تصفح الأرشيف
الأولى السابق تشرين الثاني/نوفبمر, 2008 التالي الأخير
أحد أثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت
1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30
نشرة البريد الألكتروني
أشترك بنشرتنا الشهرية   
الرئيسية »  الـتشكيل»  التشكيلي (وليد ستي) في الحجر اشتعالا(*)

التشكيلي (وليد ستي) في الحجر اشتعالا(*)

عدد مرات المشاهدة :324 - July 17, 2008

علي النجار

التشكيلي (وليد ستي) في الحجر اشتعالا(*)

حينما يتم استئصال الحبل السري من المولود الحديث, في بلدي العراق, وعند البعض من أناسنا, يتم وضع السرة منه بعد تغليفها في قطعة قماش في مكان تختاره الأسرة. فان هي الأسرة تحب وتمجد العمل فسوف تستقر السرة في زاوية ما من الورشة. وان كانت تنجذب لصنوف الثقافة, فسوف تستقر السرة في احد أدراج المكتبة المنزلية مثلا. لكن سرة التشكيلي الكردي(وليد ستي) وعلى ما يبدو من مجمل أعماله التشكيلية التي نفذها في السنوات الأخيرة فإنها تستقر في جوف صخرة من صخور جبال كردستان العراق. وهذا ما يبين سبب ولعه الطاغي لمحاورة او مناجاة صخوره المختارة الأثيرة. وليس عبثا انبهاره بسرة أرضه التي شهدت كوارث متتالية عبر أزمنتها المتلاحقة. وان كان للصخر من سحر, وهو كذلك وكعنصر لأرضية التأثيث الطبيعي. فان تشكله يكون فائقا عبر مناورات الفنان التي جذر في تفاصيلها  هيمنة  موروث طبيعة بيئته, ليس باكتضاض عناصرها اللا متناهية بل, في حدها الاختزالي. وليس من اليسير سبر هذه العوالم إلا لمن تدبر أمر خياله وخبر سبل معارفه التكنيكية الأكثر انتقاء ونقاوة. وهذا ما توفر للفنان ستي في أعماله التي عرضها مؤخرا في دار متحف (لايتون) في لندن).  

  
تشكل دوامة الصمت للنفس مصدا لا يقبل التنافذ والعوالم الخارجية . لكنها تبقى رغم مطلق لا محدودية استحواذيتها قابلة لمراوغة العناصر الوجدانية (السايكولوجية) الخبيئة, قابلية النفاذ هذه مرهونة بتشكل سلوكية الفنان عبر دروب حياته المتعددة. وان كان الصمت يشكل ظاهرة استحواذية للكثير منا بسبب من قهر الوسط المحيطي الشرقي. فانه يبقى صمتا مواربا خلف أحجيات قابلة للإفصاح أحيانا. وحتى لو انفك ارتباط الفنان بوسطه المحلي وعاش حياة أخرى في محيط أوربي أكثر رحابة. فان عناصر هذا الصمت التي حفرت بعيدا في دواخله سوف تبقى غير قابلة للأمحاء أو الإزالة. كما هو حال (ستي). ولم تكن صخرته كما هي صخرة (سيزيف) ثقلا أبديا. فهي في أعماله محورا لمناورة ماضي ومستقبل أناسه القابضين على صخور بيئتهم بما ملكوا من قوة. ولم تكن قوتهم هذه إلا توحدا وبذرة الطبيعة الصخرية الأولى. وان شكلت صخرة الكعبة المقدسة محورا لبعض أعماله. فانه ومن خلال مغزاها الأنثروبولجي يكرس مفهوم المركز بؤرة المصير الاجتماعي والسياسي ومركزا للتعايش والألفة. وان كان المكعب يمثل رمزا مقدسا هنا. فالسكن كذلك.  


    نستطيع ان ندرج تجربة التشكيلي وليد ستي ضمن تجارب التشكيليين الاستحواذيين. ولم يكن عبثا أن تستحوذ عليه فكرة إنشاء مستوطنته الصخرية وسط متاهة لندن وصخب تضاريسها الإنشائية ومسلكها المائي. وهو ضمن هذه التجربة يشكل استثناءا بين مجايلية في ابتعاده عن العناصر التي عبثت كثيرا في منجز التشكيليين العراقيين على اختلاف قومياتهم. واقصد بها التفاصيل الزخرفية الفولكلورية وتوابعها وذيولها. فان كان المنجز التشكيلي العراقي في زمن ما بحاجة لها ضمن أداء يتماشى وحراك هذا المنجز. فان الزمن الحالي تعدى ذلك لآفاق مفهومية أكثر التصاقا بزمننا وبواقع حالنا. وهذا ما سعى إلى تحقيقه فنانا. لقد اشتغل على إبراز القوة التخاطرية الخفية مابين الصخرة( رمزا وبيئة وسكنا) وحيواة أناس ساكنيها. وان مسكتنا قوة الجاذبية عن الانفراط في فضاء الأكوان. فان الجاذبية الصخرية هي التي تحولت إلى الحدث وتداعياته في رسومه الملونة والحبرية. ولم يكن الإنسان وحده محورا لهذه الجاذبية. فقد شكلها علامات بيئية استقطابية أيضا. وبات الصخر ألماسا وتوابع جاذبيته خرائط أشعته الساعية دوما إلى مركز طاقته.   


    في خفايا الصمت وهواجسه السحرية البؤرية وديناميكية حراك دواماته الاستقطابية المحيطة وبعد اختباء ينساب فعل انفعالي ملغز, هو اقرب إلى الجذر التأملي الصوفي الذي يكسب هذه الأعمال صيغتها التقليلة(الميني مالت). وهي الصيغة المعادلة للصيغة اللغوية(السهل الممتنع). لكن يبقى الإتيان بالفعل الأمتناعي متعارضا والبساطة أو السهولة التي تستشفها النظرة الأولى لهذه الأعمال. وهو سر يبقى اختيار الفنان لبعض من تفاصيله التشكيلية والإصرار على محاورتها ضمن مساحة مقاسه مقدما وعلى قدر ما يعتقده موافيا لبحثه عن جذوة إبداعية وبما يتجاوب ونبض إسرار روحه وفكره ومحيط إبداعه. لكن يبقى اللغز أحيانا خاضعا لمناورة كشف مضامينه المتخفية. وان أدركنا بان صخور التشكيلي هذه لا تختلف عن صخور محورنا الأرضي بشئ. ذلك أن الفعل ألتدنيسي البشري لم يعفي صخرة على وجه الأرض من انتهاكها. وما فعل(سيتي) إلا محاولة لكشط ما تبقى من خثيرة دماء الغدر البشري. وهو وعبر رهافة حسه يحاول الاقتراب من الإرث الكارثي الذي تعرض له أناسه, في  محاولة منه لتطهيره من تلوث حوادثه التاريخية الحديثة المأساوية  وتركنا في انتظار من يطهر تربة الجنوب من آثار تلوثها البيئية والبشرية. فطوبا للمتطهرين.  


    لكل صخرة هندستها الخاصة والتي لا تشبه بقية الصخور الأخرى. لقد استأثرتها المياه والرياح وزحزحتها المعادلات الجاذبية وتحكمت بها صنوف الدهر. لكن في حالة أن تكرسها كمفردة تعبيرية تمغنط ما عداها من مفردات تشكيلية أخرى. فلابد والحالة هذه من خضوعها لهندسة ذاتية. وهذا ما فعله الفنان حين حولها إلى مركز ومحيط تبادلي. وفي حالة كونها مركزا فإن محيطها يتشعب جذورا, أناسا, وأكوانا هلامية, أو بؤر ماس مشع(افتراضا). وحقق في ذلك جدلية التعارض مابين الصلابة والسيولة, الديمومة ومحيط إدامتها الحيوية, أو ما يكسبها علة ديمومتها الماسية. مثلما لا فرق بين الجذر الصلب وهشاشة الجسد البشري في بناء تصوراته المرسومة. فهو الذي قطن الصخر  واحتضنه. وان كان لكل منا صخرته الخاصة سواء مأواه أو لحده. فليس غريبا أن يفكك الفنانون ألغازها بين آن وآخر. وان تكن بطاقات تعريفهم الشخصية بعلاماتها الفارقة والأكثر وضوحا من سواها تيسر لنا مأمنا, او تجهز لنا فخا. فان هوية سكننا الأولى هي التي وفرت لنا سبل مواصلة مسيرة حياتنا حتى نهاياتها القصوى.    


    ليس من غرابة أن يعنون أعماله التي ضمها معرضه الأخير ب(ا لأرض تشتعل) وهي أحجارا. فليس اشتعال الحجر كالخشب مثلا. وصلابته تكمن في تلألؤه من خلال شحذ نقاوته تحت وهج النيران, وان انصهر فسيشكل ملحمة انبعاث جديد. هكذا هي أحجار جبال كردستان من خلال توهج مجمل تاريخها. وسوف يبقى هذا الصرح متوهجا حاله حال نقاء تربتنا الأرضية خارج مناورات التدنيس البشري. وهي بداهة أن يسعى الفنان لمناورة توهجها ولملة شظاياها هندسة إيقاعية لأكوان معاشه بصفاء استقامة خطوطها وبوقع لملمة أحشائها الدائرية. وان تمثل الجنين نقطة وسط محيط رحمه الدائري, فاستدارة الجبل ومحيط أناسه ربما تكون من أجنتنا .  


    بمثل ما استطاع أن يحاور بيئته الصخرية التي اجتزأتها ذاكرته المقصية مؤقتا عن دروبها. استطاع ان يحاور أيضا ساكنيها بمقاربات تكاد تتماها وشروط إخراج تلك الأعمال. فان استطاع الحجر ان يحتل مكانه كممثل لمركز الكون وهو كذلك في ميثولوجيتنا, فان الجماعة وليس الفرد هو الذي يشكل مركزها في هذه الميثولوجيا. وان تغلب الهاجس الجماعي ولا يزال لأناسنا. فان أمر الذات الإنسانية كوحدة كونية مستقلة لم نستطع ان نحسم أمرها لحد الآن. وهذا ما يبدو من معالجات الفنان الصخرية لمجاميع أناسه التي استبدلها بصخوره المركزية. لكن يبقى ما يقلقه هو هل الجماعة تمتلك إدراك الصخر لمحيطه ألبيئيي, وهل هي الملاذ مثله حقا(رغم كونها شكلت ملاذا في أزمنة سابقة). وان تشابهت صياغاته التشكيلية لكلا التيمتين. فهل معنى ذلك انه حاول أن يبحث عن معادلات بيئييه, إنسانية, سياسية. يأمل من خلالها الوصول إلى التطابق ومفهوم إنسانيته العالمية. هذا ما علينا البحث عنه في متاهات أعماله رغم تقشف تفاصيلها.


..............................................................................................................
*- الأرض تشتعل, عنوان معرض الفنان التشكيلي وليد سيتي في دار متحف لايتون في لندن. من 16 تموز الى 14  آب من هذا العام.


المؤلف: علي النجار 


أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

باسم الانصار في July 18, 2008
باسم الانصار الله يااستاذنا ووالدنا في الجمال والفن . مقالك ، قطعة نثرية جميلة . فيها روح الكائن الجمالي ، من حيث اللغة والاستهلال والاسترسال ، بحيث انني صرت قريبا من تجربة الفنان وليد سيتي من خلال مقالك هذا .. احييك من القلب ايها الطيب دائما وابدا .
باسم الانصار
أضف تعليقك comment
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
الكلمات الأكثر بحثا
لا توجد مدونات لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
كتاب مجلة أدب فن