أدب فن: الفنــان أد ـ أرمــا الهولنــدي الطائــر الفنــان أد ـ أرمــا الهولنــدي الطائــر ================================================================================ علي البزاز on 27/ 9/ 2009 الثقافة نتاج تفكير، كدحٌ نهم لا يشبعه خبز المفاهيم، فمهما تكن المضامين مجرّدة، فإنها مع ذلك وليدة الأحتكاك الخشن بالأفكار، سواء أدباً أم فناً. ما يميز أعمال الفنان أد - أرما (نال جائزة فنان هولندا عام 2007) هو السعي وراء تحقيق الصفة التأريخية للهولندي التي هي السفر؛ بمعنى الترحال، أو سفر فكري يطلب مفاهيم عصرية، تمثل له آنية عمله الغزير والمتنوع؛ رسماً، نحتاً وكرافيكاً. يشجع نفسه أولاً على عدم المكوث المكاني والروحي، علّها تجد ما يُسرّها من وسائل التعبير. يقول «عدت من النيبال، ومن رحلة في الخليج العربي، وها أنا مشغول بموضوعة الزوال والبقاء، ما حفزني على رسم سلسلة أعمال بعنوان مرآة السفر»، والمرآة بحسبه «الواقع مقلوباً» وبالرجوع إلى العنوان، نكتشف القصد المستور منه، أي سفر المرآة. فالفن لا يعكس الواقع، وإلا أصبح مكرّراً معاداً وتابعاً لعملية الانعكاس التي تُظهره، إنه يجلي الواقع بما فيه المرآة، يقول علي حرب «أنا ضد المرآة في الفلسفة والفن» وما دامت الفلسفة «إبداع مفاهيم» بحسب دولوز، إبداعٌ وليس انعكاساً، ما ينطبق على الفن أيضاً. إذاً، ثمة عداوة جليّة بين الفن والمرآة، لا تهدأ خصومتها إلاّ عندما تكون المرآة تابعة له. يجوب اللون الأبيض معظم لوحات المعرض، متنقلاً من بياضه النقي إلى الأزرق الفاتح، وبهذا التكوين المعلن للأزل؛ انجسام الأرض مع السماء والبحر قبل تدنيسه بجريمة قابيل المشجّعة على حروب لاحقة. الأبيض في امتداده الأفقي يتداخل مع الأزرق( تمتد الخطوط في لوحات عام 2004 عمودياً) وهكذا لم يعد ممكناً التفريق بين الأرض والسماء، انهما وحدة واحدة في تآخٍ يشبه انسجام البداية. لا أحد يعرف بالضبط، كم استمر الانسجام الكوني ذاك في الطبيعة بين موجوداتها ؛ الغابة، الأرض، البحر والسماء، قبل أن ياتي الإنسان، ويبث التفرقة في ما بينها. الإنسان مرّوج النزاع والخصومة. لعل اللون الأبيض يقلّل من تمادي الفراغ المسيطر على عالمنا، يملأ خواءه المنهمك في تجويف مشاعر الإنسان المعاصر. تعلو أجنحة زرقاء تضاريس الأبيض، والسؤال لماذا زرقاء؟ يريد الفنان أن يقول، إن المعاشرة تخلق الصفة اللونية، فالجناح يتعايش وظيفياً، يومياً مع السماء، التي تلبي رغباته في ممارسة وجوده، لذا يكتسب الإثنان من صفات بعضهما البعض، يكتسب الجناح لون السماء، والسماء سعة الجناح، تبادل متناظر. كما حاز الإثنان دلالة لغوية وتوصيفية إنسانية، لارتباط مفهوم الحرية بهما، أصبحت الحرية في كادر اللوحة تلك، زرقاء. أزرق البحر، أزرق السماء وأزرق الطموح الإنساني في الانعتاق. حبكة اللون تشبه حبكة الرواية، وفي بعض لوحات الفنان أد - أرما، تكون هذه كلامية، تسرد تفاصيل المفهوم الذي يروم، والواضح أن هذا الفنان يشتغل ذهنياً قبل أن يمسك الفرشاة، الفكر قبل الفن، وحينئذ يحدّد هو، أي طريقة تعبير تناسب أفكاره، رسماً أم نحتاً. يقول «أنجزْ عملاً سرمدياً، لا شيء مقيّداً، أنا الوحيد مَن يقرّر نهاية العمل، ويحدّد الجيد والرديء»، يشترك الأبيض والأزرق مع الخلود بميزة التسامي، ويتقاسمان علامتي البقاء والفناء. كل لوحات «مرآة السفر» توظف هذين اللونين كرفيقين للنهاية، في وحدة مصير، فقد تنوعت وظائف اللون، من الجمال إلى التعبير الكلامي عن العالم. في المقابل، ينطوي السفر في بعض تجلياته على الفناء، وفي المغزى الديني، تُوصف الحياة على انها دار رحيل، فانية وتبغي حياة أخرى، أي سفر يطلب سفراً آخر، وهكذا هي حياة المرء، دوامة سفر، أما المرآة، فعلاقتها بالبقاء شديدة القربى، لا يُقلل من تراحمهما سوى الكسر، ومع ذلك فشظاياها المحطمة تحتفظ بالذاكرة التي هي امتحان البقاء. ولعل الحياة زوال منعكس، يبدو لناظره بقاءً، يقول اد - ارما «ليس الفن عدماً، إنما هو كينونة، عندئذ، تستطيع أن تجعل الكينونة عدماً». الجسد يحضر الجسد في لوحاته وإن غاب تشخيصياً، هذا الحضور استعاري في فترة 2004 التي تتميز بكثافة لونية حادة وبتجسيد يقترب كثيراً من الفن الآسيوي، هناك خطوط أفقية في صفوف متناسقة، تبوح بالصلاة، أو طقوس اليوغا، أجساد في لحظة خشوع، في ردهات علاج وتداوٍ، تمتلك في وسطها أشكالاً آسيوية الهيئة، هي من تجربة سفر الفنان إلى اليابان والهند «كل العالم في لحظة سفر». الأهم تقنياً في الفترة تلك، يكمن في سلسلة اللوحات المعبرّة عن حضور الهند في كيانه، استفادة من ألوان الشال الهندي، وبمهارة تولي اللون العنــاية الفائــقة، الذي يبدو مستوياً على سطح اللوحة، ولكنه لا يغفل مطــلقاً اكتساب العمق ذي الطبــقات المتعدّدة، مع ألوان شفيفة وحتمية الهدوء. ففــي لوحة «النسيان كبير كالكون» ينتصر الشــكل المتوج بصورة قارات الأرض، تقطعه خطوط أفقية، تُشبه سقوط المطر، وجسد بشري ناحل برأس تنين يُكلّم يده كأنه ينــفخ في حــضوره لكي لا يندرس. لا يكبت المرء فرحه عندما يتصفح كاتالوغ أد - أرما، فيعثر عليه مشغولاً بأصطياد المفاهيم. يخطئ من يظن أن الفن الحديث من دون أفكار، فلا شيء له ميل إلى الكينونة عارٍ من المضامين، حتى الدادئية تتبنى الأفكار، من حيت إنها اللامعنى، فاللامنتمي هو منتمٍ إلى اللانتماء، وكلنا منحاز، حتى القاضي غير محايد، لأنه منحاز الى تطبيق العدالة. وهكذا يربي الفنان عقله قبل أن تمسك يده الفرشاة، وهو منفتح على جهات العالم، فقد استفاد في عمله من روحانية الشرق ليبلغ رقي العواطف مع تقنية الغرب الهائلة الإمكانية في التشكيل، وتعلّم من صديقه الفنان الياباني جيرو تقنيات الورق، هو المغرم بغناء أم كلثوم وإيرين باباس يقول «كنت أرسم في هزيع الليل، وعادة استمع إلى اغاني أم كلثوم - هو لا يفهم العربية - وفجأة توقفت الفرشاة، وبدأت أبكي بحرقة». منحته الأفكار الصبر والدراية على تطويع البرونز في منحوتاته (تنتصب في أهم مدن هولندا) التي تمتاز برشاقة ساحرة، تستمد قوامها من تأمل الفكر في الروح. في «لحظة توازن» يتكـئ البرونز حاملاً دائرة أغصان ينتصب فوقها شكل امرأة ممشوق جداً يتبادل والشمعة النحول، المنحوته تستند على قاعدة خشبية. إذا كان البرونز يرمز إلى العالم الصناعي، الذي يفرض على الإنسان الاضطراب والبؤس، فإن الطبيعة متمثلة بالخشب تبعث الأمل بالاستقرار والتوازن. يود النحت الانتباه الى الساكن في المحيط الذي تنتصب فيه الاشكال، والذي يمثل المجتمع بالنسبة للإنسان. وعليه أصبحت القاعدة الخشبية محيطاً بالرغم من انها جزء من الهيكل العام. يقول هنري مور «ثمة حجم مادي لكل فكرة، يمتلك الحجم المادي الفعلي معنىً عاطفياً. نقارب كل شيء مع حجمنا الخاص» وهكذا فإننا بهذا المقاربة لا نعطي زمننا الشخصي إلى زمن المنحوته فحسب، بل نوغل في التعاطف المتبادل معها، بسبب من حيازتها المعنى في البعد الثالث المطلوب في النحت. لا يجعل الفــنان النحت، يتشاجر مع الرسم، بل يعزز انفصالهــما الفني، ويظل ماسكاً هذه الفرقة، وهي تعوق إمكانــية أن يحل أحدهما بديلاً من الآخر. يعادل الخشب في «موجه» المنتحل شكل ووظيفة القارب عطب الإنسان المعاصر.