النغم والايقاع... في الفنون التشكيلية
د. كاظم شمهود
من أعمال تيرنر
كثير ما ترتبط كلمتي النغم والايقاع بمجالات الموسيقى واوزان الشعر العربي و قلما نجدها متداولة الاستخدام في الفنون التشكيلية والسبب يعود الى ظهورها متأخرة مع ظهور النقد الفني في القرن السادس عشر في اوربا ........ ولكننا عندما ندخل في هذا العلم الراقي لا ننسى العالم العربي الجليل الخليل بن احمد الفراهيدي ( 100 - 173هجرية ) وهو من كبار علماء البصرة في اللغة والنحو وصاحب علم العروض لاوزان الشعر العربي وكتب النغم والايقاع و العين وعلم الموسيقى وغيرها، والتي لازالت تقرأ وتدرس في مدارسنا... اما لماذا سمي كتابه بعلم العروض فيذكر انه كتبه في مكة المكرمة في منطقة العروض .
ويقال ان الفراهيدي كان يوما يمشي في احد الاسواق يردد بيتا من الشعر فسمع مطرقة على طست ( صحن ) فاذا هو يستنتج من وقع المطرقة - مقارنة بين ايقاع المطرقة وبين ايقاع الفاظ بيت الشعر.
وبالتالي ادى به الى اكتشاف بحور الشعر العربي المعروفة ( وهي 15 بحرا ).
وكان كلما يعود الى بيته يتدلى الى البئر و يبدأ باصدار الاصوات بنغمات مختلفة ليستطيع تحديد النغم المناسب لكل قصيدة .
كما يذكر ان كلمة ايقاعRitmo اول ما استخدمها الغرب في الشعر اليوناني واللاتيني واللغات الاوروبية، فكان احد مكونات عروض شعرهم , واستخدمت ايضا في الموسيقى , واعتبرت همزة وصل بين فنون الكلام وفنون النغم ...
والايقاع مصطلح ورد في الثقافة العربية للدلالة على مكونات الموسيقى و يقابل هذا المفهوم مفهوم
الوزن في الشعر العربي . والايقاع له تعاريف كثيرة مرتبطة بالمجال المعرفي او السياق الدلالي الذي يظهر فيه... ويستخدم في المجالات الفنية والجمالية كالرقص والرسم والنحت، وهو خاضع لتصورات الناقد واحاسيسة وانطباعاته... والبعض يتكلم عن ايقاع القلب وايقاع التنفس وايقاع الليل والنهار ...
وهو يعرف بطرائق مختلفة متفاوتة الدقة , وتكون معانيه مرادفة للسرعة والتناوب او الزمن .
والبعض يعرف الايقاع بانه طريقة لتنظيم الحركات المتكررة او هو منهج لمعالجة ظاهرة تكرار شئ معين , ويعني ايضا شكل من تأليف الاصوات في تتابع لغوي ...
والايقاع ظاهرة مألوفة في طبيعة الانسان نفسه , فبين ضربات القلب انتظام وبين وحدات النفس انتظام وبين النوم واليقظة انتظام , وهذا الايقاع فطري يثير فينا الراحة والطمأنينة و نقلق اذا فقدناه ...
واذا نظرنا الى ظروب الايقاع في الطبيعة لوجدنا انها وثيقة الصلة بشروط بقاء الانسان نفسه وايقاعاته الذاتية . فكل عمل يؤديه الانسان لابد ان يكون خاضعا لنوع من الايقاع الذي ينسجم مع ايقاعات الطبيعة، فهناك ايقاعات كونية وهناك ايقاعات يومية وهناك ايقاعات ذاتية .. فلو حدث مثلا خلل في ايقاع حركة الارض لانعكس سلبا عاى حياة الانسان .
لهذا فان كل عنصر من عناصر العمل الفني كالخط واللون والمساحة والنور والظل لابد ان يحقق نوع من الايقاع مع نفسه ومع سائر العناصر الاخرى التي تشارك في العمل الفني ..
والايقاع في الفن الاسلامي يعتمد على التماثل والتناظر والتبادل كما يعتمد على الخط اللين والهندسي .
والخط نجده احيانا له ايقاع متراقص يوحي بالمسرة ... وتوزيع العناصر في المنمنمة بشكل عمودي يوحي بايقاع الخفة والطيران ............. وحتى في الفن الحديث نجد ان الفنان يتصرف بايقاع فطري او وجداني او عن طريق اللاشعور .
والنغم : هو جرس الكلمة وحسن الصوت في القراءة . والنغم الكلام الخفي والنغمة الكلام الحسن ...
وسكت فلان فلا نغم بحرف وما تنغم بمثله وما نغم بكلمة... والنغية مثل النغمة , وقيل النغية ما يعجبك من صوت او كلام. وناغى الصبي: كلمه بما يهواه ويسره.
والنغم في العمل الفني يختلف عما هو في الموسيقى ولو ان مصطلح الوان تستخدم في الموسيقى ايضا فيقال مثلا ان فلان المطرب في تنوع - لون النغم - اي ضعيف او يقال ان السيدة س المغنية ليس لديها لون.... وهكذا. فهناك اذن تداخل في المصطلحات بين الفنون التشكيلية والموسيقى .
والنغم في الفنون التشكيلية هو الشدة النسبية لكل لون من الالوان المتعددة بالنسبة للضوء العام للرسم او هو تنظيم الالوان لكي تتوافق مع مقياس محدد .. وبالتالي يتحدد النغم السائد للرسم .
وكان فنانوا عصر النهضة في اوربا جل اهتمامهم هو اعطاء دورا بارزا للظل والضوء في خلق
تناغم متزن في العمل الفني كما هو عند رمبرانت, حيث كان الاهتمام الكبير في البناء الهندسي للصور والتوزيع للاضواء والظلال .....
وكان راسكين قد كتب في كتابه (مصورون محدثون) محاولة لتحديد معنى النغم في الرسم (انني افهم شيئين من كلمة نغم اولها الارتياح الكامل والعلاقة بين الاشياء في تضادها، وبالنسبة لبعضها البعض في كثافتها وعتمتها..... وثانيا النسبة الدقيقة بين الوان الظلال الى الوان الاضواء حتى يمكننا ان نشعر على الفور بان تلك الظلال ليست الا درجات متفاوتة للضوء نفسه..)
اما في الرسم الآسيوي فيختلف النغم حيث ان الخط يلعب دورا اساسيا في تحديد الشكل وكذلك في الفن الاسلامي والفن الاوربي الحديث. حيث ان التناغم بين الالوان او الخطوط يمكن لها ان تشهد ايحاءا بالضوء والظلال نتيجة تقارب الالوان النقية غير المخلوطة كما هو عند المدرسة الوحشية خاصة الفنان الفرنسي ماتيس .
والخط في الفن الصيني يعطي الوضوح والايقاع الدينامي وربما اوحى لنا بالكتابة او الشكل الصلب الذي منحه النغم التعبير المكاني الكامل.
ولكن كونستابل قد ثار على كل هذه التقاليد التناغمية وتبعه في ذلك ترنر Turnerحيث كان اكثر ثورة وانطلاقا والذي يعد اعظم الملونين الذي عرفهم العالم , ليرسموا لهم تناغما جديدا في الالوان وفي الضوء والظل. وقد شاهدت اعمال ترنر في Tate Gallery في لندن. ومن اعماله الرائعة التي لفتت انتباهي ونظري لوحتين هما - مدينة على ظفاف النهر - 1833 - و المركب الحربي - 1838 - وفي هاتين اللوحتين يجسد ويبرر لنا ترنر من انه هو والد الانطباعية .
اما سيزان فقد رسم هو الآخر نغما جديدا حيث رسم اللون رمزا في معظمه, وعنده اللون يحمل الشكل بغض النظر عن الضوء والظل .
ومن ذلك يتضح لنا وجود ثلاثة اتجاهات فنية في النغم والايقاع ومسالة التعبير وهو ما يؤكده بعض النقاد وهي:
- الاسلوب التناغمي
- الاسلوب الرمزي
- الاسلوب النقي
الاتجاه التناغمي شاع استخدامه في عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر حيث ظهور المدارس الفنية الحديثة والانقلاب الذي احدثته المدرسة الانطباعية على التقاليد الفنية القديمة بزعامة ترنر وغيره من رواد هذه المدرسة... وقد تحدثنا عنه سابقا . اما الاتجاه الرمزي فهو عادة ما يستخدمه الانسان البدائي والطفل حيث يستخدم اللون لاجل مغزاه الرمزي فالطفل دائما يرسم الشجرة باللون الاخضر والبركان باللون الاحمر والسماء زرقاء , وهكذا... وقد وجدت رسوم قبائل - البوشمان - البدائية في روديسيا وجنوب غرب افريقيا وكذلك وجدت رسوم بدائية لانسان الكهوف في التاميرا شمال اسبانيا وهي متشابهه في اسلوبها الرمزي. ويمكن مراجعة كتاب - فن البوشمان - تأليف هيجو اوبرماير وهربرت كوهن 1930 .
واستمر هذا الاسلوب حتى نهاية القرن الخامس عشر حسب بعض المؤرخين .
واما الاتجاه النقي فهو يعني استخدام اللون لنفسه وليس حتى من اجل الشكل كما هو في المنمنمات الاسلامية وكما هو عند المدرسة الوحشية وكوكان وماتيس. وهو اسلوب شاع استخدامه في العصور الاسلامية وكذلك في العصر الحديث .
خاص "أدب فن"


Digg
Delicious
Facebook
Yahoo
Goggle

التعليقات (1 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك