أبواب أدب فن
تصفح الأرشيف
| أحد | أثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 |
تجارب معمارية متميزة.. سبعينية المعمار معاذ الآلوسي
عدد مرات المشاهدة :1635 - May 22, 2008
د. خالد السلطاني
غياب الجيل الثالث ... وحضوره
في كتابه " المكان، الزمان، والعمارة"؛ نصه الذي اعُتبر دوماً، من النصوص الكلاسيكية التى تعاطت مع منجز عمارة الحداثة، يشير مؤلفه الناقد المعماري " سيغفريد غيديون" (1888-1968) Siegfried Giedion الى ظهور" الجيل الثالث" في مسار ذلك الحدث الابداعي الذي بدء في التشكـّل بالعشرينات من القرن الماضي وأعني به " عمارة الحداثة" . ومقراً بوجود فوارق مهنية بين تلك الاجيال الصانعة لذلك الحدث، فان غيديون يشير في الوقت ذاته، الى حضور"سمة اساسية إكتنفت مسار الحركة الحداثية المعمارية، وهي سمة التعاقب، التتابع او الاستخلاف بين تلك الاجيال. والتى، وفقاً لرؤيته كفلت استمرارية تطور العمارة" ((Space, Time & Architecture,Moscow,1984 , p.362{Russian Edition} . ومع هذا، فان ناقد عمارة الحداثة المعروف يميز اختلافات جوهرية اتسم بها "الجيل الثالث" عن سابقيه، اختلافات نابعة أساسا من تداعيات التطور الحاصل في تكنولوجيا البناء وتغيير الذائقة الجمالية وظهور قضايا مهنية جديدة تطلبت حلولا معمارية غير مسبوقة. ومن ضمن المفاهيم التى تناولها " الجيل الثالث" بالتقصي والبحث والممارسة، كما رصدها الناقد، الاهتمام المكثف بنماذج العمارة التاريخية، ورؤية ذلك الاهتمام ليس بكونه امراً شكلياً، بقدر ما ".. كان ينطوي على ادراك عميق لكنه العلاقات الجوانية الرابطة لما بين العصور؛ والتى امنّ حضورها في الخطاب المهني، التطور المستمر الذي صاحب مسار العمارة" (ص. 362).
وما يشير اليه "سيغفريد غيديون" من افكار في مستواها العالمي، يمكن بنجاح اسقاط مفاهيمها على الحالة الاقليمية او المحلية. واقصد بالاخيرة، طبعا، الحالة العراقية. بمعنى ان مسار حركة التحديث المعمارية العراقية، التى تأسست بمواكبة زمنية، مع بدء " اعلان" مبادئ الحداثة المعمارية، والتى باتت صيرورتها في وقت لاحق تمثيلاً لاشتغال موازٍ مع ما يمكن ان نسميه مقاربات منجز عمارة الحداثة العالمي، افرزت هي الاخرى " جيلها الثالث"؛ الجيل الذي عمل واجتهد تصميمياً ضمن إشتراطات المرحلة الزمنية وظروفها الموضوعية والذاتية معاً. وهذا كله سيمهد السبيل لقراءة جادة لمسار تطور الحداثة بالعراق، ويمنحنا إمكانية إجراء تقييم موضوعي له، عبر الاحساس بحضور عنصرالمجايلة وتحديد فتراتها المرحلية، من دون ان يعني ذلك رسم حدود قسرية تفصل بين اعمال تلك الاجيال. وبما ان الحداثة المعمارية نشأت عندنا، في العراق، كما اسلفنا، في العشرينات، بتزامن طريف مع ظهور الحداثة المعمارية العالمية؛ فان فترة عمل "الجيل الثالث" الذي يتكلم عنه "غيديون"، انحصرت زمنياً بين منتصف الخمسينات وبدء الستينات ؛ وهي ذاتها الفترة التى تشكل بها عندنا ذلك الجيل المهني، الذي عوّل المسار التطوري للعمارة المحلية على منجزه امالا عريضة، لكن تلك الآمال ظلت، مع الاسف، مجرد آمال وتمنيات بعيدة عن التحقيق، وبالتالي لم يؤثر انتاج ذلك الجيل (المحدد المعالم والمتماثل في مرجعياته التصميمية) تأثيرا عميقاً في الممارسة المعمارية المحلية. وإذ اتسم منجز الجيل الثالث في مستواه العالمي على بلوغ تخوم ابداعية لم تكن معروفة او متداولة كثيرا في الخطاب المعماري يومذاك، كما يذكرّ غيديون بعضاَ منها، على سبيل المثال لا الحصر؛ فان ذلك المنجز قد تحقق في اجواء ثقافية معاضدة للابداع ، وبوجود فرص وإمكانات يسر حضورهما حُسن سير العملية الابداعية اياها. في حين كتُب على ممثلي "الجيل الثالث" العراقي ان يعملوا وينتجوا في "فضاء" احداث متقلبة جذرياً في مرجعياتها القيمية، وفي ظروف مستجدة ودائما طارئة، معظمها غير ملائمة اطلاقاً لتطلعاتهم وعملهم. وهذه الاحداث بدأتها ثورة تموز 1958 ، وما افرزته من نظام الحكم الفردي وما صاحبه من هشاشة استراتيجيات منطلقاته العمرانية المتسمة على غموض الاهداف في احيان، وغيابها التام في احيان آخرى.
لكن ما احدثه انقلابيو 8 شباط 1963 من " اجواء" حافلة بالرعب والقسوة غير المسبوقة، فاق كل ما مرّ سابقاً من "احداث" مدمرة على العراق والعراقيين ، عاملة عملها التخريبي في وأد والغاء اية فرصة محتملة للابداع الحقيقي، ومبعثرة، في الوقت نفسه، آمال " الجيل الثالث" في محاولته لجهة تحقيق اهداف مهنية جادة. ذلك لان القسوة المنفلتة والفظاعات التى اوقعت الفزع بالنفوس التى تبنى سياستها "الشباطيون" وتم تكريس " ثقافتها" بقوة السلاح، طالت الجميع، وبالطبع طالت المعماريين ولاسيما "الجيل الثالث" منهم، كثر منهم وجد نفسه امام محن الاعتقال والتشريد والطرد العشوائي من وظائفهم او في احسن الاحوال تضييق الخناق على البقية الباقية منهم. وما ارساه "الشباطيون" من ممارسات تعسفية وقسوة مفرطة، افضت ليس فقط الى ترويع المثقفين وتكميم افواههم ، وانما كرست "بمنظومتها" الجديدة قيماَ منحرفة لم تراعِ كثير أهمية للنزاهة او الخبرة او الكفاءة او الاختصاص لدى الاخرين. ان "دورهم" في هذا المعنى (مع ممارسات "ورثتهم" في انقلاب سنة 1968) ، لا يختلف كثيرا عن دور محاكم التفتيش الكنسية بالعصور الوسطى؛ عندما "زرعت" الاخيرة الخوف والذعر لدى ممثلي الطبقة المتنورة الايطالية، وارغمتهم عن طريق الارهاب والوعيد،على الصمت ونبذ الافكار الطليعية؛ ما جعل من ايطاليا المرعوبة‘ وهي المولدة والحاضنة الرئيسية لافكار عصر النهضة ،ان تعيش قروناً عديدة في قطيعة تامة مع تلك الافكار التى ابتدعتها هي نفسها، وان " تسكن" في ظلام ابستيمولوجي دامس ومريض، لم تبرؤ منه الا مؤخراً. لكننا لن نسترسل كثيرا هنا في مثل هذا الحديث، لان مكانه دراسات مطولة وربما كتب، نعتقد ان اوآنها قد آن، بعد نصف قرن من ذلك الحدث الذي افضى، من دون، ربما، قصد، الى ما افضى لعقود من سنين عجاف غارقة في ظلاميتها وهولها، وما نجم عنها من ارتداد مشين، نرى في مثل كتاب المعمار رفعة الجادرجي " جدار بين ظلمتين" صرخة مدوية في ذلك الاتجاه.
تبدو اسماء معماريين مثل ابراهيم علاوي وعصام غيدان وأنيس عجينة وطارق الجدة وغسان رؤوف، وفؤاد عثمان وغيرهم كثر، تبدو غريبة، الان، على وقع مسامع المثقفيين العراقيين وعلى مسامع المعماريين منهم ايضاً. فماكنة التغييب، "أشتغلت" بكفاءة ما بعدها كفاءة في إخفاء مجموعة تلك الاسماء التى شكلت قسماً من جسم الجيل الثالث، واقصتهم عن الذاكرة المعمارية العراقية. انه غياب ظالم لجيل كامل، كان يمكن له ان يثري المشهد المعماري المحلي بانجازات حقيقية، انجازات ربما غيرت كثر من معالم البيئة المبنية المحلية (وحتى الاقليمية) المتعطشة للتجديد، والتواقة لتنفيذ طروحاتهم وممارساتهم المهنية عالية النوعية. بالطبع ثمة اسماء معمارية اخرى امثال عدنان زكي امين وعبد الستار عياش وهنري زفوبودا ودريد الياور وعادل صالح زكي وصلاح الاحمدي وباسل جهاد حسن وجورج انطوان جورج وعبد السلام فرمان وكمال تاج الدين وغيرهم من الاسماء التى شكلت مع تلك الاسماء المذكورة اعلاه ما يعرف بالجيل الثالث، قسمُ منهم عمل لفترة، وآخر توارى سريعاً من المشهد المعماري تحت ضغط ظروف معقدة ومتنوعة، اتسمت بها المرحلة التى نتكلم عنها. لكن اعمال "معاذ الالوسي"(1938)، وهو احد معماري الجيل الثالث، كانت مؤثرة وحاضرة بقوة في الممارسة المعمارية المحلية.. والاقليمية ايضاً؛ ومنجزه المعماري المتنوع والمستمر، هو الذي يضفي أهمية خاصة على عمارة ذلك الجيل، ما يمنح دراستنا الحالية المكرسة "لسبعينيته" التى تتوافق هذه السنة (2008)، بعداً مضافاً يحمل دلالة التذكير باؤلئك الذين غيبوا على نحو قاسٍ وظالم؛ فعمارته في معنى ما، هي حضور في وجه الغياب. ومن هنا، ايضا، مشروعية الاحتفاء به وبعمارته.
وقبل الانتقال الى صلب الموضوع الذي اتطلع الى تناوله، اود ان احدد معنى مصطلح "الجيل الثالث" الذي اتعاطى معه. فهذا الجيل الذي تأهل معمارياً ومارس المهنة في فترة زمنية محددة، هو الجيل الذي خلف جيل سابق من المعماريين الذين تخرجوا في الاربعينات وبدء الخمسينات، والذين اعتبرهم ايضا خلفاً لجيل اول تأهلوا معماريا في الثلاثينات، أولئك الذين واكبوا فترة عمل المعماريين الانكليز الذين عهد لهم تدبير وتنفيذ المشاريع العمرانية في بدء نشوء الدولة العراقية الحديثة. ومصطلح معماريي " الجيل الثالث" يتعين ادراكه كخيمة فضفاضة إنضوى تحتها معماريون عديدون. مثل جميع تلك الاسماء التى ذكرت توا( وقد تكون جميعها لم تذكر، بسبب نقص المعلومات .. والنسيان ايضا!)، لكن ثمة اسماء لمعماريين آخرين ليس بالمستطاع " نسبها" الى الجيل الثاني، كما ليس بالامكان" عدها" من الجيل الثالث، انها تقع عند تخوم جيلين، مثل: هشام منير وناصر الاسدي ومهدي الحسني وفاضل لازار ومحمود حمندي وغيرهم، تماما مثل بعض الاسماء الآخرى التى تقع عند نهايات فترة الجيل الثالث وليس منه مثل: هيثم خورشيد سعيد وياسر حكمت عبد المجيد وعصام السعيد وعباد الراضي وطالب الطالب ونزار عثمان وغيرهم. ويظل تشابه العامل الزمني وتماثل الظروف التى عملوا فيها، هما اللذين يحددان مصطلح معماري " الجيل الثالث"، هم الذين مارسوا عملهم وفق مقاربات مهنية متقاربة، وتلقوا جميعهم تعليمهم المعماري خارج العراق، ما يمنح تلك التسمية نوعا من المصداقية والوثوقية. تنبغي الاشارة بان خصوصية موقع المعمار ضمن "خيمات" الاجيال المذكورة، لا يعني باي حال من الاحوال اكتساب المعمار بصورة آلية نوعا من التقييم المهني. ذلك لان اسلوب "التحقيبات" الجيلية، كما هو متعارف عليه نقدياً، ماهو الا اداة لالية تستخدم بغية التركيز على قضية فكرية محددة، ولاجل مزيد من التحليل والاضاءة لها، وليس غير.

ولد معاذ الالوسي في 24 تشرين الثاني 1938 ببغداد في احد احيائها القديمة التاريخية ، وبعد ان درس لسنة واحدة في كلية الزراعة بجامعة بغداد، انضم الى بعثة دراسية لدراسة العمارة في جامعة الشرق الاوسط بانقرة في تركيا، التى كانت برامجها التدريسية وقت ذاك مأخوذة، كما هو حال الثقافة التركية في الخمسينات بالنموذج الامريكي الواعد وبنجاحاته في شتى الميادين بضمنها العمارة، وتحديدا عمارة الحداثة، التى انتقل مركز ثقلها الى الجهة الاخرى من الاطلنطي ، تاركة مكان " اختراعها" الاوربي نهبا للحروب والخراب. وحالما انهى تعليمه المعماري عام 1961 قفل "معاذ" راجعاً الى بغداد، بعد زيارات قصيرة الى ايطاليا والمانيا؛ لينضم وهو المتعين حديثا في دائرة الاسكان وبتوصية خاصة من رفعة الجادرجي (1926) الى مكتب "الاستشاري العراقي"، الذي كان الجادرجي احد مؤسسيه.
ومن عمله في المؤسسات الحكومية ونشاطه التصميمي في المكتب الاستشاري استقى المعمار الشاب خبرته المهنية الواقعية وتعلم منهما على "اسرار" المهنة وطرائق التصميم ضمن مقاربات معمارية اجتهد مع اخرين في صياغتها. فضلا على ادراكه لخصائص المواد المحلية واسلوب البناء وطريقة التعامل اليومي مع المنفذين. وسيقول لاحقا عن " جامعاته" المهنية بانه مدين لهما باكتساب الخبرة المعمارية. وعن عمله في دوائر الدولة بانها فترة مفيدة جدا، وضرورية جدا للمعمار ذلك لانها تمنحه " .. التعرف على الانظمة والاعراف الهندسية وتسلسل العلاقات في دوائر الدولة وطرق ادارة المشاريع وتمويلها.." والاهم " ..هاجس المكان الذي لم اكن ملماً به قبل الدراسة المعمارية" ( معاذ الالوسي < درب العمارة> مخطوطة، قبرص 2007).
اشترك معاذ في دورات دراسية في " الجمعية المعمارية" في المملكة المتحدة( 1963-64) مختصة في الابنية الدراسية بالمناطق الاستوائية، وبعد سنين عديدة (1961-70) قضاها في مؤسسات وزارة الاشغال :الاسكان والمباني،استقال اخيرا في نيسان 1970 ليتفرغ بالكامل للعمل في المكتب الاستشاري العراقي، الذي سيتركه ايضا بعد حوالى اربع سنوات ( مايس 1974)، وليؤسس لنفسه مع اخرين مكتب " الدراسات الفنية" في بيروت /لبنان ، وبعد حله ينشأ مكتب " الالوسي ومشاركوه" في قبرص.
صمم معاذ الالوسي مبانٍ عديدة ذات وظائف متنوعة، وبمقاسات مختلفة، كما ان "جغرافية" مواقع مبانيه شاسعة جدا؛ فهو وان بدء حياته المهنية في وطنه العراق وصمم له الكثير(والاجمل؟) ، لكنه ايضاً إشتغل للخليج ولافريقيا وبلاد الارمن بالاضافة الى قبرص ولبنان، ولايزال ينشط ويصمم في مقر إقامته القبرصية الحالية.
لا تسعى هذه الدراسة لان تكون توثيقاً "لمؤلفات" المعمار الكاملة، فهذا ليس هدفها، انها تنشد قراءة نقدية جديدة، يكمن "جديدها" في تعاطيها مع آليات النقد الحداثي، القادر على اضاءة "النص" الالوسي المعماري المتنوع والمميز ..ايضاً، وتبيان اهميتة التصميمية عبر التركيز على نماذج مصطفاة، نزعم بانها ذات أهمية تصميمة خاصة في منجز المعمار، ومنجز العمارة العراقية والاقليمية على وجه العموم.
تشترك معظم تصاميم الالوسي بسمة تكوينية واضحة ، سمة قد تكون حاضرة في اكثرية مشاريعه المنفذة والمصممة وهي سمة "التماثلية" Symmetry ، ما يمنح غالباً تلك المشاريع نكهة كلاسيكية مفرطة، توحي الى ثبوتية انشائية ورصانة فورماتية عاليتين . وهو كثير ما يطوع اختلاف المادة الانشائية المستخدمة في مبانيه من اجل تكريس نزعة التماثل الذي يسعى اليها لتشكيل مساقط مبانيه وصياغة واجاهاتها. ويضحى قرار" التماثل" اياه بالنسبة اليه، وكأنه قرار تصميمي ملزم، بل وكأنه "مفروض" عليه، بيد انه لا ينفك يتعاطى معه بمودة "تشيها" اساليب تنوع المعالجات التكوينية الموظفة وفنيتها العالية. وتغدو مبانيه " اتحاد نقابات العمال" (1974) المنفذه في مناطق مختلفة بالعراق، و"مشروع المصرف المركزي (1975) في صلالة بعمان، والبنك العربي الافريقي (1977) و" مطبعة دار القبس" (1978) بالكويت العاصمة، و"البنك العربي"(1978) في مسقط، ، و" سفارة الامارات العربية المتحدة(1979) في عُمان، والسفارة القطرية (1976) في عمان، والسفارة الكويتية في البحرين، ومركز الدراسات المصرفية" (1980) الكويت العاصمة، فضلا على "مشروع مسجد الدولة الكبير"( 1982) بغداد / العراق، ومركزصلالة الثقافي (1982) في عمان، و"مستشفى البسمة الاهلي" (1989) بالوزيرية ببغداد/ العراق، ومبنى" كمال حمزة" (1979) بالخرطوم / السودان، ومشروع القصر الرئاسي(1995) في برازفيل / الكونغو، وحتى "معمل كندا دراي وسفن آب"( 1978) في دبي، و" خدمات مرسيدس بنز"(1999) في يرفان / ارمينا، وغيرها من المشاريع، تغدو جميعها تمثيلاً لحضور بليغ للتماثلية تلك السمة التكوينية القريبة الى قلب المعمار. لكن التماثلية وان كانت ذات اهمية كبيرة في تكوينات الحل التصميمي المقترح، فانها لم تكن السمة المحتكرة للاهمية كلها ، فالمعمار مهتم ايضاً بتكريس الهندسية: الهندسية المنتظمة، " المروضة" كما وودت ان ادعوها، والتى تحضر هي الاخرى حضورا فصيحاً ،بتوازٍ مع التماثلية، في التكوينات المبتدعة. ثمة اعتناء زائد ايضا في تكريس "النظام" Order في عمارته بالاضافة الى تأكيده للفعالية الوظيفية، والحسّ المنطقي في توزيع الفراغات؛ وان تراءى لنا عكس ذلك نظراً لولع المعمار في توظيف معالجات تعبيرية في واجهاته، قد لا تكون توظيفاتها مسوغة وظيفياً على نحو كامل.
ولأن تعاطى المعمار مع تلك المقومات Features التكوينية التى اشرنا اليها توا، بصورة قد تبدو دائمية في غالبية تصاميمه، فان مهام تنطيق تلك المقومات اختزلها المعمار في مفردة تصميمية واحدة، وهي مفردة شكل "القوس". و"القوس" لدى الالوسي ليس فقط سطحاً ببعدين، وإنما كتلة بثلاثة ابعاد ايضا. ويوظف المعمار تلك المفردة التكوينية في تكرار مدهش، لكن تنويعات ذلك التكرار لا تقل هي الاخرى إثارة للدهشة. وهو في هذه الحالة لايقصر استخدام شكل القوس الكامل لوحده بل نرى استعملات متنوعة لانصافه واحيانا ربعه. انه يشاهد جلياً في معالجات واجهات مبانيه المتنوعة وفي كتلها، لكنه ايضا يوحى اليه. فالمعمار حريص على تذكيرنا، حضوراً وغياباً، باهمية المفردة التصميمة التى يتعاطى معها. هل لي في حاجة لتذكير القارئ عن مواقع توظيفات تلك المفردة التكوينية في تصاميم المعمار؟ ذلك لان غالبية مشاريع الالوسي " تفيض" باستخدامات تلك المفردة، وهو امر يجعلنا ان نتوقف قليلا عندها لتقصي حيثيات ذلك "الاغراق" القوسي في تصاميمه!.
يثير الالحاح والتكرار والتنويع لاستخدام مفردة "القوس" لدى الالوسي، تساؤلا مشروعاً عن خلفيات هذا القرار التصميمي، الذي جعل من شكل عمارته لتكون شكلا من اشكال " تنويعات قوسية". فبالاضافة الى استخدام القوس في غالبية ( جميع؟) مبانيه وخاصة المصممة ابتداءا من السبعينات، نراه حاضرا بقوة ايضا في مشاريع آخرى لم يكتب لها التنفيذ. كما نرى مفردة القوس طاغية في "موتيف" تخطيطات المعمار التى جمعتها " سلمى سمر الدملوجي" واصدرتها في كتاب بعنوان "يوميات بصرية لمعمار عربي :معاذ الالوسي". ونعتقد ان تفسيرظاهرة تلك المفردة التكوينية وإدراك بواعث توظيفاتها في الحل التكويني، بمقدورهما ان يحددا لنا طبيعة العمارة التى نتعاطى معها: خصوصيتها، وإضافاتها وأهميتها ...و"رسالتها" ايضاً.
في مقدمة كتاب " يوميات بصرية.." ، يشرح "جبرا ابراهيم جبرا" تجربة "معاذ" مع مفردة القوس فيكتب".. وكون هذا الفنان معمارياً عربيا يضفي على الموضوع مغزى خاصاً، فقد اقترن العرب في اذهان الناس اقترانا وثيقا بعمارة الاقواس، حتى ليتساءل المرء ألم يكن العرب هم الذين اخترعوها. ولما كان معاذ الالوسي عراقياً فإنه قد يؤكد على ان القوس استعملت لاول مرة بشكل كبير وذي وظيفة بنيوية عند البابليين والآشوريين . .. " " ...ان ثمة ايحاء بقوة عاطفية في الخط الذي يتصاعد من الارض وينحني مع السماء ليسقط ثانية الى الارض. وإذ يتكاثر هذا الشكل، فان وقعه في الغالب اشبه بالموسيقى التى تملأ الصدر بجذل أو انشراح فجائي يكاد يعجز عنه اي تحليل." (يوميات بصرية لمعمار عربي: معاذ الالوسي، اعداد وتصميم سلمى سمر الدملوجي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1983، ص 6-7).
تبدو كلمات الناقد الفني المعروف، معنية اساسا في تقديم "شرح" لواقع ملموس مشرب بتوظيفات تلك المفردة، رغم انه في مكان آخر من تقديمه الشيق يشير الى اسباب ذلك الاستخدام قائلا: " ... إن انغماسه (انغماس "الالوسي" خ.س.) في موضوع القوس المعمارية انما هو ضرب من البحث في دخيلة النفس، وتغلغل في أعماق الذاكرة الجمعية- انه ضرب من العودة الى الجذور.". وتوافق معدة الكتاب "سلمى الدملوجي" "جبرا" في هذة النقطة بالذات، وتكتب ايضا في الكتاب اياه، من "إن هذه الافكار المرسومة تعترف بالحاجة الى التواصل في العمارة العربية بهدف التوصل الى صيغة مترابطة متطورة وجديدة.." وتضيف ".. والى هذا، فإن التحدى الاخير يكمن في التوصل الى المحتوى الوظيفي والجمالي لتكوين معماري يبلغ لغة ابداعية تطغي على تيار التماثل التكراري والتعابير المستعارة المستخدمة في عمارة "المسطرة الهندسية". ويوميات الألوسي البصرية شاهد على زمان ومسار بحثه وتنقيبه، عبر الخط والشكل واللون والحجوم، عن لغة عربية جديدة." (ص11) . ولكن مع هذا، مع قناعتنا بصوابية مثل تلك الاستنتاجات فإن التساؤل المثير هنا، والمطلوب ايجاد جواب مقنع له يكمن في-: لماذا القوس؟ لماذا هذه المفردة التكوينية تحديدا؟؛ وما مغزى ظهورها الفجائي والسريع في الحل التصميمي ابان فترة زمنية محددة؟
ثمة اسباب عديدة نرى في تواءم ظهورها بتزامن نادر، قد اسهمت في جعل استخدام القوس وتجلياته المكرره في عمارة الالوسي، استخداماً مغريا ...و"حداثيا" معا. وفي طبيعة ذلك الاستخدام المشوبة توصيفاته بالتعقيد والتناقض ،يضاف اليه ايضاً رغبة المعمار الجامحة في التقصي عن "ايقونة" بصرية لتأكيد ذاته المصممة؛ يمكن للمرء ان يستشف منهما (اي من طبيعة الاستخدام والرغبة الجامحة) بواعث تؤسس لاجوبة مقنعة لتلك التساؤلات المشروعة. ونرى ان هذه البواعث كمنت في طبيعة عمل المعمار في مكتب "الاستشاري العراقي"، وخصوصية فترة الستينات، وما رافقها من تغييرات فكرية اثرت على الخطاب المعماري، وانعكاس ذلك في الممارسة المعمارية العالمية ، ما افضى لظهور "نماذج" تصميمية Paradigm (بردمية، بلغة رفعة الجادرجي) في مناطق جغرافية محددة قابلة بسهولة للايحاء .. والاحتذاء ايضاً. وسنحاول إقتفاء، ولو باختصار شديد، أثر جميع تلك الاسباب ونتائجها النافذة، المؤثرة في تكريس ظاهرة حضور القوس بالحلول التصميمية في تجربة "معاذ" المعمارية. عندما ترك الالوسي مكتب "الاستشاري العراقي" في سنة 1974، كانت مفردة "الفوس" وقتها تشكل"علامة فارقة" للاعمال المنتجة بالمكتب. فشكل العقد نصف الدائري امست المفردة الاثيرة الصائغة لواجهات المباني ذات الوظائف المختلفة بدءا من دار سكن لعائلة واحدة الى مبنى متعدد الطوابق او حتى لمجمع مبانٍ. لم يقتصر توظيف القوس على الواجهات فقط، فقد كانت حاضرة بقوة ايضا في "انترير" المباني المصممة. تارة نشاهدها معمولة بالآجر، واخرى بالخرسانة او الخشب واحيانا ترسم هيئتها بالمعدن. ومفردة القوس تستخدم بمقاسات مختلفة، لكن استخدامها دوما يتم بتكرارات متنوعة وبكثافة ، يصل احيانا، حد "الضجيج" البصري، لكنه "ضجيج" متعمد يراد منه تكريس "اميج" العلامة الفارقة التى يتوق المكتب بها تمييز وتميّز مشاريعه.
من، ياترى، "اخترع" او بالاحرى "اعاد اختراع" هذه المفردة التكوينية في المباني المصممة من قبل المكتب، الذي انفرد بشكل لافت في توظيفاتها؟. يعزو الاستاذ رفعة الجادرجي ظهورها في مشاريعه والاهتمام بها تصميميا الى حديث عابر مع طبيب بغدادي- صديق له. (رفعة الجادرجي، الاخيضر والقصر البلوري
المؤلف: د. خالد السلطاني
قيم هذا المقال
نص باذخ شعرا
تقبلي مروري
ماذا عساني اقول :
كلما مررت بقصائدك اجدك تلمع كالذهب الخالص , فحينما تمتزج صدق العاطفة مع الشعرية العالية تخلق لنا صورة قوية و رؤية ...
الأخ العزيز والفنان الوفي الأستاذ سعدي عبد الكريم.. أشكرك وأحيييك وأنت تكتب عن أستاذي (أستاذنا ومربينا)أسعد عبد الرزاق الذي شحت الكتابة عنه وهو البقية الباقية ...
صديقي طارق
اتمني لك التوفيق ، فانت شاعر بالفطرة ، منذو نعومة اظافرك عرفت الشعر والادب وهو احبك
،عشقت الشعر لاجل قصائدك، علمتني الادمان وعشق قصائدك منذو ...
لا اعرف من اين امسك هذه القصيدة الرائعة اخي وعزيزي مهدي النفري ايها الشاعر الكبير انك هنا تنزف بلوراً يشع بكل ما يملك الشعر من ...
كتاب مجلة أدب فن







del.icio.us
Digg
قراءة في كتاب" ظاهرة الشعر الحديث" للدكتور أحمد المعداوي


التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك