علي النجار أقتراب حذر من الكوابيس
عدد مرات المشاهدة :2105 - 31/ 8/ 2006
حجم الخط:
عدنان المبارك ..
يخلق تشكيل علي النجّار الإنطباع بأنه قد ترك الأرض كـ(إمتداد تحتي) ينوء بحمل الأشياء والمخلوقات. إنه تصوير يتوجه صوب الأبعاد الأخرى: الفضاء الجوي، الفضاء المائي. ونحن نقوم هنا برحلة كونية أو أخرى في أعماق البحر أو غيره. بهذه الصورة يملك هذا الفنان تعريفه الخاص بالفضاء. وهو تعريف بالغ الخصوصية : المكان هنا لا نكتشفه بمعونة أقليديس ولا آينشتاين. فالخطان المتوازيان يلتقيان عند هذا الفنان قبل أن يغادرا فضاءه ويصلا الى الآخرالكوني... إلا أن طاقة النجّار الفنية تعيدنا الى الأرض والإنسان. وهي عودة الى فضاءاته التي إختارها من بين أخرى يلتقط هذا الفنان كلى العالمين: الداخلي و الخارجي. وله فيهما مختلف الأمزجة ومواقع النظر الى الإنسان والحياة وكل شيء. فمرة يقترب من الكرنفالات الكابوسية لجيمس أنسور، أو الغرافيك الحلمي – الكابوسي لفرانسيسكو غويا، و في أخرى من (تشريحية) فرنسيس بيكن. إلا أنه مهما كانت فظاعات الإثنين (الداخل والخارج) يبقى النجّار ساحر ألوان. والغريب أن اللون، هنا، لايقتحم، عنوة، دراما الإنسان بل يأتينا حاملا النقيضين: دفقة واضحة من الفرح الماتيسي لكن بتحفظ ٍ(فالنجّار لايشبّه الفنَّ بالكرسي للجسد المتعب...) وذاك التوتر التراجيدي لتعبيرييّ الشمال... إنه يلجأ الى (فنتازيا) اللون كي يحافظ على حنينه، وعليّ الإعتراف بأنه لا يخلو من الغموض، الى الحياة بقطبيها: بهجة الحواس ودراما الوجود.
لقدأدرك هذا الفنان أن المهمة ليس التسجيل (الخنوع) و لا الطرح الذهني و لا منح الفكرة جسدا تشكيليا. فالقسريات الواعية لا تفيد بشيء هنا، ولأن المهمة تخص جوهر كينونة الفنان بشقّيها البيولوجي والميتافيزيقي. ما أردت قوله: ليست مهمة الفنان أن يستعير أدوارا ومهاما غريبة على رسالته الحقيقية. إنه قادر بالطبع على الإلتزام بها في مناطق أخرى من النشاط.ثمة إنطباع لدي، و لاأظنه عابراً: هناك معالجات في التشييد والتوّجه الفكري متقاربة بين النجار وأرداش كاكافيان. كما لاحظت ُ تأكيد الإثنين على مسك الغرابة التي أسّميها، وبقدر ما من التعميم، بالميتافزيقية. إلا أن لكل من هذين الفنانين سبله اللونية وطروحاته للتجارب مع الذات والشيء والعالم. فالنجّار لا يترك غنائيته المكتنزة بتلك الألوان أبدا، وكل ما يفعله هو تقليص مساحة هيمنتها عند تناول فجاعات العالم كان غويا قد نفذ معظم أعمال سلسلاته الغرافيكية الأربع الشهيرة، بالأسود. أكيد أن إختياره كان صائبا. فهذا اللون هو البا ب المشرع واسعا على عالم الكوابيس وغيرها من الشقاءات التي أعقبت الطرد من الجنة سواء أكانت هذه توراتية أو من صلب التأريخ... ويخيل إلي، ولا أقول بأني جازم فحينها لكان عليّ أن أنبذ الكلام عن إنطباعاتي و أدخل الدرب البحثي - الدراسي، إن معالجة النجار لعدد من شخوص لوحاته تذكرني بشكل ما، بمعالجات الإسباني. وعموما لا أجد مفترق طرق هنا بين الإثنين اللذين رصدا بمثل هذه اليقظة سجل الفجاعات البشرية. بالطبع لم يكن فن غويا متجانسا. وكان قد فتح (علبة باندورا) بعد مرض غامض أصابه حوالي عام 1793. حينها جاءت العتمة والمخاوف وخاصة في فنه الغرافيكي (النزوات Los Capricos ) وغيرها. كل شيء هنا يلفه الغموض المستعار من الحلم، فا لمشاهد لاتتكلم الى النهاية، وشخوصها مستعارة من مسرح الدمى أو مسرح الظل. ومن هنا تأتي تداعياتي الذهنية: ثمة شبه، وفي أضعف الأحوال: تواز، بين العراقي والإسباني. وهو أمر مفهوم أن لكليهما مسرحه و مشاهده وشخوصه. في (ملحمته) عن الأهوار بشقيها التصويري والفوتوغرافي الفنيّ تلبسني شعور بأنني أقوم برحلة كونية رغم أن كل شيء هنا لدى هذا الفنان يشدّني بهذا المقطع من حياتنا الأرضية العراقية. لقد بدت تلك الأكواخ كأنها أجرام تسبح، وهي غير آبهة بمرصد الفنان، في كينونة فردوسية .فالنجّار جسّّد من خلال (لاواقعيته) كل ما هو محسوس وفعلي في هذا العالم الآخر الذي إكتشف الفنان أبعادا أخرى فيه.
إن علي النجار علامة ليست بالصغيرة في مسيرة التشكيل وليس العراقي حسب. وآمل أن تتوفر الفرص لتناول فنه في منظور آخر يسمح بالمزيد من الدقة في التحليل والتقييم.
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك