كوربيه.. واقعية بلا حدود
د. كاظم شمهود
يعتبر جوستاف كوربية 1819- 1877 - مؤسس المدرسة الواقعية في الفن التشكيلي في اوربا . و قد فتح نظرية جديدة غير مألوفة من قبل وهي نظرية - الواقعية - حيث اكد على رسم الاشياء كما هي في الواقع دون اللجوء الى الخيال والمثالية، كما كانت عند المدرسة الكلاسيكية القديمة والحديثة. وحيث يمكن التعبير عن الافكار والتصورات الواقعية كما يشاهدها البصر وكما هي في الواقع. وكانت هذه النظرية قد اعتنقها الفكرالاشتراكي البروليتاري في روسيا في بداية الثورة واسسوا عليها المدرسة الاشتراكية في الفن ... ..
ولد كوربيه في مدينة اورنانز Ornans في- منطقة فرانش كومته - وهي منطقة تقع شرق فرنسا على الحدود السويسرية . وكانت هذه المنطقة تتكلم ثلاثة لغات هي فرانش كومته وآربيتان Arpitan واللغة الفرنسية الام. كان والده مزارعا و جده ثوريا ومن المدافعين عن الجمهورية.. بعثه والده الى باريس لدراسة الحقوق عام 1840 وهو في عمر العشرينات، ولكنه ترك ذلك وذهب يتعلم الرسم في المراسم الحرة في سويسرا. كما يذكر انه درس على يد الفنان شارل انطوان فلاجولو احد تلاميذ المصور جاك لويس دافيد -1748-1825 وهو احد زعماء المدرسة الكلاسيكية الحديثة...
تأثيراته
تأثر كوربيه بالشاعر والناقد الفرنسي بودلير - 1821- وكان بودلير شاذا عن الاعراف ومنحرفا. وقد اصدر كتابا باشعاره اسماه - ازهار الشر - ويذكر النقاد انها مليئة بالقبح والرعب ويشم من خلالها رائحة الخمر والعربدة وصور الاحلام . كما تأثر بالكاتب والمفكر الاشتراكي جوزيف برودون -1809- وكان هذا فوضويا وقد هاجم الاخلاق السائدة يومذاك والكنيسة. وكانا الاثنان يتطلعان الى تغيير شامل وجذري في المجتمع . وكان لبرودون نظريات في الحكم والاقتصاد كانت محط انظار الطبقة العاملة. وله ايضا موهبة فائقة في الادب الكلاسيكي. ويعتبره البعض من اكبر كتاب النثر في عصره .. وقد نشر له عدة كتيبات منها - ماهي الملكية - و - تنبيه الى الملاكين العقاريين - و - خلق النظام في الانسانية - . ومن اقواله المشهورة هي: (الملكية سرقة)- وكان ناقدا بارعا للنظام الراسمالي ومدافعا عن حقوق العمال. ويذكر انه هاجم نابليون بونابرت عام 1849 وعلى اثر ذلك سجن ثلاثة سنوات.. وكان برودون- آناركيستا - لا يؤمن بالسلطة والدولة وقال: (ان الدولة لا يبقى لها لزوم في مجتمع لا يبقى فيه اقوياء او ضعفاء)... وهذا الاتجاه الفكري طرحه وناقشه افلاطون في كتابه - جمهورية افلاطون - كما ان ظاهرة الاباحية والاشتراكية ظهرت في بلاد فارس على يد - مزدك بن نامدان - قبل الاسلام. وظهرت مرة اخرى على يد - بابك الخرمي - في زمن الخليفة العباسي المأمون / -220 هجرية / القرن التاسع م. وكلها انتهت بطريقة ان قتل اصحابها ودفنت افكارهم معهم.
ولهذا نرى ان الافكار المتطرفة او الفوضوية التي ظهرت خلال مسيرة الانسان الحضارية، نراها تحمل بذرة الانهيار والسقوط منذ بداية نشأتها لانها لا تنسجم مع الفطرة الانسانية او الطبيعة الانسانية وتراثه القديم الذي انفطر عليه سوى كان في مجال الفن او الادب او الاقتصاد او غيره. ثم نراها سرعان ما تسقط و تندثر. مثل الحركة الدادائية وحركة Christo Javacheff- 1935 - والذي انطلق بافكار جديدة غير مألوفة وهي تغطية مساحات واسعة من الطبيعة بقطع القماش وكذلك الجسور والبنايات وغيرها. وكان آخر اعماله هو مد قطعة قماش بطول 39 كم . وفي سنة 2005 نصب 7503 اطار معدني في بارك نيويورك... وكذلك حركةHernan Nitsch 1938 حيث اتبع هذا الفنان طريقة جديدة في عمله هي مزج التصوير مع المسرح والموسيقى والطقوس الدينية منها مثلا حفلات جنائزية كصلب احد الاشخاص وخلفه حيوان مذبوح معلق او مسيرة جنائزية وفيها تقطر الدماء على ملابس المشيعين وغير ذلك.. ولهذا ربما سائل يسأل ماهي الفائدة او القيمة الجمالية الحسية او الفكرية من قطعة قماش تمتد 39 كم ؟؟
اما كوربيه فلم يكن بهذا التطرف الشديد بل نراه واقعيا في اسلوبه وتقنياته الفنية. الا اننا نراه غير مؤمن ومقتنع بالافكار الوضعية التي وضعتها الطبقة البرجوازية وكذلك الكنيسة وتلك التقاليد الجامدة. وهذا ما دعاه الى الثورة عليها. لقد اثر برودون على كوربيه فكريا و فنيا. وكانا الاثنان في صداقة حميمة وهموم مشتركة. ثم انتمى كوربيه بعد ذلك الى تجمع للاشتراكيين - كومونه باريس- cammune de Paris ولكن عودة المحافظين الى الحكم بزعامة نابليون بونابرت ادت الى اعتقاله ثم افرج عنه ونفي بعد ذلك الى سويسرا سنة 1873 حتى وفاته...
عصر كوربيه
كان عصر كوربيه تسوده الاضطرابات والفوضى بعد الانتكاسة للثورة التي اطاحت بالنظام الملكي سنة 1789 حيث ادت الى تحولات سياسية و اجتماعية كبرى في تاريخ اوربا واستمرت هذه الثورة عشرة سنوات ثم جاء نابليون بونابرت عام 1799 واعاد الملكية ووضع نفسه امبراطورا على فرنسا... ورغم ذلك استمرت فرنسا بمبادئها الثورية وانتشرت في اوربا وثارت على الطغيان والملوك وتغيرت كثير من الانظمة حتى قيل ( عندما تعطس فرنسا تصاب اوربا بالرشح )..
فوضوية كوربيه
وكان كوربيه فوضويا معتزا بنفسه يتحدى كل شئ ولا يعترف بشئ ويشعر انه يريد ان يغير شئ في المجتمع ولكنه لا يستطيع. ويقول عنه بودلير متهكما: (كوربيه ينقذ العالم).. وكان كوربيه محل جدل واثارة في الاوساط الفنية والثقافية.. وكتب ذات يوم رسالة الى اهله سنة 1852 يقول فيها (عندما اتوقف عن اثارة الجدل، ساكف عن كوني مهما).. وكان عنيدا مشاغبا (ابن مزارع) مستخف بالآخرين لا يرى الا نفسه، متمردا على عصره كما هو عند الدادائين. وكان يعتقد ان الاجيال القادمة هي التي تحكم وتقيم اعماله وانه ولد لذلك الجيل... ويذكر ان نابليون ذات يوم ضرب احد اعماله بالسوط فمزقها.
الواقعية في الفن
تعرف كوربيه على المفكر شانفلوري وهذا الاخير هو الذي اطلق كلمة الواقعية في الفن التشكيلي. وقد تأثر به كوربيه وكانت هذه العلاقة لها تأثير في مسيرته الفنية وبالتالي اتجه نحو الواقعية في الرسم. وكان يوصي اصداقائه برسم الواقع دون اللجوء الى الخيال. وعاش كوربيه في عصر انتشار طراز المدرسة الكلاسيكية الحديثة بزعامة انجر ودافيد والمدرسة الرومانسية بزعامة ديلاكروا.. ولكنه اتجه الى تأسيس الحركة الواقعية في الفن وحيث يقول: (الرسم فن ملموس ولا يمكن الا ان يعبر عن الاشياء الواقعية الملموسة)..
وكان كوربيه قد اهتم بمشاكل المجتمع بينما نرى سيزان ومونيه قد اهتما بمشاكل اللون ورسم الطبيعة. وذهب الى رسم العمال والفلاحين والفقراء كما هو ظاهر في لوحة - محطموا الاحجار 1849- ومرسم المصور 1854 - وبعد العشاء في اورنانز - وقد فازت هذه الاخيرة بمدالية ساعدته على عرض اعماله في صالون العرض في السنوات القادمة دون عرضها على هيئة التحكيم. وفي سنة 1850 قدم كوربيه تسعة من اعماله الى صالون العرض دون ان تمر بهيئة التحكيم منها - جنازة في قرية اورنانز 1850 -
في سنة 1855 رفضت اعماله من قبل هيئة صالون العرض منها لوحة كبيرة تدعى - مرسم المصور1854 - وفيها ظهر عدد من العمال والفلاحين واصدقاء كوربيه مثل الشاعر بودلير والكاتب الاشتراكي برودون وغيرهم وعلى اثر ذلك اتهم بالاشتراكية من قبل النقاد... وكان كوربيه يقصد من هذا العمل كي يكون شهادة فنية بمستويات متعددة المعاني قابلة للتأويل من قبل المشاهد كما انها تؤكد بان الفنان يستطيع ان يرسم فقط من تجاربه والواقع المحيط به. وان الموديلات هم من اصدقائه واهل بيئته واقعيون وليس جاؤا من عالم الخيال وقصص الماضي. كما نرى كوربه في وسط اللوحة يرسم منظرا طبيعيا...
كان كوربيه متوقد العواطف والفكر وقد دفعه ذلك الى رسم المسحوقين من عمال ومزارعين وكسبة وتمثل ذلك في العديد من لوحاته. ثم تشبع ذلك الحماس من خلال انتمائه الى جماعة من المثقفين المتمردين على الواقع المعاش في ذلك الوقت.. وهو يشبه بذلك حياة الفنان غويا الاسباني حيث كان شقاوه متمرد انظم الى جماعة تقدمية متمردة على ذلك الواقع المتخلف..
ورسم كوربيه لوحة - جنازة اورنانز 1850 وقد احدثت هذه اللوحة جدلا بين الاوساط الاجتماعية حيث رسم كوربيه الفلاحين جنبا الى جنب مع الاغنياء والقساوسة وفي الحجم الطبيعي.. ومن ذلك الحين اصبح للفلاحين قوة سياسية ومعنوية كبيرة. مما اثار العداء عليه من قبل الطبقة الحاكمة..
خاص "أدب فن"


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك