أدب فن: الفنان (دلشاد كوستاني ) بين نار كركوك الازلية وحنين الاغتراب الفنان (دلشاد كوستاني ) بين نار كركوك الازلية وحنين الاغتراب ================================================================================ محسن الذهبي on 28/ 8/ 2010 تخليد الضوء في مواجهة الواقع تحكي النصوص البصرية للفنان العراقي المغترب في فرنسا ( دلشاد كوستاني ) وبروح ذات شفافيه عالية وحس بصري جميل تجربته الجمالية التي تعتمد على معالجة اللون على سطح اللوحة بشكل متميز في تفرده الاسلوبي ، حيث نراه يتجه إلى التزاوج والفيض اللوني ليطرح ببساطة أسطورة فنون الطبيعة الخالية من الفعل الحياتي اليومي معتمدا على المضمون وقوة الشكل الفني الذي يمتلك الاهمية الاستثنائية ، اذ بنى تجربته التشكيلية خلال سنوات الاغتراب التي استمرت اكثر من 12 عام على فكرة ايحاءات اللون والغور في اعماقه أكثر فاكثر ، فالفن عنده ليس هو الواقع المجرد بحد ذاته لكنه الإيهام في خلق الواقع المبتكر، ولكي يعمق تأثيرالشكل في التكوين التشكيلي فهو يشخص الفضاءات المجردة للتعبيرعن الرمز الذي يبدأ من الواقع ليتجاوزه ليصبح أكثر صفاءا وتجريدا، ولا يصل هذا المستوى التجريدى إلا بتنقية الرمز من تخوم الواقع وتفصيلاته بشكل لا يبتعد عنه كثيرا . لقد اتخذ الفنان( دلشاد كوستاني ) من اللون وسيلة للتعبير عن القيم الشكلية، فهوعنده يعبر عن جميع النواحي الجمالية المحضة عن طريق التوافق وفق قانون جمالي من الصعب تحديده ولكنه مختمر في بصيرته ، اذ يجعل المكونات الجزئية او الصور اللونية منسجمة مع بعضها في تأليف موضوعي وحبكة متجانسه في كل مكونات العمل الفني ، فيمازج بين الالوان الهادئه والصارخة مزجا اقرب ما يكون الى سريالية الذاكرة المفتقدة الى التباين . لتتماهى الألوان وتتنوع سمات بروزها في لوحات الفنان التشكيلية مما يخلق حوارا لونيا أخاذا تمخض عنه حالات صورية تجريدية ابعد ما تكون عن التشخيصية ، فكل لون في اعماله يحاول طرح نفسه بشكل ايجابي و بقوة بجانب اللون الآخر، وهذه هي اللعبة التي اجتهد في خلقها الفنان وهي لعبة التجاور اللوني وتمازجه والتي اراد بها أن يعبر باللون عن عاطفة الإنسان المتمثلة بتشكيل تجريدى يفتش من خلاله عن علاقة جديدة تفك بها رموز الوعى المغلقة ، أمام ذاته أولا كفنان وكمبدع يعيد صياغة الاشياء كي تظهر هذه العلاقة واضحة وجميلة ، تنقلها من صورتها المغلقة ، البعيدة ، الغنائية ، ويستحضرها - مثل ساحر- إلى وجود محسوس ومن اجل ان تدخل المتعة في نفس المتلقي. ان اعمال الفنان (دلشاد كوستاني) تاخذنا نحو عالم التجريد الموسيقي الذي يتحرر من القيود، ويبتعد عن الفنون الروتينية التقليدية، تعلم ذلك بالتجربة فهو لم يدرس الفن دراسة اكاديمية بل استدل بوعيه الفطري التجريبي على قدرة الفنان على الابتكار،اذ وجد ان هذا الأسلوب من أساليب الإبداع التشكيلي المتعددة الرؤية سيوغل في إشباع العين قبل العقل ونكتشف زوايا متتجددة مع كل مرور على تلك الأعمال مع ما يسبقها من تساؤلات في إضفائه الإيحاء اللوني, فألبس جميع أعماله الفنية تقريبا لباس الدهشة اللونية الغرائبية كي تشكل عمقا فنيا ودراية عالية بحرفة الفن وأدوات خلقه الأساسية فهناك إنحباسات ضوئية تناشدنا بتناغمها اللوني فهي أشبه بالإيقاع السمفوني تناشد العالم الاقلاع عن دائرة الحواجز, لذا هو رحل بعيدا وحشد كل ضربات فرشاته, وفتح فجوات كثيرة على سطوح لوحاته ليحمل طلاسم المجهول والمسكون في ذاكرته الجميلة المثقلة بالعفوية والبراءة الرائعة, ومن ثم ينقل كل هذا الكمّ المسكوت عنه من تأملات زمكانية واستذكارات طفولية. كل هذه الدلالات وزّعها على سطوح لوحاته ليخلق دهشة بصرية , ليضع المتلقي أخيرا أمام حزم ضوئية منبعثة من تراكمات في ذاكرة الفنان وقعا فنيا رائعا . ان علماء الجمال يؤكدون بعدم ضرورة التزام الفنان بمحاكات الواقع المألوف ، بل يحصرون مهمته في ايجاد الاثارة والتامل من خلال توليد معاني جديدة للواقع باعاده صياغته وفق نسق جمالي مبتكر لذا نجد جهود الفنان انصبت على مزج ألالوان الهادئة والصارخة والتي لن تفقد بريقها وتبقى مؤثرة في النفس فلايستطيع المتلقي تجاوزها بيسر بل تترك أثرا واضحا في الذاكرة و تأثيرا على نفس وروح المتلقي. ان طبيعة الفنان تحب الخروج عن المألوف . لقد عرضت لوحاته التجريدية في اشهر الصالات الفرنسية والتي تتضمن رموزا معينه رغب في ايصالها للمتلقي فحاز على مجموعة من الجوائز العالمية وحصد الذهب والفضة في مشاركاته الفنية في العديد من عواصم العالم من اليابان الى كوريا الجنوبية ولعل استقبال الرئيس الفرنسي له وتكريمه الا دليل على على قيمة هذا الفنان العالمي الذي شارك في اكثر من خمسين معرض في فرنسا وحدها واقام اكثر من خمس عشرة معرض شخصي فيها وكذلك اسس لقاعة ديوليت للفنون التشكيلية في احد اهم المدن الفرنسية . اننا نرى ان أغلب اللوحات التي ركز فيها الفنان على الألوان المتعددة، ما هي الا حالات تراكمية لمجموعة من المناخات التي عاشها في أماكن طفولته في مدينة كركوك العراقية حيث النار الازلية والالتصاق بالارض والتراب وموروث العادات التقاليد فقد بدأ حياته هناك شاعرا يتغنى بالجمال ثم استهواه الطرب فتغنى بحب الوطن والطبيعية لكنه لم يجد نفسه الا حين امسك بالفرشاة وراح يجد لنفسه طريقا للتعبير من خلال الالوان لتكون لوحاته مستوحاة من الحياة والطبيعة وما يدور حولها ويلفت نظره او يثير اهتمامه ممزوجا باحلامه وخيالاته الخاصة واخرى تجريدية مع بعض التعبير الرمزي والتي وسمت معظم تلك الأعمال بالبهجة ونورا داخليا يشع بشكل ما فهو يستشف البواطن من الظواهر ليظهر كوامن النفس المرهفة فنستطيع مشاهدة ذلك الفيض الهائل من الطاقات الداخلية حين يضعنا وجها لوجه بازاء عالمه المتفرد والذي لا يقل جمالية عن عالم الواقع .انه يضفي على تكويناته من الثراء والحيوية ما يجعلها اكثر ثأثيرا من الواقع ذاته لان الفنان يعبر عن غاية جمالية ليست مقتصرة على اللون او الخط فحسب ، بل على امور كثيرة لتحقيق هذا التناغم ، وما يتمتع به من صفة الابداع التي يجب ان يتمتع بها عمله لكي يعطي بعض هذا العمل الفني قيمة عالية. فهو يحاول ان يوثق لذاكرة التشكيل من خلال تجارب جديدة تجمع بين سحر الضربة وصفاء الضوء واللون. ان الفنان( دلشاد كوستاني ) لا يستجيب الا لصوت الابداع الداخلي الذي يسكنه كمبدع يحاول طرح رؤاه الجمالية التي لا تنفلت في خروجها من عالم الذات إلى فضاء اللوحة المفتوح على مديات واسعة من التأويلات التي حاول التعبير عنها بغموض مقصود ليجسد رموزا معينة بابعاد تجريدية يتطابق فيها البعد الأثيري مع شكل الكتلة ليبقى صوتا تشكيليا عراقيا متميزا يشع في اجواء المنفى .