أدب فن: ألبرتو جياكوميتي برونزية "الرجل الماشي" تفوز بعد رحلة طويلة ! ألبرتو جياكوميتي برونزية "الرجل الماشي" تفوز بعد رحلة طويلة ! ================================================================================ أحمد فاضل on 10/ 3/ 2010 لم يكن الرسام والنحات السويسري المولود في الجزء الناطق بالإيطالية في سويسرا " ألبرتو جياكوميتي " يتصور يوما وبعد 55 عاما من إنجاز تمثاله البرونزي " ألرجل السائر " ان يفوز بمبلغ خيالي في مزاد بلندن لبيع التحف والأعمال الفنية بلغ 65 مليون جنيه استرليني أي ما يعادل اكثر من 104 مليون دولار : ولو كان جياكوميتي حيا لسقط ميتا من هول المفاجأة . ينتمي عمله هذا الى المدرسة التجريدية ويمثل رجلا جادا في السير لايزيد ارتفاعه عن 183 سم ، كان قد انتهى منه عام 1960 ليضمه الى بقية اعماله النحتية التي لاتقل عنه جودة ، في مشغله الباريسي ، جياكوميتي وبسبب طبيعة عمله وصداقاته الحميمة مع الفيلسوف " جان بول سارتر " تعرف عن كثب على الحركة الوجودية التي سادت في خمسينيات القرن الماضي ، وعكس هذه الفلسفة على جزء من فنه الذي اكسبه أهمية تاريخية نظرا لتمازجها مع الفن التجريدي الذي بدأ يغزو الساحة الفنية آنذاك مع بدء انتشارها . ولد جياكوميتي عام 1901 في سويسرا ، وجاء من خلفية فنية فوالده جيوفاني رساما معروفا جدا في مرحلة ما بعد الانطباعية التي سادت اوربا ، وهو - أي البرتو - كان الاكبر سنا من بين اربعة أطفال ، وكان دائما وخصوصا مقربا من شقيقه دييغو الأصغر منه سنا بأعوام قليلة ، أنهما كانا يهتمان بالفن اكثر من باقي اشقائهما ، لكنه ومع ولعه ذاك كان مولعا بقراءة القصص الخرافية التي تحتوي رسوما وتخطيطات لرجال ونساء اشبه بالاشباح ، فقرأ " سنو وايت والتابوت الصغير " وقرأ ايضا عن عالم الاقزام والتي ترسخت صورهم في مخيلته وعندما بلغ التاسعة عشر من العمر بدأ يتعرف على فن الرسم حينما كان يتسلل الى الاستوديو الخاص بوالده فرغب في رسم كمثرى كانت ملقاة في صحن ، وبدأ في رسمها حتى دخل عليه والده ووقف يتمعن به وهو يرسمها ثم اعطاه بعض النصائح مما سهل عليه دخوله مدرسة الفنون في جنيف . أطل العام 1920 عليه وقد انهى مرحلة مهمة من التعرف على المدارس الفنية لكن حلمه كان ايطاليا فحزم حقائبه وسافر الى البندقية وهناك تعرف على الرسام " تنتو ريتو " الذي الهمه الشيئ الكثير من الفن الذي كان لايعرفه ، وفي عام 1922 ذهب الى باريس لدراسة فن النحت على يد النحات الفرنسي " بورديل " في مدرسة دي لا التي تعلم فيها الكثير وبعد ثلاث سنوات استطاع هو وشقيقه من إقامة محترفهما معا ، وفي عام 1927 أقام أول معرض له في زيوريخ وتوالت اعماله حيث عرض عام 1928 تمثالين في غاليري جان بوشر ، ومع اتساع شهرته التقى " ماسون " والدائرة المحيطة به في باريس ووقع عقدا مع " بيار لوب " لعرض انتاجه الفني واعقب ذلك انضمامه الى مجموعة السريالي التي انسحب منها لأنه اعتبرها فيما بعد " بدعة كبرى " لعدم تطابق افكارها معه بعد معرفته لها من خلال تماسه مع نظريتها القائلة - نحن لانعترف بأي شيئ ويمكن أن نفهم كل شيئ - وادار ظهره لها وانسحب . كان العام 1930 عاما مأساويا عليه فقد توقفت مسيرته مرارا وتكرارا بعد حادث دهس ألم به وجعله مقعدا لفترة طويلة ، لكنه لم يتوقف عن عمله فانجز خلال تلك الفترة اعمالا نحتية لم يشارك بها في أي معرض من المعارض الفنية التي كانت تقام في تلك الفترة بسبب ذلك الحادث الأليم ، وقبل ان تقوم الحرب ، عقد صداقات جديدة خاصة مع الفيلسوف " جان بول سارتر " و " سيمون دو بوفوار " ، ولكنه انتقل الى سويسرا مرة ثانية بعد استمرار الاحتلال النازي لفرنسا وتشديد القبضة عليها ، وبوصوله جنيف عاش وعمل في غرفة صغيرة بأحد الفنادق وهناك التقى " آنيت " التي تزوجها فيما بعد ، وخلال سني الحرب الممتدة من 1935 الى 1940 حدث تطور هام في اعمال جياكوميتي حيث أنجز نماذج لمنحوتات أحدثت هزة في الوسط الفني والثقافي السويسري ، ولوحات وتخطيطات لشخصيات وهمية بينما ظلت صورة الكومثرى التي رسمها في سنوات المراهقة قابعة في الاستوديو الخاص بوالده معلقة في ذاكرته وهو ينجز اعماله بعبقرية وتميز . عاد جياكوميتي لاحتلال مرسمه في باريس الذي كان لايزال سليما بعد انتهاء الحرب فوجد نفسه قادرا على تقديم منحوتات ذات ابعاد اكثر طبيعية لكنها هذه المرة طويلة ونحيفة ، ومع عودته تلك عادت بعد ذلك بقليل زوجته آنيت لتساعده في انجاز اعماله الجديدة التي عرضها في غاليري " بيار ماتيس " ونيويورك ، وكان الكتالوج الذي كتبه سارتر قد فعل الكثير من الترويج لفن جياكوميتي المبني على الواقع الوجودي آنذاك . شهدت الاعوام 1948 وأواخر 1950 مزيدا من التطور في عمله ، وقد وصف اللورد جيمس في كتاب وضعه عنه قوله : ( ان جياكوميتي فنان ينطلق من روح الدعابة ليبدد اليأس الذي نحمله ، وهذا الأمر يجده الناظر لأعماله متمثلة بتلك الاشباح الطويلة التي تدعو للضحك احيانا بينما نكتشف ان هناك حزنا دفينا يتلبسها ) . في عام 1962 حصل على الجائزة الكبرى للنحت في بينالي البندقية والتي يأمل الكثير من الفنانين المعروفين في مجالي الرسم والنحت ، من الفوز بها ، وبعد عام واحد بدأت صحته بالتدهور فقد خضع لعملية جراحية بعد التأكد من اصابته بسرطان المعدة ثم مرض القلب والتهاب القصبات المزمن ، هذه الامراض التي غزت جسده المتعب أفقدته حياته فتوفي في يونيو / حزيران 1966 في نوشاتيل بسويسرا ، بعد ان ترك لنا اكثر من 250 عملا نحتيا وتخطيطات ورسوم لاحصر لها ، ضم هذه الاعمال كتاب صدر عنه مع دراسة مستفيظة لأفكاره وتنقله بين مدارس الفن المعروفة ، هذه الرحلة الطويلة انتهت لتفرغ حمولتها في مزاد " سوثبي " بلندن ببيع واحد من تماثيله " الرجل السائر " وبمبلغ خيالي لم يكن ليباع في حياة جياكوميتي ببضعة آلاف من الجنيهات . خاص "أدب فن"