الرئيسية »  الـتشكيل»  كيف ينبثق العمل التشكيلي؟!

كيف ينبثق العمل التشكيلي؟!

عدد مرات المشاهدة :1146 - 15/ 11/ 2009

خالد خضير الصالحي

كيف ينبثق العمل التشكيلي؟!

  

حلقات نقاش في اتحاد أدباء البصرة


اقترحت اللجنة الثقافية لاتحاد أدباء وكتّاب البصرة عددا من حلقات النقاش ذات الموضوع الحيوي والمهم، وكانت بعنوان كيف يتشكل العمل السردي؟ وكيف يتشكل العمل الشعري؟ أي بعنوان عام هو: كيف يتشكل العمل الإبداعي؟ ونحن نقترح إبدال العنوان إلى: كيف ينبثق العمل الإبداعي؟، فبين الانبثاق والتشكل عالم من عناصر التشكل التي تطمر تحت أنقاضها (بلورة) التشكل الأولى...
وقد جرت الحلقة الأولى من حلقات النقاش هذه، وكانت بعنوان كيف يتشكل العمل السردي؟ الذي كتبنا عنه متابعة صحفية في صحيفة الاتحاد الغراء، كما جرت حلقة الشعر، ولقد كنا زعمنا وقتها، ونزعم الآن إن ما انتهت إليه هذه الحلقة النقاشية السابقة (في السرد) هو توصلها إلى استنتاج بأن العمل السردي يبدأ من لمحة (بلورة) بصرية، وهذا استنتاج يشمل أعمال الشعر، وهو من باب أولى يشمل العمل الفني التشكيلي ذا الطبيعة البصرية بالأساس.

البدايات والنهايات

إن البحث عن بدايات انبثاقات العمل الإبداعي يأتي برأينا كجزء من هوس البشر في البحث عن البدايات والنهايات بهدف تثبيت الحدود الزمكانية النهائية الأولى والنهائية الأخيرة في كل شيء، فقد أكدت الكاتبة سيزا قاسم في كتابها (القارئ والنص .. العلامة والدلالة) إن "للبدايات أهمية قصوى في المنظومة السيميوطيقية الزمنية... ولا يخلو بناء ثقافي، مهما كانت بدائيته، من هذا التصور، وعرفت هذه التصورات في الثقافات القديمة بأساطير الخلق، ولها سطوة بالغة في تشكيل ثقافات مجتمعاتها؛ وعنها تتولد جميع التصورات التي تنسج حولها الثقافة منظوماتها الفكرية"، فكان البحث عن بدايات التشكل في العمل الإبداعي واحدا من الهواجس التي تشغل بال المهتمين بالإبداع؛ وقد وردت لحظة الانبثاق الأول أو لحظة التكوين الأولى في العمل الإبداعي على تنوعاته المختلفة، في كتابات العديد من المبدعين بإشكال متعددة ، فكانت: (البلورة) عند فروست، و(الجرثومة) عند هنري جيمس، و(البؤرة المهيمنة) و(الحقيقة التصويرية) و (بصمة الواقع التي لا تمحى) عند بيكاسو و( لعبة المدركات الحسية) و(العلامات الكهفية) و(المتعرجات) و(المحيط القابل للاستيعاب) و(الطابع الكامن في قلب الرؤية) و(لحظة التكوين الأولى) (والصورة المحفزة) و(الصورة الأولية) و(النقطة المركزية) و (نقطة التكوين) عند بول كليه و(البذرة) عند هنري جيمس و(الموضوعة الدالة) عند هنري ماتيس و(الصورة الملتقطة) و(مركز العجلة) عند برشي... إن كل تلك المفاهيم تؤكد ما ذهبنا إليه بان صلة الفنان التشكيلي بالمحيط هي صلة بصرية (شيئية) ليس إلا، وان الزعم غير المبرر بان الفن قادر على بناء مجتمع فاضل يعيد للحياة عدالتها (المفقودة) هو محض وهم ليس إلا.
إن البحث عن البدايات الأولى للعمل الفني برأينا تشكل جزءا من بحث الفنان في ما اسماه الراحل شاكر حسن آل سعيد (الفن المحيطي)، ولم يكن آل سعيد يدعي أكثر من قيام الرسام بالتقاط لقاه من أشكال المحيط وآثاره ولقاه، وهو ما عكف عليه الكثير من الفنانين حيث كان هنري مور يقضي ساعات طوال وهو يتمشى على ساحل البحر ليلتقط بعض الحصى التي يقول عنها "أضعُ كل شيء كنت قد جمعته: بعض الحصى، بعض العظام، أشياء جاهزة، وغير ذلك، كل ما يساعد على توفير جوّ لبدء العمل...."، وهو ما كان يفعله جايكوميتي وغيره.

القوة والبساطة في التكوين الخطّـي

لقد كتبت مؤخرا عن ديوان الشاعرة العراقية رنا جعفر ياسين (المدهون بما لا نعرف) بـ"ـإن رنا جعفر ياسين تبتدئ النص ليس من عنوانه، وإنما من كل تفاصيل المدونة منذ لوحة الغلاف الأول وحتى صفحته الأخيرة، فقد تم انجاز غلاف المجموعة من قبل الشاعرة الرسامة ذاتها، بطريقة القص بالة حادة: مقص أو كتر، وهو تكنيك اتبعه الرسام هنري ماتيس في أواخر أيامه، وهو، أيضا، تكنيك يفتح، برأينا، الصفحة الثانية لفن الرسم باعتباره مؤلفا من آليتين رئيسيتين تماثل آليتي النحت بالتجميع والنحت بالحذف، فحينما يبتدئ النحات بالفراغ ويبدأ بوضع المادة الطيعة كالطين مثلا فإنما هو يردم المادة التي مازالت بحكم الفراغ غير المرغوب به، بينما حين يبدأ النحات بكتلة صلدة كالخشب أو الحجر فانه إنما يزيل الفراغ الذي لم يزل مادة غير مرغوب بها، وقد يمكن تقسيم الرسم تقسيما مماثلا الآن، فخلافا للرسامين التقليديين الذين يضعون المادة في فراغ الكانفاس ، هنالك تكنيك آخر كان يفعله ماتيس، في أواخر أيامه، وهو ما فعلته الشاعرة-الرسامة رنا جعفر ياسين، حينما كانت تحذف مادة الصفحة فلا يتبقى منها إلا ما هو مرغوب به ويتخلف عنه الفراغ،..... "، ولقد وحّدت قصاصات ماتيس آليتي الرسم المنفصلتين تقليديا وهما: البنية الخطية والتكوين اللوني في إجراء واحد هنا؛ ففتحت مدخلا من خلال اتصافها بأهم صفتين في العمل التشكيلي هما: القوة والبساطة، القوة الناتجة من السمة الكاليغرافية الخطية ، باعتبار أن المقص وهو يقص الورق فإنما يقوم بصنع خط، وهو في الوقت ذاته يقوم بالتلوين، أي انه يوحد الإجراءين في إجراء واحد وبذلك فهو يحقق البساطة، يقول ماتيس انه "تخطيط بالمقص في صحائف من ورق ملون، لا يحتاج إلا لإيماءة واحدة فقط من اجل أن يقرره الخط باللون والمحيط بالسطح"، إن البساطة تتحقق في التكوين اللوني أما القوة فتتحقق في التكوين الخطي (البلورة).

قوة الخط الخارجــيّ

أكد الشاعر والرسام والرائي وليم بليك بأن قوة الخط الخارجيّ تكمن في: "ان القاعدة الذهبية والعظيمة للفن والحياة أيضا،هي انه: كلما كان الخط الحدودي أكثر بيانا وحدّة ووترية ازداد العمل الفني تكاملا... لقد عرف رافائيل وانجيلو والبرت دورر بهذا الخط وبه وحده.... كيف نميز السنديانة من الزان، والحصان من الثور إلا بواسطة الخط المحدِّد؟ كيف نميز وجها عن آخر إلا بواسطة الخط المحدِّد والضربات اللامتناهية والحركات؟ ما الذي يميز النزاهة عن النذالة سوى الخط الوتري الشديد للاستقامة واليقين في الأفعال والنيات؟ تخلَّ عن هذا الخط، وستتخلى عن الحياة نفسها، ويعود كل شيء إلى الفوضى"؛ فليس غريبا إذن ان يكون معمار يوم القيامة عند المسلمين ليس أكثر من خيط رفيع يفصل الحق عن الباطل انه الصراط المستقيم.

الانقطاع والتواصل، الوصل والفصل

ان المحيط الكفافي يتشكل من خط خارجي وهمي ناتج عن فعل ثقافي هو هيمنة الهندسة الاقليدية باعتبارها "الخط العنصر الأساس للهندسة الاقليدية" (فرانكلين ر. روجرز)، وفيه تظهر قوة الخط وهيمنته في حقل الهندسة الاقليدية من خلال ما أسميناه (الانقطاع والتواصل، الوصل والفصل)، حيث تظهر قوة الخط في ظاهرة الانقطاع والتواصل، أو الوصل والفصل، حيث تفرض الهندسة الاقليدية هيمنة الخط باعتباره اقصر المسافات الواصلة بين نقطتين، فإن قوة الخط تظهر أهميتها في كون "(الخط المستقيم) هو العنصر الأساس للهندسة الاقليدية" (فرانكلين روجرز، الشعر والرسم، دار المأمون للترجمة والنشر، 1990 ، ص102) ففي ظاهرة وجود نقاط ثلاث سوداء على صفحة بيضاء يؤدي المؤثر الشبكي إلى إتمام ظاهرة الوصل بين النقاط ؛ مما يؤدي إلى نشوء مثلث وهمي يوصله العقل البشري رغم إن النقاط الثلاث يمكن أن تكون واقعة على محيط دائرة، وبذلك يتم إنتاج ظاهرة طوبولوجية نتيجة تزاوج بين صورة الجدار (النقاط الثلاث) وصورة الذاكرة (هيمنة التواصل بين نقطتين) لتنتج البلورة التي سيتأسس عليها الشكل المثلث القادم الذي هو نتيجة محيط كفافي غير موجود على السطح الذي يضم هذا المثلث. إن البلورة التي تكون البداية ألتي ينبثق منها العمل التشكيلي، هي أما ان تكوّن شكلا مغلقا؛ بمعنى انه يحدث ثقبا في السطح المخالف له باللون كأشكال الحروفD O B التي تشكل أشكالا مغلقة، بينما لا تشكل (الحروف S T Y U ) إلا قوسا لا يحدث ثقبا في السطح الذي يضمها من وجهة نظر طوبولوجية، وان النقاط الثلاث التي على سطح مخالف لها باللون تشكّل تكوينا خطيا (كاليغرافيا مغلقا) أي يمكن ان يشكل ثقبا في سطح مخالف له باللون (كالحروف (O D التي تشكّل أشكالا مغلقة من وجهة النظر الطوبولوجية، وان وقصاصات ما تيس هي (منحنيات بسيطة مغلقة) أي جرثومة أو بلورة، وهي برأينا الأشكال الأقرب إلى البلورة الطوبولوجية لان أشكاله "قصاصات مكونة من منحنيات بسيطة مغلقة" ذات طبيعة واحدة من وجهة النظر الطوبولوجية.
غالبا ما تـُطمر البلورة تحت ركام عناصر الإنشاء المختلفة، فهنالك مسافة كبيرة بين البلورة التي هي من طبيعة خطية كاليغرافية بينما تدخل في مرحلة التنفيذ كل عناصر الإنشاء، ففي الرسم اسبق العمليةُ الخطية البلورية عمليةَ الإنشاء وقد تنفصل عنها، فالمرحلة الأولى غامضة وهي بشكل إحساس بصري غامض وهمي كفافي.


صورتا: الجدار والذاكرة، الواقع والنسق

إن طوبولوجيا الأشكال عملياتٌ ادر كية معرفية وليست نتاجا محفزا شبكيا، فظاهرة كالنقاط الثلاث على سطح مستو، هي بشكل ما (البلورة) المحفزة التي تشكل ظاهرة طوبولوجية، وهي مشابهة للمحيط الكفافي الوهمي غير الموجود في الواقع، وهو ما كان يستند إليه الانطباعيون في محاجتهم ضد الكلاسيكية.
ان (البلورة) ذات طبيعة كاليغرافية خطية مبسطة، بينما يُدخلُ التنفيذُ كلَّ عناصر الإنشاء، ففي الرسم تسبق العملية الكاليغرافية (الخطية) البلورية عملية الإنشاء وقد تنفصل عنها، فالمرحلة الأولى (البلورية) تأتي بشكل إحساس، بصري، غامض، وهمي، كفافي.
هنالك ظاهرة تبدو بعيدة عن حقل الرسم ولكنها ناتج محفز ثقافي - بصري، وهي ظاهرة العمود المفتوح في لعبة الشطرنج: التي هي في حقيقتها ظاهرة ذات بعدين مكملين لبعضهما وهما ناتج: (اختفاء بيدق من العمود المفتوح + وجود الرخ التي يمكن ان يحتل العمود فيمنحه فاعليته)، وهذه الظاهرة الشطرنجية تعيدنا إلى سؤال مهم هو وجود صورتين تتواشجان لتكوين اللوحة عبر (البلورة) هما: صورة الجدار (متعرجات اللوحة) وصورة الذاكرة.
ان صورة الذاكرة هي الأخرى تكون بنمطين حسب ما اسميه (قانون) اندريه مالرو الذي يقول قانونه "يقلد الفنان أشكال الطبيعة في بدايات حياته الفنية، بينما يقلد أشكال الفن في مراحلها المتأخرة"، وبذلك يمكن تقسيم مصادر الفنان التشكيلي التي يمكن ان تشكل الخزين، الذي يستمد التشكيلي بلوراته منه، إلى :
أولا، صور الواقع القابعة في لاوعي الذاكرة الفردية.
ثانيا، صور النسق الفني السائدة.
ان فكرة البلورة القابعة في الذاكرة البصرية للفنان تفسر لنا اخفاق منجز عدد من الفنانين بسبب تكرار ذات البلورات المستمدة من منجزه ذاته وبذلك يسقط هؤلاء في التكرار وهو ما وقع فيه العديد من الفنانين ولمدد طويلة من حياتهم الفنية.




شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل