الفنانة الهولندية فرنسين كريج تتضامن في لوحاتها مع ماضي الرغبة
علي البزاز
أطلال الجسد
تُجافي الطبيعة العدالة عندما تغزو جسد المرأة مبكراً بالتجاعيد تاركة جسد الرجل ينعم بهذا التشفي عارضاً بطولته بما يشبه الثأر. جسد المرأة عزيز عليها، وهو رأسمال يجب استثماره، يخضع إلى قوانين العملة والسوق. لا يوجد رأسمال جامد له صفات التداول، ولهذا تُنشّط المرأة بخلاف الرجل قيمة الجسد وتصرف عليه نقدياً ما يكفي صونه من مساحيق التجميل والعطور. التضامن بين الحق المهدورجسدياً والحداثة الجمالية التي تُعيد إلى ما انتكس رونقه يكمن في معرض الفنانة الهولندية فرنسين كريخ"بشر جميل" غاليري""pulchri: أجساد لنساء عاريات مترهلات، يرسم التغضّن حرمانها وشهواتها، هُجّرت من نعيمها نتيجة الشيخوخة، وصارت في قاع الالم تفاوض عدم قصاصه النهائي. اللحم يبحث عن تسوية مع الجلد لاهثاً وراء رونقه الاول منذ كان في عناق وليس في مطاردة ، كما هو شكله الراهن. لا علاقة لهذه الاجساد بالفحش وإن تكن عارية، غايتها اشاعة الكيد للزمن . الزمن هو المطارد والمطلوب معاً. استحضار ما مضى من انسجام وتكافؤ بين السنوات وأبهة الجسد الطاعن في الغرور واللامبالاة عندما كانت المرآة تعني جوهرة النظر، في حين أنهاالأن قد تهدّل انعكاسها، وتبنّت الفزع من رؤية النهديين وقد شاخت قدرة الاثارة في كبريائهما.
كانت تلك ألاجساد مركزالعالم تعجّ بالتناسق والصحة وتشتهي العيون النظراليها، مركزاللذة والغنج هذا، يصبح في لوحات المعرض، مركز الطرد عن النواة، وعن الجاذبية الجمالية السائدة ، وعن معايير الانتباه والتودّد. يحضر الجسد في كل زمان ومكان؛ في الاشياء متمثلاً في اجساد الطاولات، الكراسي الاشجار وفي اجساد البشر التي رسمها الانسان الأول على جدران الكهوف اشارة، إلى القوة والزهو. الجسد ملهم الشهوة، يفترق عنها عندما يكون حافزه تجاهلها، اهمال الجسد، تغييب للانوثة والذكورة، جعل العالم مسطحاً، لاكهوف غائرة فيه ولا آهات التحسر أو رضا الاكتفاء الشبقي. يُرسَم الجسد غالباً من أجل اللذة والشبق، والتمتع الدائم باخضاره وليس إشهار قبحه وازدرائه. يجنّد هذا المعرض عيون الزائرين عنوة في معايير جمالية تدحض مفهوم القبح الذي يتلاشى نهائياً من معايير الذوق .يصبح جسد المرأة المترهل صفة جمالية مفروضة. يوّجه هذا القهر مباشرة إلى الرجل الشامت بترهّل اجساد النساء، ويتضامن معها ضد تحيّز الطبيعة. تضامن سافر كما هو عري الجسد معلن. مؤازرة عمودية تنال من القصاص الحتمي المبكر للجسد، تأتي من امرأة فنانة تنحاز إلى جنسها، إذ يُلاحظ أن جميع اللوحات هي لاجساد نساء عاريات فحسب. تقول الفنانة :" استثني الرجال من عملي لانهم يزدرون جسد الشيخوخة، يتنعمون بالجسد الجميل ويتحاشون مصائب الزمن على تقاطيعة".
يقود هذا المعرض حملة جيش لدحر العرف المتحكم بالقيم الجمالية ويحقّق المواساة الانسانية القاهرة للجمال عند الشيخوخة، التي لا ذنب للانسان في وجودها، لانها دورة طبيعية للحياة والموت. من هنا تقف هذه اللوحات في صلف متحديّة هذه القوانين، فلا مهادنة إذاً مع الالغاء، ما دامت الشيخوخة مفروضة بقوانين طبيعية، لا بشروط الكفاءة أو الاجتهاد اللذين يتحكم المرء في قيادتهما ويصبحان من محاسنه أو من مساوئة . في النهاية ، ومن منظور الطبيعة، ثمة عدالة في الشيخوخة، اقساها ترهل الجسد، وامتناعه عن فتنته.
تحفظ هذه اللوحات ذاكرة الزمن وتجتهد في ان تبوح بزمن الجسد الفتي تأويلياً، والذي يحضر كشبح أو كمُرافق تحصيلي للحاضر. يندمج الماضي البهي بالحاضر الكئيب، ماضي الجسد يجد له اشكالاً على هيأة تغضّنات وترهلات. سنوات من الخطوط والتجاعيد لإثار شهوات اصبحت اطلال رغبات، يعكسها الحاضر المجوّف، المفرغ من زمن اللذة الذي يصبح آنية لاحتواء اللحم والندوب، دون قدرته على التمتع بما نال الجسد من ذكريات و مسرات. زمن هذه اللوحات حيّ لانه يتحدث عن الحيّ. لا يسمح اللون(لوحات المعرض زيتية) بتشكيل منطقة عازلة تسترالماضي عن الحاضر، بل يساهم في تقوية صراخهما على الحضور معاً متصالحين. يحن الجسد دائماً إلى اللون الذي يعطيه النضارة والديمومة، والذي من دونه يصبح لحماً لا جسداً. يحتاج الزمن ايضاً إلى اللون كي يكون مرئياً بمعنى الضوء- الحضور والبقاء، وعليه، فالرسم اكثر الفنون حاجة إلى التلوين، والجسد أكثر الاشكال تبعية للون.
انجزت الفنانة فرنسين كريخ تخطيطات عارية منذ العام 1998، هي اشتغال هادىء على فكرة الجسد المتناسق، مع أمل العنفوان والشباب، فلا تجاعيد ولا زمن في ثنايا الكهولة. زمن تلك التخطيطات بفعل قلم الرصاص غير متعّدد، وسطحي يلامس الجسد المصقول، سالباً منه الصفة الانسانية التي يعطيها اللون للحم فتبدو تلك الاجساد وكأنها اجساد بنايات واعمدة كهرباء.
في معرض" بشر جميل" يساهم الزيت بجعل الزمن ذا ذاكرة لونية، تتفاوت من الازرق إلى الرمادي بحسب لون العيون،أو لون العانة والجلد. في لوحة"ذبول" لون العينين أزرق صافٍ لم تنل منه السنوات، ينتمي إلى الزمن الماضي، زمن الشباب، في حين أن باقي الجسد مكفهر . يصبح للتجاعيد زمن بفضل اللون، ولها حرمانها ومواعيد كلام وسكوت. الصمت يجد له انيساً في انطفاء الرغبة، في انحسار الشباب واقتراب الهيام من الهدنة. جميع تلك الاجساد مطفأة وساكتة، ومع اللون تبدو غير مستسلمة إلى قدرها. وهذا التناقض هو غاية الفن: عيون مشتعلة زرقاء تتماهى مع اشارات الشبق وجسد يتكوم على بعضه نتيجة طياته الكثيرة. تُستشف الحياة بمسراتها واحزانها من خلال الجسد الذي يروي قصة مروره على الزمن أو مرور الزمن عليه. الرسم يحرّض النساء على مقارعة الشيخوخة والظلم الذي يلحق بهن من الطبيعة التي تنال من الوان اجسادهن وتناسقها، المرأة اقرب إلى الطبيعة والرجل اقرب إلى الثقافة على قول سيمون دو بوفوار، هنا افتراق عن هذا اللقاء الفطري.
تشتغل الفنانة بدأب وبدراية جَيدين على الجلد في غالب لوحاتها لتصوير الشيخوخة: عندما يتنفخ الجسد بفعل السمنة،وعندما يصاب الجلد بالتشوهات ويتأثر شكله كحاضن للجسد. يحضر الجلد حسياً ويشعّ جمالياً على القوام، وقد يكون الجسد غير مترهل، لكن الجلد متغضّن يعطي الاحساس بالشيخوخة، ولهذا يمنح الجلدُ الجسد أنسنة ، يعبّر الرسم عنها بتقنيات اللون التي تتخطى فكرة الجسد- اللحم في الاعمال الفنية رغم ارتباطهما العضوي والجمالي، وتُبُقي الجسد وحيداً في كادر اللوحة، يعاونه الجلد في اظهار جماليته أو شيخوخته. الجلد هو لون وليس اللحم، وقد اكتسب صفات لونية تفسر الحالة العاطفية أو الجسدية: يكون لون الشخص الخائف أصفر ولون الغريق أزرق. ويكون جلد الخريف أصفر، هذه التعبيرات اللونية يحوزها الجلد ويعكسها على تقاسيم الجسد، وهكذا فأن لون الجلد يشي بالشباب أو بالشيخوخة، ولايمكن الافصاح عن هذا الجلد والوانه إلاّ في الرسم. اللافت في المعرض لون البشرة؛ معظم اللوحات لنساء اوربيات، لون بشرتهن اشقر يختلف في حدته ودرجة امتصاصه للحرارة عن اللون الاسمر، يعكس اللون الابيض الاشعاع، واللون الاسمريمتصه. لذا هو يمتلك القدرة على مقاومة التغضّن والقابلية لاخفاء عيوب الجسد. تدرك الفنانة هذا التحيّز الطبيعي ربما، وتستبعد الجسد الاسمر من لوحاتها كما فعلت مع جسد الرجل.
لشيءٌ جميل تقدير الجسد المترهل احتفاءً بالشيخوخة والغاءً للقباحة . تقديرماضي اللذة والعمل على انبعاثها من جديد. لا يغادر الجنس والوجد هذه الاجساد المتألمة بفعل الزمن، الي أصبح رديفاً للعذاب، اضافة إلى الزمن الفيزيائي والاقتصادي، ثمة الزمن - الالم الذي تنطق به هذه الاجساد، وغاية ألمها انطفاء الشهوة. انما وجودها في تلك الاشكال المتبرجة يشي بحاجة إلى التعويض الجنسي الحسي وليس الجسدي المنطفىء فيها. كما يجعلها في حالة مقاومة لليأس يؤازرها العري على ذلك. الحجاب يصيب الاجساد بعدوى القبول فتجنح إلى السكينة. اسئلة الاجساد المحجبة نظامية وغير مشاكسة، مقهورة بمستوى استكانتها، فالجسد كالطائر عدوّه القفص. تدرك المرأة بحسها الثاقب ان الحداثة يجب ان تشمل الجسد أيضاً وتغيير معايير الجمال والقياس، وتساهم موضة الملابس بهذا الانعتاق التقويمي للاذواق، ويبدو ان المرأة سائرة بهذا الانعتاق من الحجب الذي تفرضه الملابس وصولاً إلى العري؛ نقطة العودة والرجوع إلى الاحتشام والنكوص، فليس ثمة عري آخر وراء العري، بل احتشام وراء العري، لأن تجربة الاشهار قد استحكمت حلقاتها. السؤال: لو أن موديلات المعرض رُسمت بالملابس او بشبه العري، فكيف كان لون الجلد ليكون، وشكل اللحم واتقاد الرغبة وصفة الزمن في تلك الاجساد؟ في لوحة"ذكرى" تقف المرأة عارية بجسدها المترهل ونهديها الذابلين، وبطنها المنتفخ، مسندةً رأسها إلى الجدار. ظلُ الجسد على الحائط طبيعي ومتناسق ولا يشبه جسدها الحقيقي، على رغم أن الزمن واحد ظاهرياً ، وهو الحاضر. لكنه تاويلياً زمن آخر لأنها تفكر بهذا الظل وتتمناه بديلاً من جسدها . ثمة زمنان، زمن الجسد وزمن ظله.


del.icio.us
Digg

التعليقات (1 تعليقات سابقة):
لقد أشبعتني ألما, وعمقا ف يالمسافة..
أكسبتني على أفل تقدير لونا وشعورا يشبه الحنطة التي زرعت دون توديع من أصحابها الذين تركوها تصارع الحياة بين الجرف والماء..
اللوحات تغني بعذاب أغنية ون ياقلبي
كل الشكر لك أخي المبدع / علي البزاز
أضف تعليقك