جورنيكا عراقية في بينالي ألبياك
عدد مرات المشاهدة :2775 - 02/ 10/ 2006
علي رشيد
علي رشيد
حدث ( أسود وأبيض ) افتتح هذا العام وللفترة من 10 - 7 - 2006 ولغاية 15 - 9 - 2006 بينالي ألبياك الأسباني وسط قرية رودالكيلار الساحرة والتي اختيرت كمكان لفعالية هذا الحدث الفني ، ومن خلال مشاركتي ، تم ترشيحي من قبل السيد مدير البينالي لتنفيذ عمل يدعى ( أكشن) بالأسود والأبيض وبمساحة كبيرة وفي الفضاء الخارجي أي خارج قاعات العرض . تاركا لي حرية الاختيار في تنفيذ العمل أو المواد المستخدمة . ترددت في البدء من فكرة تنفيذ هذا العمل ، خصوصا وأن اليوم المحدد له سيكون يوم 8 - 8 أي بعد مايقارب الشهر من موعد بدء البينالي ، ثم ماذا سيضيف هذا العمل لفاعلية اليوم الاول حيث الافتتاح الكبير والحضور الفاعل والاهتمام الإعلامي ، خصوصا وأن أي عمل سينفذ بعد مرور شهر على افتتاح هذا المعرض سيكون مرهونا بسكون المكان وتمثله لما احتوته قاعاته وساحاته من أعمال فنية لفنانين معروفين . فنانون متميزون بتأصيل واقع حداثي ، وبتجارب فاعلة في تكثيف اللغة البصرية وتعميم مفاهيم جديدة للفن بعيدا عن إغواء الطرح المباشر والكسول لمفهوم فن المتعة . كانت أغلب الأعمال المشاركة في البينالي هي تمثيل لفن اللحظة بكل عنفها ودلالتها وبساطة خامتها ، بل كانت الخامة السائدة في أغلب الأعمال هي الخامة المبذولة من مخلفات الاستخدام الحياتي ، أوراق وعلب كارتون وصفائح وحجارة كونت أشكالا هندسية وبناءات هرمية تنجز حياتها الغامضة ، أكياس شاي مستخدمة ( ليبتون ) خلقت كائنها الهش واقتنصت عزلته ، آثار عجلات سيارة على الأسفلت وهي تخلف كائنات مدهوسة ، كانت هناك أعمال تركيبية وأنستليشن وشاشات عرض كبيرة ، وحركة متداخلة وأصوات وظلال لأشخاص وأماكن مرشحة من إضاءات مكثفة . لقد نسجت الأعمال الفنية منطوقها البصري وسردها الدلالي من خلال البوح بأن أي عمل فني هو مكيدة تتشكل عبر تجريدها للواقع وتحريفها للأشكال وتأويلها للفكرة وتحريرها للمخيلة واباحتها للمطلق.
لذلك اعتمد النص البصري على سحر وطاقة الشفرة التي تستدرج الآخر الى مرموزاتها .لم تكن مهمة الأعمال طرح الأسئلة أو اختصار الوجود بأجوبة عقيمة ، بينما كانت قراءة مغايرة تبوح بمشاكستها للمتناقضات الحياتية التي افرزتها التحولات الاجتماعية والفكرية لعولمة تمد لسانها للكائن المندغم في غياب المجاهيل ، هذا الكائن اللاهث خلف صخرته التي انهكت سيزيفها . تجسدت خبرة المشاركين في القدرة على تسخير الفضاء لينضم الى عناصر العمل ومقارباته التي تبث وتستعصي ، تشير وتوهم ، تغري وتجافي ، مقاربات تقف على الضد مما تجسده الصورة العاكسة التي تختصر أبصارنا وتلقنها الرؤية. لهذا كانت الأعمال تخلخل مكامن الخيبة في عالمنا الشرس وحضارته الصادمة و تسخر من منطوقه الغرائبي ، كانت تحلق بعيدا عن إسطبل الفن الناسخ و المزخرف وألوانه الضاجة الناشزة . كانت الأعمال أحجية تساجل دون فهارس أو غواية لمعنى مباح أو لفكرة ، لهذا اشارت لفن يرتب أبجدية لاتشرح بل تقود الى بئرمن يقين يناقض الرؤية وثباتها . يقين يحتم على الفن أن يذهب بالمقدس ( المتهالك ) الى الجحيم ، وبالمركز( المتعالي ) الى هامشه ، وبالإشارة ( المرسومة ) الى اللامكان . كانت الأعمال تفتعل خصومتها مع المكان ، وسعة وبراءة الطبيعة التي تحتويه ، حيث سلسلة من جبال تحرس بهجته وتبرز ملامحه . كان المكان توحد لأندلس بحشد من نخيل وحرارة شمس تفرط في وهجها لتوقظ حماسة الزمن وربما لتستعيد تاريخه المنكفيء . هنا وهناك بين بوح الأعمال وسحر المكان ، كنت منقادا لتوحدي مع غياب كرس صيفي القائض بالهزائم هذا العام ، بدأ بالفجيعة التي أثقلت كاهلي بكل مساحة السواد التي رسمت المشهد هناك ، حيث لا مناص من أن يربك كيانك ( المشهد ) كلما تناهشته غيوم تتكاثف كمتاهات فوق سماواته ، غيوم ترسم حدثها (ها ) في جسد ه المحاصر بأحبار الأمم التي أفضت لشرط بقائه الهش . كانت الحرب تعصف بمكاني الآخر هناك ، حيث بغداد منقادة لموتها اليومي و المبرمج وبوتيرة باذخة . موت مفخخ يناصبها العداء ، فيبعثر صباحها الضاج بالانفجارات وينثر أجساد أبنائها الفقراء المتطلعين لضفة أخرى قد تتسع لأحلامهم ، وكانت بيروت تنجز رثاء مكررا لضحاياها ، بينما كنت أتلمس اختلال المشهد بين المكان الذي احتويه والمكان الذي يحتويني ، بين سحر المشهد هنا وسعة البحر وسلسلة الجبال وضحكات الناس ومرحهم وسعادتهم ، وبين عتامة الصورة هناك وهمجية الخراب ومشاعة الموت . كان عليّ يوم 8 - 8 تنفيذ العمل الذي رشحني لتنفيذه مدير البينالي وعند حضوري الى المكان اكتشفت أن الفكرة أكثر سعة من تنفيذ عمل ، كان المكان يعج بالناس ممن حضروا لتدوين فاعلية اليوم وحماسة الحدث ( الأكشن ) ، كانت الصحافة حاضرة والتلفزيون ، مصورون وفنانون ومسؤولون وطلبة أكاديمة الفنون . إنه يوم مفرط بالمراسيم ، حتى احسست بثقل وحجم المهمة ، بل وبالتحدي المشوب بالقلق ، خصوصا وإنني والى لحظة وصولي الى المكان للبدء بالعمل لم يكن في الذهن أي تصور أو مخطط وطريقة للتنفيذ .
ثم لم يكن بإمكان أي مساحة أن تختزل كم الألم الذي ينهش يومي ، لأن متابعتي لأخبارالحرب وحتى ساعات متأخرة من الليل لم تترك لي مجالا للتفكير في رسم صورة مغايرة لما ترسمها الشاشة في مخيلتي وهي تستعرض بخيانة مهذبة معاناة الناس هناك من على فضائيات عدة تبث موتا مبرمجا وتنقله لمشاهديها الأعزاء بالصوت والصورة ، كانت تتبارى لتنقل للمشاهد فظاعة المشهد ودمويته ( الضاحية الجنوبية لبيروت أو أحياء الفقراء في بغداد ) لا لتنقل الحقيقة أو لتدين الفعل ، بل لتنجز السبق وتكرس الحدث . كان عدد من طلبة الأكاديمية يتهيأون لتعليق خمس قطع من القماش ( الكنفاس ) ستكون مجتمعة بطول 12 متر تقريبا وعرض مترين على جدار أخرس ودون ملامح ، لكنني كنت مشغولا عنهم في البحث عن المكان الذي يمكنني التشبث بخرائطه التي ستفتح لي حدود الشكل الذي سيجاري النص الذي سينجزه السواد ، لم يكن عليّ أن ألبي شروط المكان ، بل كنت أبحث عن مكان يلبي شروط المراثي الذي استحضرتها وأنا اتلمس سطح البياض النهم للقماشة التي ستتشرب مراسيم الغواية وبيانها . كان هناك جدار متهدم لبناية قديمة وأمامه مساحة من الأرض الحجرية المتربة ، حينها تناص المشهد المتخيل هنا مع المشهد الذي تنجزه الحرب هناك . هل سيكرس السواد هنا الصراخ والرعب والموت هناك ؟ وهل ستنقل صداه (الأكريلكي ) الجبال التي تحيط بالمشهد ( الضاج بالحياة ) هنا ؟ .فرشت القماش فوق الأرض المتربة وأحجارها ، ثم بدأت العمل من حيث لا حدود تتسع لمكنونه ،من نقطة لم أعينها رسمت حدود البلاد وأوزارها ، رسمت حروب الله وقياماته ، رسمت رماد الحضارة وتعاليمها المبتلة بالرصاص* ، رسمت السماوات وهي موشحة بالطائرات ، رسمت المدن مسحوبة لغيابها الفج ، رسمت بغداد وبيروت وغزة وكربلاء ، رسمت الأمهات وهن ملتفعات بسواد الوقار والموت ، رسمت الطفولة نثارا يهزأ من حكمة الخلق ، رسمت الصراخ الذي يختلج في نفسي على كل هذه الفقدانات ... الوطن ، الأهل ، والأخوة الضحايا ، وفقداني الأكثر وجعا ........ هل حقا دونت كل هذا ، وبالأسود وحده ؟ . جورنيكات لم يكن لي ملاذ سوى أن أتعاطى مع الموت هناك أو هنا فوق القماشة ، كنت أرسم وأدون وأفصح وأواري ، كنت أقرأ العزلة التي يؤثثها الموت بتاريخنا ، كنت منغمسا في استعادة حشد الجورنيكات وقداسها الذي لم ينتهي بعد ، وأنا استرجع تاريخ المصطلح الذي فهرس خطيئة أن تسكب الأسود وتسترسل في سحبه نحو حافة البياض ليصرخ أحدهم جورنيكا مغايرة .كتبت الصحفية الأسبانية أندريا مارتينس ويستلي في صحيفة صوت الميريه بتاريخ 9 أغسطس 2006 إن العمل الذي نفذه الفنان علي رشيد في بينالي ألبياك هو جورنيكا عراقية ، قبلها وفي عام 2003 عرضت جدارية لي أسميتها (الغياب) وبطول عشرة أمتار على قاعة الأكاديمية الحرة في دنهاخ، وكان العمل صرخة أطلقتها ضد تدمير البلاد من قبل المحتل وبحجة الطاغية والذي لم يكن ليساوي هو ونظامه وأزلامه قطرة دم تهرق من جسد طفل ، كان العمل نبوءة بحجم الكارثة التي سيشيعها الاحتلال والتي ستكمل دورة الرعب والكوارث والجرائم التي أشاعها الطاغية ، كتب حينها صحفي هولندي وفي مجلة ( بولخري ستوديو ) إ
ن الفنان رسم كورنيكاه كإدانة للدمار الذي عصف ببلاده ، كان الدماروالخراب الذي أفرزته الحرب ،والموت المفرط والحرائق التي سكبتها سماواتها على المدن العراقية كافية كي تخدش الفرح ( سقوط الطاغية ) الذي طالما انتظرناه ، بل وتواريه . عام 1977 ، وحين عرضت مجموعة من التخطيطات التي نفذت زمن الحرب الأولى من حروب الدكتاتور المشبوهة الأعداد والمسميات ، كتب في دليل المعرض أنها جورنيكا مغايرة ، أنها بانوراما للبشاعة التي ترتكب هناك . يا إلهي بيكاسو بعظمته لم يرسم سوى جورنيكا واحدة ، وهاهم أحفادها أناس يمتثلون لشرط الحياة بزهوها وسعادتها وإلفتها وسلامها وأمانها ،فالأطفال يلعبون بمأمن من الرصاص أو الشظايا ، والنساء يمارسن الغنج ويحتفلن بطقس أنوثتهن بعيدا عن الاختطاف ، والرجال يتقافزون بفرح الصبية وهم يركضون ببهجة نحو البحردون خوف من سكين ملثم يحز رقابهم ، بينما نحن نؤرشف لجورنيكات متلاحقة ، جورنيكا للطغاة ودمويتهم ، جورنيكا للاحتلال ودماره ، جورنيكا للإرهاب وجرائمه ، وهمجيته البهيمية والعدوانية ، جورنيكا شاسعة الخراب أحزانها تحرق احلامنا وتدك مصائبها أجسادنا المباحة للنثر من بغداد إلى بيروت . كم جورنيكا مقبلة علينا انتظارفجيعتها النهمة ، ثم علينا ان نحملها معنا لمشاركات قادمة ؟ . دع الرفات تستريح كانت ظهيرة ذلك النهار ساخنة ، وبعد حوالي ساعاتين ونصف ، كان الحدث ( الأكشن) بالأسود والأبيض يبدو كأثر يرقد فيه عالم من الصراخ والوجع والأجساد ، والذكريات ، والاسماء ، والدمى ، والكلمات ، كان البياض قد استنفذ شرط العمل وهو يتشرب السواد المتناص مع سواد آخر أكثر عتمة وفجيعة . احتفل الجميع بنهاية هذه المشاكسة التي أوجعت المكان وثلمت سكينته وألفته ، وعند دعوة الغذاء التي أقامتها إدارة البينالي رفع الجميع أنخابهم ، اقترب مني السيد مدير البينالي ليؤكد شكره لي وليبدي سعادته ورضاه عن هذا اليوم ، وعن النجاح الذي تحقق ، لكنه باغتني بالسؤال عن تصوري للطريقة المثلى التي سيعلق فيها العمل الذي أنجزته ، وعن الكيفية التي يمكنني فيها استرجاعه أو إعطاء البينالي حق الاحتفاظ بالعمل ، لكنني فاجأته بطلبي ، بأن يترك العمل بمكانه ، وأن لا يرفعه أويحركه ، لندعه يتوغل في سكون المكان ، وبعد صمت همست له لندع الرفات تستريح . عند ا


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك