تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـتشكيل»  معرض للفنان صادق كريم طعمة

معرض للفنان صادق كريم طعمة

عدد مرات المشاهدة :1359 - April 21, 2007

عباس باني حسن العتابي

معرض للفنان صادق كريم طعمة

عباس باني حسن العتّابي  

العباسية
من يتذكر؟ بل من يعرف حارة العباسية في كرادة مريم؟
تقع حارة العباسية عند شاطيء نهر الدجلة، في الكرخ من بغداد، مربعة مثل مدينة سماوية تساوى طولها بعرضها، كانت تحد هيئتها الفردوسية المقدسة، معالم لشواهد  ذات معنى في تاريخ العراق الحديث، فعلى يسارها ثمة شارع (أمّولي ) الذي ينحدر من شارع المنصور متجهاً نحو النهر لينتهي بقصر ولي العهد (عبد الإله)، بجوار هذا القص، ثمة قصر آخر يعود لرئيس الوزراء الشهير ( نوري السعيد ). على الجانب الأيمن من العباسية، يقف، شامخاً، مبنى المجلس الوطني الذي يحاذي النهر حتى جسر الجمهورية، في المقابل، حيث جهة الغرب، يمتد شارع المنصور الذي يفصل العباسية عن مجمع مؤسسة السينما والمسرح القديمة، أما الجهة الشرقية، سبق أن كان الدجلة العظيم قد حفر مساره الأبدي فيها وهو الضلع الرابع الأكثر قدسية وتاريخية في حدود العباسية، الذي يقابله، من ضفة الرصافة، شارع أبو نؤاس. إن هذه الحارة البغدادية القتيلة، التي غدت من منسيات الماضي، كانت من بين أوائل شهداء ضحايا البعث الكئيب، لقد تساوت هذه القرية التاريخية مع الأرض لتنمو عليها ثكنات عسكرية جلفة. ثكلت الأرض البغدادية حارة العباسية في منتصف السبعينات من القرن الماضي.   
جنة الظلال
أثار الفنان صادق كريم طعمة عندي ، في دعوته لي لمعرضه الفني الجديد، هواجس الحنين للبعض من مناطق وحارات بغداد الأكثر التصاقاً بالتاريخ، فمن هذه، منطقة العباسية التي ربطتني بالبعض المميز من ناسها معرفة وصداقة طويلتين. تبدو حارة العباسية، للداخل إليها أول مرة، كأنها جزء مقتطع من التاريخ العراقي، كتب عليها الثبوت في ذلك الحيز الزمني، فهي أشبه بقرية عباسية متاخمة لمدينة بغداد الذهبية، كل شيء فيها يوحي بتوقف الزمن، النخيل الباسق الذي لم تخنقه بعد سياسة البعث الملوثة، المعادية للحياة وحب الحياة، النخيل الذي كان يزهو خضرة وابتهاجاً بفرحة أطفال العباسية تحت ظلاله الفردوسية، هذه الطفولة، التي تسعى، في ساعات فراغ البطون، باتجاه تلك النخلة الكريمة ذات العطاء الخالد، حيث تحت السعف البهي يتساوى البؤس والترف، هناك في العباسية تختفي مظاهر الجوع الطبقي بين جذوع النخيل الشامخ والسواقي التي عافها الماء وتلك التي تحمل الرطوبة الواهبة للحياة.
الأزقة الأفاعي وجاداتها الترابية، وجوه ناسها الذين خيل إليّ حينها كأنهم خلقوا من خميرة طينية واحدة، نبتوا عن أصل واحد من أبناء العمومة، متشابهون جميعهم، في هذا التشابه ينتمون كلهم إلى ملامح فوزي كريم الشاعر الودود (  الفنان صادق أخو فوزي كريم ). تتضمن العباسية، مثل عدد من حارات بغداد القديمة، على صفة نموذج العراق الصغير، الذي يغتني بكل ألوان الإنسان العراقي وأن الإحساس بالشبه الذي خيل إلي به كان قد اعتراني بسبب من التوافق الجميل الذي تحلت به حياة الناس في هذه الحارة الوديعة.
الذاكرة والطين
لم يبدأ موضوع الحنين عند الفنان صادق كريم طعمة في المنفى المهجر، إنما كان قد راوده، في المنفى الوطن العراق، منذ اللحظات الأولى لتركه العباسية، كان الأبعاد  عن مرتع الطفولة قيصرياً، إنه استئصال لأعمق ما بالنفس من شخصية، ذاكرة الطفولة السعيدة، الأرضية الفاضلة لمسيرة حياة طبيعية، التي ما زال الفنان صادق يدور حولها بمواضيعه وتجاربه الفنية وأحلامه الطويلة التي لا تخلو من شائبة أحزان الرجع البعيد. كان الفتى صادق كريم يلتجئ إلى النهر كلما ضاقت به حاجة الدنيا، فبالإضافة إلى قسمته من السمك الموعود ثمة رائحة الطين الندي، كأنه مخاض الأرض المغموسة بالماء، أحلام الطفولة الطرية التي لا تفتأ أن تشده إلى الماضي وإلى الماضي البعيد جداً، حيث كانت الحضارة تصنع بالطين وبواسطة يد الإنسان العراقي.
الانتماء للطفولة هو انتماء للوطن كما هو انتماء للتاريخ، هكذا تبدأ مواضيع الفنان صادق اندماجها بالذاكرة الحية، المتحركة في النفس، السابحة في الأحلام و بالماضي العظيم الذي حدد مسار الإنسانية الأولى، في حضارة السومريين، التي أمامها، يجد الإنسان العراقي ذاته في حالة مواجهة وجدانية كلما دعت الضرورة تأكيد ملامحه الشخصية، الإنسانية والوطنية. إن هذا الماضي السومري الذي يجد الفنان صادق كريم نفسه مشدوداً إليه هو حاصل معادلة المنفى الوطن والمنفى المهجر.

المؤلف: عباس باني حسن العتابي 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن