الرئيسية »  الـتشكيل»  جدار بغداد العازل والعزلة التشكيلية

جدار بغداد العازل والعزلة التشكيلية

عدد مرات المشاهدة :1635 - 19/ 5/ 2007

علي النجار

جدار بغداد العازل والعزلة التشكيلية

علي النجار  

ما التباس الفهم الا قصورا واضحا في المعرفة, والأدراك المعرفي اعتقده المحرك الأهم في تلافي هذا القصور, وادراك تشكيليينا العراقيين بتشكيلتهم التي حركت وقادت مبادرتهم لرسوم الجدران الفاصلة في بغداد يبدو خارج محركات الفهم  بمعناه الثقافي البيئي والأجتماعي, وان كان هنا سياسيا بأمتياز. وفهم هذه المظاهرة القاصرة ( بحدود ادائها الثقافي الغير سليم) يقودنا الى تفكيك مظهريتها:
اولا وظيفة الجدار الملتبسة ما بين مبررات معلنة من قبل سلطات متباينة النوايا. وفعل اقحامي لسلطة البيئة المدنية المنتهكة اصلا بواقع ملغوم بانتهاكات داخلية وخارجية.
   ثانيا ان كان الأشتغال على هكذا فواصل مفككة لسلطة البيئة, ممزقة لوحدة المكان. من باب التزيين. فاعتقد ان في الأمر اكثر من سوء او قصور فهم. ان لم تكن ترويضا لأندماج هذه الأقحامات في الواقع الأفتراضي للمكان الجديد.
   ثالثا الواقع المعرفي الحالي يفترض به توفير الأطلاع على تجارب شعوب العالم في هكذا افعال مقاربة (وهو كذلك), والسؤال هنا: الم يكن من الأجدر لهذه المجموعة التشكيلية اومن يقودها (والمشكلة نفسها في عرااقنا الجديد تعدد القيادات وضياع الفعل معظم الأحيان) الأطلاع ولو من باب الفضول على تجارب عالمية مشابهة, واشهرها جدار برلين وجدران العزل العنصري الأسرائيلي. ام لا تزال في اوساطنا التشكيلية المحلية تسود اتجاهات ما قبل وقبل الحداثة, او المألوف من اسواق الكرادة التشكيلية التسويقية بمعناها (التجاري) المتداول. ام الأمر يكمن في استعراض مهارات رسم الخيول وذيولها التي تتعثر في الجدران الأسمنتية. وان كان المرحوم فائق حسن حقق حلمه الصحراوي, فانه بالتاكيد لم يكن يزرع خيوله الا في وسط رمالها. وان يكن خلف وراءه لعنة الخيول (في الوسط التشكيلي العراقي السائد) بدل الفراعنة.
رابعا ربما دار في خلد رسامي الجدار هذا(1) الأشتغال على مشهد سينمائي ترويحي بدل مشاهد عروض دور العرض  او من باب توفير المتعة المجانية والأنشغال عن مهمة الجدار المعلنة.           
خامسا وحسب اطلاعي على الهوية التشكيليية لاحد الفنانين الذي يقود مجموعة من الرسامين وكون عمله له صلة ما ولو باتت اثرية بالفن الجداري المكسيكي ويبدو انه فقد روابطه بها بشكل كامل في هذا الموقع ولم يبقى له من جذرها الثقافي شيئ ما وهي حالة كرست فيما سبق لعزل الثقافة العراقية عن منابع او روافد الثقافة العالمية الواسعة.
    
ان كان القصور المعرفي سمة المناهج التعليمية العربية ونحن من ضمن شعوبها، فهل تعدى الأمر الى محركات الفعل الوجداني العالمي النزعة. ام هو خمول او ذهول او حرص على النزر اليسير من مكتسباتنا المعرفية التي عفى عليها الزمن. فالتشكيل بحيزه الواضح وهو من ضمن معارفنا الإنسانية، باتت مساحته المعرفية تتوسع وتتشظى حد تخوم الذهول.مساحة تتشابك خلالها المعارف الجديدة بسيولتها الأختراقية لتخوم النفس والبيئة والفضاء وما خلفهما, وبوسائل هي الأخرى اختراقية لعلوم ومخابئ معرفية لا تحد. وبات الحلم صنعة احترافية لدى الفنان التشكيلي. والسؤال الأخير: في خضم هذه الوسائل والمعارف  الم يستطع منفذوا رسوم هذا الجدار من الحصول او اكتشاف وسائل تعبيرية مناسبة لأغراض اشتغالهم. ام ان الأمر كان مجرد من كل ذلك ومرصود لأستعراض مهارات فقدت غرضها التشكيلي منذ زمن بعيد في حسابات الزمن الفضائي الجديد. واعتقد ان هذه الالتباسات تقود الى النتائج الواضحة والغير سوية التي اوصلتها طروحات هذه الرسوم كونها تزيينية في محل مكرس للأحتجاج او الأعتراض على فعل كهذا ممزق لمحيط البيئة والنسيج الأجتماعي المدني. وان كانت الرسوم او الأفعال التشكيلية المقترحة موازية للفعل المكرس لها فربما اصبحت جزأ من تاريخ يحفظ بعض من مقاطعها او كسراتها (الجدارية) كأثر من فعل سياسي واضح النوايا كما هو الأمر المشابه لبعض من قطع جدار برلين مثلا.
..........................................................................................

   مقترح افتراضي بديل:

     تبنت احدى قاعات العرض في مدينة مالمو السويدية(2) معرضا للأطفال وبسن الأبتدائية, والمعرض هذا اعتقده (افترضا) مناسبا لهذا الجدار والأفتراض يدعمه المحتوى الدلالي الأنساني والبيئي المناسب. وعنوان العرض هو (الصراخ ) والصراخ محنة لكنها قابلة عن الأفصاح, ومحنتنا في العراق بحاجة عن الأفصاح. وما اعتقده فان هذا الصراخ الأحتجاجي والعفوي هو الأقرب لهذا المكان والصراخ عند الطفل هو الحياة المستترة البديلة. وحينما كنت في عمر لا ادرك فيه تشعبات ومسالك حياة الكبار كنت غالبا ما اصرخ وسواء كان عندي صراخا صادحا او خافتا او غير مسموع اطلاقا وغالبا ما كنت اغفى على نبرات صراخي المختلطة وصفير قطار او عربة او اختلاط نبرات اصوات محادثات الكبار. بعض الصغار طلاب الأبتدائية هؤلاء كان رسمه لصرختين متقابلتين وهو يحتج فيهما على صراخ معلمته. واخر كانت صرخته في قلب الجسد رأسا على عقب وباطرافة المتشنجة واعتقده يثبت هنا صرخة الأطراف بما انه يعاني من خلل فيها.واختلط الأمر في صراخ اطفال النكبات المهاجرة لحد الغموض المطلق احيانا واعتقد ان بامكانهم الأفصاح اكثر لو كرروا التجربة لمرات اخرى فربما تروض مساحة صراخهم لتبقي اخيرا على ما هو ضروري لسلامة اذهانهم. ومشكلتنا نحن العراقيون (الكبار) تكمن في كبت صراخ اعماقنا للحد الذي تتشظى فيه نفوسنا وتزوغ عن مجال الأباحة الضرورية لصفاء اعماقنا. وان كان ثمة مقترج بديل اخر فلماذا لا يكون لغير التشكيليين دور فيه. وانا اعتقد ان للكثير من اناسنا وباعمارهم المختلفة من الرغبة الحقيقة في امكانية التعبير عن (صراخهم) انطباعاتهم التي يمكن ان يدونوها على هذه الجدران اذا ما فسح لهم المجال وان لم تكن رسوما احترافية بالمعنى الأدائي التقليدي وهو هنا ليس فاعلا كفاية فبامكانهم اجتراح رسومهم وعلاماتهم ومدوناتهم الخاصة وما دام الأمر فتح الأبواب لا اغلاقها كممارسة لعهد ننتظره والتي تقف هذه الجدران حاجزا للوصول اليه فمن الأجدر على الكل المساهمة في كسر هذه الحواجز معنويا قبل ان تكون فعليا. وان كان الأنسان العراقي السومري فنانا بطبعه, وهذا ما تشهد علية اثاره فبامكان انسانا الحالي فعلها ايضا وهوبالتأكيد قادر على ذلك. وكثيرة هي الحركات التشكيلية الأجتماعية التي ظهرت في حداثة اوربا ومنها الفلوكوس في المانيا على سبيل المثال.  وما ينقصها سوى التعميم ( امتلكت عموميتها اخيرا) وان نكن احيانا عاجزين عن اختراق الفعل السياسي فبامكاننا اختراقه ثقافيا او ثقافيا تشكيليا ما دام الجاهز التشكيلي العراقي قاصرا عن مواكبة التحولات المريرة او العسيرة التي يمر بها وطننا. 
  1- المقالة تعليق على العنوان المنشور في موقع ايلاف الألكتروني والمنشور بتاريخ الثالث عشر من الشهر الحالي عن هذه الجدران والمعنون ب(جدران بغداد تكتسي بالخيول), وان لم تكن الخيول وحدها المكرسة في هذه الجدران كما يقول الفنان ماهود احمد وقوله وارد ايضا في هذا الخبر (اننا نحاول ان نعطي كل لوحة موضوعا مأخوذا من البيئة او ملامح من ابرز المدن, لأظهار الجمال واحلال الهدوء والسلام في عقول الناس). وكما يبدو فالفنان هنا يشتغل على اقامة معرض للرسوم التزيينية غير مدرك او واعي للمكان الذي اختاره لهذه الظاهرة التقليدية وعمله هذا يندرج ظمن تكريس المكان (الغير مألوف بل المخترق) مألوفا وبذلك تجاوز على اختراقية المكان او لغزه السياسي المدرك ابعاده.
   2- قاعة أور.



شارك الأخرين متعة القراءة على

Add to: Digg Digg Add to: Del.icio.us Delicious Add to: Facebook Facebook Add to: Yahoo Yahoo Add to: Google Goggle

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة:
رجاء أدخل الكود الموجود داخل الصورة
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
مكتبة أدب فن
ثورة عقارب الساعة

ثورة عقارب الساعة

   (ينشر الكتاب بموافقة الكاتب)قصص قصيرة جداً نهار حسب الله القاهرة 2011مؤسسة السندباد للنشر والاعلام مؤسسة ثقافية تطرح مشروعاً ثقافياً جاداً على أعتبار ان الثقافة
هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

هنري ميللر.. شعرية حياة عارية

      هنري ميللر.. شعرية حياة عارية   إعداد عدنان المبارك   إصدار أدب فن 2010الفهرست :- في طريق دييب - نيوهافن- الملاك علامتي المائية- في الدفاع
الكتاب: شارع في كركوك

الكتاب: شارع في كركوك

  تأليف: نصرت مردانمجموعة قصص قصيرةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 191غلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر ومن مؤسسة
التمر.. غذاء ودواء

التمر.. غذاء ودواء

    تأليف: نهاد فتاح التركقياس:21  ×  28سمعدد صفحات الكتاب: 160 صفحة بالصور والألوانغلاف: ملونالسعر: 20 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشر في
كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

كتاب: الحب الأول.. وقصص أخرى

تأليف:صموئيل بيكتدراسة: الآن باديوترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 237 صفحةغلاف عادي ملونالسعر 8 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
ديوان: خريف

ديوان: خريف

للشاعر: جورج تراكلترجمة: قاسم طلاعقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 98 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 5 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: دار
كتاب النص المفتوح: حية ودرج

كتاب النص المفتوح: حية ودرج

  للشاعر خزعل الماجديقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 176 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 7 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: أدب فن
رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

رواية: صمت الشوارع.. وضجيج الذكريات

  تأليف: ابتسام يوسف الطاهرقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 373غلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر: نشر أدب
كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

كتاب: بروست والاشارات.. والماكنة الأدبية

  تأليف: جيل دولوزترجمة: حسين عجةقياس: 14 × 21 سمعدد الصفحات: 320 صفحةغلاف عادي ملونالسعر: 10 ايرويطلب الكتاب من مؤسسة أدب فن للثقافة والفنون والنشرinfo@adabfan.comالناشر:
لماذا تعدو خلف قطرة الماء

لماذا تعدو خلف قطرة الماء

       تأليف: عبد اللطيف اللعبي   ترجمة: حسين عجة   Pourquoi cours tuAprès la goutte d’eauProsoèmes                أموت ثانية من العطشحينما يتحدثُ شاعرٌ خارج شعره، إلاّ يرتكب فعل