رواية جارات أبي موسى.. مقاربة تناصية
عدد مرات المشاهدة :4784 - 22/ 12/ 2007
جميل حمداوي
تمهيــــد:
تندرج رواية ( جارات أبي موسى) للروائي المغربي والمؤرخ القدير أحمد توفيق ضمن التخييل التاريخي والتخييل الصوفي؛ لأنها تستعرض تناصيا تجربة لدنية عرفانية ذات أبعاد مناقبية واجتماعية وسياسية واقتصادية إبان تاريخ بني مرين وخاصة في فترتي أبي الحسن المريني وابنه أبي عنان أثناء العصر العربي الوسيط.
و تصنف هذه الرواية ضمن خانة الرواية التراثية التي تستهدف تأصيل السرد العربي عن طريق استعارة أساليبه وطرائق حكيه وصيغ تعبيره، كما تتفاعل هذه الرواية مع التراث والماضي حوارا وتناصا لخلق كتابتها السردية الخاصة بها من أجل تحقيق الحداثة الأدبية في مجال السرد الروائي وربط الرواية العربية بصفة عامة والرواية المغربية بصفة خاصة بخصوصياتها الحضارية وهويتها الثقافية سواء في الماضي أم في الحاضر.
إذاً، ماهي تجليات التناص في هذا النص الروائي سياقا و صياغة ودلالة ومقصدية؟
و تصنف هذه الرواية ضمن خانة الرواية التراثية التي تستهدف تأصيل السرد العربي عن طريق استعارة أساليبه وطرائق حكيه وصيغ تعبيره، كما تتفاعل هذه الرواية مع التراث والماضي حوارا وتناصا لخلق كتابتها السردية الخاصة بها من أجل تحقيق الحداثة الأدبية في مجال السرد الروائي وربط الرواية العربية بصفة عامة والرواية المغربية بصفة خاصة بخصوصياتها الحضارية وهويتها الثقافية سواء في الماضي أم في الحاضر.
إذاً، ماهي تجليات التناص في هذا النص الروائي سياقا و صياغة ودلالة ومقصدية؟
1- التناص السياقي أو الخارجي:
يتسم العصر المريني المغربي بالإحن والحروب والهزائم والصراعات الداخلية والخارجية. وفي هذه الفترة، اشتد بالخصوص الصراع بين الموحدين والمرينيين، ووقعت معركة العقاب التي انهزم فيها المغاربة أمام الإسپان في الأندلس. وبدأ الاضمحلال العربي في الأندلس ينذر بالسقوط المبكر بتحالف الجيوش المسيحية فيما بينها لاسترجاع الأندلس. و قد فشل أبو الحسن في توسيع إمبراطوريته المغاربية بعد أن مني بهزيمة نكراء أثناء محاولته لإخضاع أعراب تونس، وضاع أسطوله غرقا في البحر، وتفشى الفساد في بلده المغرب وعاصمته تامسنا ومدينته الإستراتيجية شالة(سلا) التي تجري فيها أحداث الرواية.
وأمام تفشي المنكر وكثرة المحن والإحن وانتشار الفساد بكل أنواعه في البر والبحر وتعاظم الاستبداد في الدولة المرينية، ظهر الخطاب الصوفي أو المناقبي و تكاثرت الجماعات الطرقية كرد فعل على هذا العصر الموبوء بالتسلط والظلم والاعتساف وغطرسة السلطان وأعوانه. وبرز رجال صوفية ومجاذيب وأولياء صالحون على هامش المجتمع رافضين الواقع السائد، لاجئين إلى العزلة والخلوة الصوفية، منتقدين المجتمع المتردي و غير مبالين بالانصياع لمواضعاته المختلة ومقاييسه الجائرة، باحثين عن واقع ممكن يتمثل في التغيير الذاتي والنفسي؛ لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وقد شكل هذا المعطى التاريخي والصوفي إطارا للرواية وسياقا تناصيا خارجيا لها، بالإضافة إلى كتابات أحمد توفيق التاريخية عن العصر الوسيط وتحقيقاته لكتب التصوف جعلت هذا الكاتب الروائي بطريقة شعورية أو غير شعورية يخضع لهذه المؤثرات التناصية بشكل أو بآخر.
وأمام تفشي المنكر وكثرة المحن والإحن وانتشار الفساد بكل أنواعه في البر والبحر وتعاظم الاستبداد في الدولة المرينية، ظهر الخطاب الصوفي أو المناقبي و تكاثرت الجماعات الطرقية كرد فعل على هذا العصر الموبوء بالتسلط والظلم والاعتساف وغطرسة السلطان وأعوانه. وبرز رجال صوفية ومجاذيب وأولياء صالحون على هامش المجتمع رافضين الواقع السائد، لاجئين إلى العزلة والخلوة الصوفية، منتقدين المجتمع المتردي و غير مبالين بالانصياع لمواضعاته المختلة ومقاييسه الجائرة، باحثين عن واقع ممكن يتمثل في التغيير الذاتي والنفسي؛ لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وقد شكل هذا المعطى التاريخي والصوفي إطارا للرواية وسياقا تناصيا خارجيا لها، بالإضافة إلى كتابات أحمد توفيق التاريخية عن العصر الوسيط وتحقيقاته لكتب التصوف جعلت هذا الكاتب الروائي بطريقة شعورية أو غير شعورية يخضع لهذه المؤثرات التناصية بشكل أو بآخر.
2- التناص الدلالي:
تتفرع رواية( جارات أبي موسى) إلى عدة قصص فرعية يتحكم فيها قانون التضمين والتناسل السردي وتفريع الحبكة السردية الكبرى إلى قصص نووية كبرى وصغرى لتعضيد المحكي وتنويره توضيحا وتفسيرا. ومن هذه القصص نجد: قصة شامة وقصة أبي موسى وقصة ملالة وقصة كبيرة وقصة رقوش وقصة خوليا بنت بدرو وقصة مماس وقصة إجا وقصة بيا؛ إلا أن قصة أبي موسى وقصة شامة هما القصتان الرئيستان في الرواية.
وتحيل القصة الأولى على ماهو تاريخي، بينما تحيل القصة الثانية على ماهو صوفي، وتتقاطع القصتان في آخر الرواية عندما ترحل شامة إلى فندق التجار بسلا مع زوجها الإسپاني الذي أسلم عندما قصد المغرب لتزيين معمارية المساجد وتزليج المدارس المرينية الدالة على حضارتهم الزاهية. وفي هذا الفندق بالذات، يسكن أبو موسى الرجل الصوفي الذي كان جارا وفيا ومخلصا وأمينا لمجموعة من الشخصيات الأنثوية التي غدر بهن المجتمع الظالم.
هذا، وإن شامة شخصية رئيسية في الرواية: جميلة الحسن، طيبة الأخلاق والخلقة، ذكية وذات خبرة في الحياة و التدبير المنزلي، وتمتلك الكفاءة و القدرة في التعامل مع الآخرين.
وتذكرنا هذه الشخصية باسم علمها على مستوى التناص بشخصية مماثلة في رواية سيف بن ذي يزن كانت حسناء في غاية الحسن والبهاء، هي التي سيظفر بها البطل ذو يزن حسب مرويات الأسطورة.
وكانت شامة الرواية خادمة في سلا عند قاضي المدينة الورع قاضي القضاة ابن الحفيد الذي رباها أحسن تربية، وبعد ذلك تزوجها قاضي السلطان الجورائي. وقد ارتحلت شامة مع بعلها إلى فاس، وكادت أن تتعرض للموت سما بسبب مكيدة الزوجة الأولى للجورائي، لولا تدخل الطبيب اليهودي الذي أنقذها من أنياب المنية المحتومة. بيد أن هذا القاضي كان يعاني من العجز الجنسي؛ لذلك بقيت شامة بكرا عذراء.
ولما عادت شامة من سفرها مع حاشية السلطان ضمن الأسطول البحري العسكري الذي استهدف السلطان من خلاله توسيع مملكة المغرب ، وبعد أن توفي زوجها غرقا في البحر، اختيرت خليلة لزوجة السلطان التي استصحبتها في زيارتها للربوع المقدسة قصد أداء فريضة الحج.
ومع وفاة زوجة السلطان بعد رجوعها من الحج، أعيدت شامة إلى منزل القاضي ابن الحفيد حيث تزوجت عليا، وقد كان نصرانيا ثم أعلن إسلامه. لكن القاضي ابن الحفيد وشامة وزوجها علي سيعانون كثيرا من دسائس عامل السلطان بسلا ( جرمون) المقيت الذي عاث في الأرض جرما وفسادا طمعا في شامة الحسن وأموالها، ورغبة في الانتقام من قاضي القضاة الذي كان أكثر منه علما وفضلا وتقربا من السلطنة.
هذا، وسيفرض جرمون على أهل سلا مكوسا ظالمة إرضاء للسلطان، وسيخنق تجارها بكثرة الضرائب والتصفيات والعقوبات السجنية، وممارسة لغة البص والمخابرات قصد التحكم في رقاب قاطني فندق الزيت على غرار بصاصي رواية "الزيني بركات" لجمال الغيطاني.
وقد توالت سنوات عجاف بسبب الجفاف والاستبداد وظلم الرعية والحكام، وأثر كل هذا على نساء الفندق التي دفعت بهن الظروف المزرية إلى الفقر والتسول و البغاء وارتكاب الذنوب والمعاصي. ولم ترتح شامة لأحد سوى رجل الخلوة والصمت والعزلة أبي موسى الذي كان يغادر الفندق متجها نحو البحر مستطلعا الوجه الرباني وجماله السرمدي. وهنا إشارة تناصية مهمة عندما نستحضر شخصية علي وهو يصاحب أبا موسى إلى خلوته الروحية الطاهرة قرب البحر، ولكنه لم يستطع أن يسايره حتى اللحظات المناقبية الأخيرة على غرا ر النبي موسى الذي عجز عن مصاحبة الولي الصالح الخضر بسبب الكرامات الخارقة التي لم يفهمها موسى بسبب ظاهريته وباطنية الخضر، وقد تحدث القرآن وكتب التفسير كثيرا عن هذه القصة العرفانية الشيقة.
وقد انتشرت براكات الولي أبي موسى في مدينة سلا حيث عد فيها مجذوبا عند البعض، ومن البهاليل المجانين عند البعض الآخر؛ إذ رآه الناس في الحج يؤدي معهم مناسك الحج، وأصبح لا ينقطع عن استشراف وجه البحر وصيد خيراته وشكر الله على نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.
وعندما عظم البلاء بالبلد بسبب الفساد وكثرة المنكر وتوالي سنوات الجفاف، إلى أن أصبح الموت ينذر بمخالبه الرعية والذين يسوسونهم من الطغاة والبغاة والعتاة وأهالي الشطط والغلط، لم يجد عامل السلطان جرمون مسلكا آخر بعد فشل الأئمة في أداء صلاة الاستسقاء واستدرار المطر واستجلاب القطر، إلا أن يستغيث بأبي موسى الولي الصالح الذي أجبره على الإمامة بالمصلين يوم الجمعة. ولما رفض أبو موسى الانصياع لأوامره، زج به في السجن على الرغم من عزلته الدائمة عن الناس ، لايتقرب من الحكام والساسة وذوي النفوذ.
ولما علم الناس بأمره ذهبوا إليه في السجن، واستعطفوه كثيرا، فوافقهم على فعل ما يبتغيه منه عامل السلطان. لكن أبا موسى جمع كل بغايا فندق الزيت ونسائه، وخرج بهن يوم الخميس- لا يوم الجمعة- فأثار فضول الناس الذين استغربوا شأنه وفعله غير المعتاد. وعندما وصل أبو موسى إلى المصلى بدأ في التضرع والتوسل والتذلل إلى الله، وبدأت دموع التوبة والمغفرة تنساب من عيون جارات أبي موسى حارة تتقد حسرة وألما واستعطافا. وقد دفع هذا المشهد الإنساني الحاضرين إلى إعلان توبتهم ورغبتهم في التغيير والتخلص من أدران الظلم وكثرة المنكر، ولم تنته صلاة الاستسقاء حتى أنزل عليهم الله في الليل غيثا نافعا سر به الناس كثيرا.
ولما أراد جرمون وأعوانه محاسبة الولي الصالح على فعلته، وأرادوا تفقده، وجدوا رجل الكرامات أبا موسى قد افترش مثواه الأخير. فــحمل أبو موسى:" إلى الجامع الأعظم للصلاة عليه، وقرر ملأ المدينة أن ينتظروا صلاة العصر حتى يشيع الخبر في المدينة، ويكفي الوقت لكل من يريد أن يحضر تلك الصلاة. غصت جنبات الجامع الأعظم وساحته والأزقة المجاورة له بالمصلين، وتصدر لإسماع البعداء عشرات المسمعين. وكانت صلاة خشوع وسكون لم يسمع فيها إلا ما تساقط من جري دموع المآقي وما غلب رجالا أشداء ونساء رقيقات العواطف من عصي النحيب، وقال قائل: سبحانه! سبحانه! بعودة الغيث عاد الدمع إلى العيون.
وبعد الصلاة تزاور الناس من جديد وتراحموا وتسامحوا وعجبوا لما تجلى لهم من الكرامات... وقالت شامة: لا تدفنوه بأي من المقبرتين، ادفنوه في مكان يطل على البحر"( الرواية، ص:192، ط2، 2000، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء).
وهنا، يحضر البحر بمثابة رمز صوفي للتغيير والتطهير والإحالة صوفيا إلى الحضرة الربانية الجليلة المخلصة للبشر من آثامهم وذنوبهم، ويذكرنا البحر كذلك بقصة موسى والخضر الذي كان ينتظر نبي الله عند مشارف البحر، وتمت الصحبة بينهما والبحر حاضر بشهادته وتجلياته العرفانية.
وتحيل القصة الأولى على ماهو تاريخي، بينما تحيل القصة الثانية على ماهو صوفي، وتتقاطع القصتان في آخر الرواية عندما ترحل شامة إلى فندق التجار بسلا مع زوجها الإسپاني الذي أسلم عندما قصد المغرب لتزيين معمارية المساجد وتزليج المدارس المرينية الدالة على حضارتهم الزاهية. وفي هذا الفندق بالذات، يسكن أبو موسى الرجل الصوفي الذي كان جارا وفيا ومخلصا وأمينا لمجموعة من الشخصيات الأنثوية التي غدر بهن المجتمع الظالم.
هذا، وإن شامة شخصية رئيسية في الرواية: جميلة الحسن، طيبة الأخلاق والخلقة، ذكية وذات خبرة في الحياة و التدبير المنزلي، وتمتلك الكفاءة و القدرة في التعامل مع الآخرين.
وتذكرنا هذه الشخصية باسم علمها على مستوى التناص بشخصية مماثلة في رواية سيف بن ذي يزن كانت حسناء في غاية الحسن والبهاء، هي التي سيظفر بها البطل ذو يزن حسب مرويات الأسطورة.
وكانت شامة الرواية خادمة في سلا عند قاضي المدينة الورع قاضي القضاة ابن الحفيد الذي رباها أحسن تربية، وبعد ذلك تزوجها قاضي السلطان الجورائي. وقد ارتحلت شامة مع بعلها إلى فاس، وكادت أن تتعرض للموت سما بسبب مكيدة الزوجة الأولى للجورائي، لولا تدخل الطبيب اليهودي الذي أنقذها من أنياب المنية المحتومة. بيد أن هذا القاضي كان يعاني من العجز الجنسي؛ لذلك بقيت شامة بكرا عذراء.
ولما عادت شامة من سفرها مع حاشية السلطان ضمن الأسطول البحري العسكري الذي استهدف السلطان من خلاله توسيع مملكة المغرب ، وبعد أن توفي زوجها غرقا في البحر، اختيرت خليلة لزوجة السلطان التي استصحبتها في زيارتها للربوع المقدسة قصد أداء فريضة الحج.
ومع وفاة زوجة السلطان بعد رجوعها من الحج، أعيدت شامة إلى منزل القاضي ابن الحفيد حيث تزوجت عليا، وقد كان نصرانيا ثم أعلن إسلامه. لكن القاضي ابن الحفيد وشامة وزوجها علي سيعانون كثيرا من دسائس عامل السلطان بسلا ( جرمون) المقيت الذي عاث في الأرض جرما وفسادا طمعا في شامة الحسن وأموالها، ورغبة في الانتقام من قاضي القضاة الذي كان أكثر منه علما وفضلا وتقربا من السلطنة.
هذا، وسيفرض جرمون على أهل سلا مكوسا ظالمة إرضاء للسلطان، وسيخنق تجارها بكثرة الضرائب والتصفيات والعقوبات السجنية، وممارسة لغة البص والمخابرات قصد التحكم في رقاب قاطني فندق الزيت على غرار بصاصي رواية "الزيني بركات" لجمال الغيطاني.
وقد توالت سنوات عجاف بسبب الجفاف والاستبداد وظلم الرعية والحكام، وأثر كل هذا على نساء الفندق التي دفعت بهن الظروف المزرية إلى الفقر والتسول و البغاء وارتكاب الذنوب والمعاصي. ولم ترتح شامة لأحد سوى رجل الخلوة والصمت والعزلة أبي موسى الذي كان يغادر الفندق متجها نحو البحر مستطلعا الوجه الرباني وجماله السرمدي. وهنا إشارة تناصية مهمة عندما نستحضر شخصية علي وهو يصاحب أبا موسى إلى خلوته الروحية الطاهرة قرب البحر، ولكنه لم يستطع أن يسايره حتى اللحظات المناقبية الأخيرة على غرا ر النبي موسى الذي عجز عن مصاحبة الولي الصالح الخضر بسبب الكرامات الخارقة التي لم يفهمها موسى بسبب ظاهريته وباطنية الخضر، وقد تحدث القرآن وكتب التفسير كثيرا عن هذه القصة العرفانية الشيقة.
وقد انتشرت براكات الولي أبي موسى في مدينة سلا حيث عد فيها مجذوبا عند البعض، ومن البهاليل المجانين عند البعض الآخر؛ إذ رآه الناس في الحج يؤدي معهم مناسك الحج، وأصبح لا ينقطع عن استشراف وجه البحر وصيد خيراته وشكر الله على نعمه الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.
وعندما عظم البلاء بالبلد بسبب الفساد وكثرة المنكر وتوالي سنوات الجفاف، إلى أن أصبح الموت ينذر بمخالبه الرعية والذين يسوسونهم من الطغاة والبغاة والعتاة وأهالي الشطط والغلط، لم يجد عامل السلطان جرمون مسلكا آخر بعد فشل الأئمة في أداء صلاة الاستسقاء واستدرار المطر واستجلاب القطر، إلا أن يستغيث بأبي موسى الولي الصالح الذي أجبره على الإمامة بالمصلين يوم الجمعة. ولما رفض أبو موسى الانصياع لأوامره، زج به في السجن على الرغم من عزلته الدائمة عن الناس ، لايتقرب من الحكام والساسة وذوي النفوذ.
ولما علم الناس بأمره ذهبوا إليه في السجن، واستعطفوه كثيرا، فوافقهم على فعل ما يبتغيه منه عامل السلطان. لكن أبا موسى جمع كل بغايا فندق الزيت ونسائه، وخرج بهن يوم الخميس- لا يوم الجمعة- فأثار فضول الناس الذين استغربوا شأنه وفعله غير المعتاد. وعندما وصل أبو موسى إلى المصلى بدأ في التضرع والتوسل والتذلل إلى الله، وبدأت دموع التوبة والمغفرة تنساب من عيون جارات أبي موسى حارة تتقد حسرة وألما واستعطافا. وقد دفع هذا المشهد الإنساني الحاضرين إلى إعلان توبتهم ورغبتهم في التغيير والتخلص من أدران الظلم وكثرة المنكر، ولم تنته صلاة الاستسقاء حتى أنزل عليهم الله في الليل غيثا نافعا سر به الناس كثيرا.
ولما أراد جرمون وأعوانه محاسبة الولي الصالح على فعلته، وأرادوا تفقده، وجدوا رجل الكرامات أبا موسى قد افترش مثواه الأخير. فــحمل أبو موسى:" إلى الجامع الأعظم للصلاة عليه، وقرر ملأ المدينة أن ينتظروا صلاة العصر حتى يشيع الخبر في المدينة، ويكفي الوقت لكل من يريد أن يحضر تلك الصلاة. غصت جنبات الجامع الأعظم وساحته والأزقة المجاورة له بالمصلين، وتصدر لإسماع البعداء عشرات المسمعين. وكانت صلاة خشوع وسكون لم يسمع فيها إلا ما تساقط من جري دموع المآقي وما غلب رجالا أشداء ونساء رقيقات العواطف من عصي النحيب، وقال قائل: سبحانه! سبحانه! بعودة الغيث عاد الدمع إلى العيون.
وبعد الصلاة تزاور الناس من جديد وتراحموا وتسامحوا وعجبوا لما تجلى لهم من الكرامات... وقالت شامة: لا تدفنوه بأي من المقبرتين، ادفنوه في مكان يطل على البحر"( الرواية، ص:192، ط2، 2000، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء).
وهنا، يحضر البحر بمثابة رمز صوفي للتغيير والتطهير والإحالة صوفيا إلى الحضرة الربانية الجليلة المخلصة للبشر من آثامهم وذنوبهم، ويذكرنا البحر كذلك بقصة موسى والخضر الذي كان ينتظر نبي الله عند مشارف البحر، وتمت الصحبة بينهما والبحر حاضر بشهادته وتجلياته العرفانية.
3- التناص الفني والشكلي:
تتميز هذه الرواية بكونها ذات طبيعة تراثية تتقاطع تناصيا مع روايات جمال الغيطاني( الزيني بركات)، وروايات بنسالم حميش لاسيما روايتيه( مجنون الحكم ) و(العلامة)، كما تتقاطع صوفيا مع مجموعة من النصوص الروائية الصوفية كرواية نجيب محفوظ(اللص والكلاب)، ونصوص الروائي والقصاص السوداني طيب صالح كرواية (دومة ولد حامد)، ونصوص جمال الغيطاني وخاصة( كتاب التجليات)، ونص الطاهر وطار الكاتب الجزائري(الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي)...
وقد اشتغل أحمد توفيق على العصر الوسيط المغربي من حيث التخييل وفي إطار مناقبي صوفي، وهذا ينطبق أيضا على الروائي المغربي بنسالم حميش الذي اختار نفس السياق التناصي التاريخي إلا أنه اشتغل على شخصية تاريخية متخيلة ألا وهي ابن خلدون، وهي شخصية مغاربية في روايته( العلامة)، أما في روايته(مجنون الحكم) فقد اشتغل على شخصية تاريخية وسيطية ألا وهي شخصية الحاكم بأمر الله الفاطمي. وإذا كان حميش يركز على المتناص التاريخي الوسيطي، فإن أحمد توفيق على العكس يرتكز على المتناص الصوفي الوسيطي.
ويتفق كل من أحمد توفيق وبنسالم حميش ( في العلامة بالخصوص) تناصيا في الانطلاق من السياق المرجعي التاريخي الذي يشكل المعرفة الخلفية التناصية لهما ألا وهو تاريخ الدولة المرينية بكل أحداثها الإيجابية والسلبية.
وإذا انتقلنا إلى اللغة التي يستعملها أحمد توفيق فهي لغة تراثية تعتمد على مستنسخات تناصية كالمستنسخ الصوفي /المناقبي ( شخصية أبي موسى المماثلة للشخصيات الصوفية القديمة ذات الكرامات الخارقة...) والمستنسخ الديني ( استلهام القرآن والسنة) والمستنسخ التاريخي( تاريخ بني مرين)، والمستنسخ الرسمي السياسي( الرسائل الديوانية والآداب السلطانية...)، والمستنسخ الأدبي( الاستشهاد بالأبيات الشعرية)، والمستنسخ الواقعي( تماثل واقع بني مرين مع واقعنا الموبوء بالفساد)، والمستنسخ الأسطوري( كرامات أبي موسى ومعجزاته الخارقة)، والمستنسخ السردي ( توظيف تقنيات سردية كالتضمين والانشطار السردي كتقطيع الحبكة الرئيسية إلى قصص نووية صغرى كألف ليلة وليلة ونصوص التيار الروائي الجديد، واستعمال اللغة التراثية للتأصيل والتجريب)، والمستنسخ اللغوي القائم على اللغة المسكوكة والعبارات المناقبية وألفاظ الزهاد والخطابات السياسية القديمة التي لم تعد تستعمل اليوم بهذه الشاكلة والديباجة التراثية. ويحضر كذلك مستنسخ السخرية في عرض الكرامة الصوفية وإيجاد الحلول الفردية الخارقة التي تتخطى نطاق العقل والواقع الحسي المفهوم. وتتوارد هذه المستنسخات التناصية كذلك في روايات بنسالم حميش وجمال الغيطاني ورواية( جنوب الروح) لمحمد الأشعري وفي معظم النصوص السردية التجريبية الحديثة.
والغرض من هذا التوظيف التناصي هو إبراز مدى انفتاح أحمد توفيق على السرد العربي والغربي على حد سواء، والاطلاع عليهما بشكل واع على الرغم من كونه أتى الرواية من حقل التاريخ كما أتاها حميش من حقل الفلسفة، وجمال الغيطاني من حقل الصحافة.
كما يراد من هذا التناص التعالقي محاورة الحاضر على أساس الماضي لأخذ العبر والدروس، وقد وظف أحمد توفيق التناص كذلك لغاية جمالية وفنية تتمثل في تجاوز الرواية الكلاسيكية والتجريبية نحو الرواية التأصيلية ذات المنحى التراثي، كما كان الغرض منها أيضا خلق الفرادة السردية والتميز الروائي بين الروائيين المغاربة.
وقد اشتغل أحمد توفيق على العصر الوسيط المغربي من حيث التخييل وفي إطار مناقبي صوفي، وهذا ينطبق أيضا على الروائي المغربي بنسالم حميش الذي اختار نفس السياق التناصي التاريخي إلا أنه اشتغل على شخصية تاريخية متخيلة ألا وهي ابن خلدون، وهي شخصية مغاربية في روايته( العلامة)، أما في روايته(مجنون الحكم) فقد اشتغل على شخصية تاريخية وسيطية ألا وهي شخصية الحاكم بأمر الله الفاطمي. وإذا كان حميش يركز على المتناص التاريخي الوسيطي، فإن أحمد توفيق على العكس يرتكز على المتناص الصوفي الوسيطي.
ويتفق كل من أحمد توفيق وبنسالم حميش ( في العلامة بالخصوص) تناصيا في الانطلاق من السياق المرجعي التاريخي الذي يشكل المعرفة الخلفية التناصية لهما ألا وهو تاريخ الدولة المرينية بكل أحداثها الإيجابية والسلبية.
وإذا انتقلنا إلى اللغة التي يستعملها أحمد توفيق فهي لغة تراثية تعتمد على مستنسخات تناصية كالمستنسخ الصوفي /المناقبي ( شخصية أبي موسى المماثلة للشخصيات الصوفية القديمة ذات الكرامات الخارقة...) والمستنسخ الديني ( استلهام القرآن والسنة) والمستنسخ التاريخي( تاريخ بني مرين)، والمستنسخ الرسمي السياسي( الرسائل الديوانية والآداب السلطانية...)، والمستنسخ الأدبي( الاستشهاد بالأبيات الشعرية)، والمستنسخ الواقعي( تماثل واقع بني مرين مع واقعنا الموبوء بالفساد)، والمستنسخ الأسطوري( كرامات أبي موسى ومعجزاته الخارقة)، والمستنسخ السردي ( توظيف تقنيات سردية كالتضمين والانشطار السردي كتقطيع الحبكة الرئيسية إلى قصص نووية صغرى كألف ليلة وليلة ونصوص التيار الروائي الجديد، واستعمال اللغة التراثية للتأصيل والتجريب)، والمستنسخ اللغوي القائم على اللغة المسكوكة والعبارات المناقبية وألفاظ الزهاد والخطابات السياسية القديمة التي لم تعد تستعمل اليوم بهذه الشاكلة والديباجة التراثية. ويحضر كذلك مستنسخ السخرية في عرض الكرامة الصوفية وإيجاد الحلول الفردية الخارقة التي تتخطى نطاق العقل والواقع الحسي المفهوم. وتتوارد هذه المستنسخات التناصية كذلك في روايات بنسالم حميش وجمال الغيطاني ورواية( جنوب الروح) لمحمد الأشعري وفي معظم النصوص السردية التجريبية الحديثة.
والغرض من هذا التوظيف التناصي هو إبراز مدى انفتاح أحمد توفيق على السرد العربي والغربي على حد سواء، والاطلاع عليهما بشكل واع على الرغم من كونه أتى الرواية من حقل التاريخ كما أتاها حميش من حقل الفلسفة، وجمال الغيطاني من حقل الصحافة.
كما يراد من هذا التناص التعالقي محاورة الحاضر على أساس الماضي لأخذ العبر والدروس، وقد وظف أحمد توفيق التناص كذلك لغاية جمالية وفنية تتمثل في تجاوز الرواية الكلاسيكية والتجريبية نحو الرواية التأصيلية ذات المنحى التراثي، كما كان الغرض منها أيضا خلق الفرادة السردية والتميز الروائي بين الروائيين المغاربة.
خاتـــمة:
نستنتج ، من خلال هذا العرض الوجيز، أن رواية ( جارات أبي موسى) لأحمد توفيق رواية تراثية تشتغل على التخييلين: التاريخي والصوفي/ المناقبي، وأن المستنسخات التناصية الموظفة بطريقة واعية أو غير واعية إنما الغرض منها تأسيس رواية تأصيلية جديدة قوامها: محاورة الحاضر من خلال الماضي، وتلقيح اللغة المرسلة المعاصرة باللغة التراثية المسكوكة، وتهجينها بالسخرية والتهكم والباروديا قصد تبليغ الأطروحة البديلة لتغيير الواقع والتطلع به نحو آفاق يسمو فيها الإنسان والمجتمع البشري.
قيم هذا المقال
مواضيع أخرى لجميل حمداوي
مكتبة أدب فن


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك