارة والزخرفة والخط العربي والمنمنمة والرقش، وهو ما شكل رافدا لصناعة تجارب عتيدة في فنون المكان لفنانين ومعماريين عرب محدثين ومعاصرين أتوا بعد ذلك.
أجد إننا وأثناء  حاضر ملتبس نحياه، في أمس الحاجة إلى إعادة ترتيب العلاقة داخل الفضاء الفكري والثقافي العربي. في محاولة  لتشكيل رؤية أكثر اتساعا لمعنى ومحتوى الثقافة ذاتها. وضرورة الدعوة لإجراء تعديلات في نظرتنا عنها. ثقافة لم تخل من سوء فهم لأكثر أبعادها جدارة، واعني بجماليتها البصرية والمرئية. وهذا ما يدلنا عن وجود منجزات إبداعية، جمالية، لم تدرك بشكل كاف. من هنا، تتأتى أهمية تدبير قراءة مجتمعة لثقافتنا الكلاسيكية والحديثة معا. وإعادة التعريف بمكوناتها من جديد، ليس بذريعة الفصل بينها، بل لصناعة وحدتها، والنظر إليها بمغايرة ولا مألوفية لغرض تعزيز ما هو ذوقي وجمالي في بنائها المعرفي. وبعد اعتبار أن الخبرات والتجارب الفنية البصرية هي ليست واقعة فنية بل ثقافية كذلك. وهذا ما هو حاصل في المفهوم المعاصر للثقافة. باعتماده المنجز الجمالي في كونه  فعلا ثقافيا وتواصليا بامتياز. خاصة في عصر أصبحت خلاله الصورة، هي من تتقدم في إثراء وتشكيل وعي وخبرات الفرد والجماعة. ما يعزز من صلابة الإحساس الجمالي للمجتمع، كما في احاطة الثقافة باستقلالية خاصة بها.
يذكر الروائي الراحل عبد الرحمن منيف في إحدى حوارا ته أنه "يستوجب أن تقام جسور وان تنشأ علاقات بين الفنون وبين أدوات التعبير المكتوبة، لأنها تغني نفسها وتغني بعضها في الوقت نفسه. وقد يكون هذا احد المطالب الأساسية من اجل التغلب على الفقر الثقافي".. وهو أمر  نتمناه كثيرا لثقافة احادية...          

المؤلف: سعد القصاب 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

حسين احمد في January 03, 2008
حسين احمد كان بالإمكان أن أكتفي بالقول أن جمالية ما تكتب، يا سيدي، كافية لوحدها لإغناء روح قارئك، لكن ترافق هذه الجمالية مع دقة الملاحظةيجعلني أضيف كم نحن بحاجة لمن يكتبون بمثل تلك البصيرة الثاقبة التي تكتب فيهاأنت، أي حاجة الحادة، وأنا أستعير هنا تقريباً عبارتك لرؤية تنظر إلى المنجز الثفافي باعتباره عملية تكاملية، تخرج نفسها من ضيق الإحادية والإكتفاء بالموروث الكلامي لوحده؛ سنغفر لي القول بأن ثقافة وحضارة الغرب المعاصر هي أيضا قد راهنت في مرحلة من وجودها على معطى اللغة وحده، بيد أنها تمكنت من توسيع أفاق تلك النظرةوبالتالي جعلت العطاء النظري أو البصري جزءاً لا يتجزأ من حياتها الروحية، وذلك بفضل كتاب أو مفكرين يتمتعون بذات التناول المرهف الذي تحمله اشارات كتابتك. في النهاية، لا أمتلك سوى تقديم شكري العميق لك ولأدب فن التي تمنحنا فرصة كهذه للتعرف على دقة الملاحظة واتساع الأفق.
أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن